تأخذك إلى أعماق الفكر

الأزمة الوجودية لشخصية مصممة إلكترونيًا بلعبة PUBG

هل كنت ساذجًا إلى ذلك الحد؟ ملأني الأمل لخلق مفهوم أنقى للوجود، لكن الوجود لم يعنه كفاحي. إلى أين نهرب؟ ولماذا؟ وكيف نظن أنفسنا أحرارًا مادمنا ندور ونركض في نطاق تلك الـ Zone الشيطانية والتي تدفعنا عاجلًا أم أجلًا للموت سواء كنا فاعلين أو مفعولٌ بنا؟

ربما كنتُ حرًا في اختيار سلاح الـUZI عوضاً عن الـ M416، أو  لم أرد أن أثقل حقيبتي بـ Scopes كنت في غِنى عنها، أو ربما في إهداء دجاجة لأحد اللاعبين، ولكنني حتماً لست حُراً في مسألة الضغط على الزناد. يؤلمني جسدي بعدما تخطيت ال Zone، وأعلم أن اللاعب الوحيد المتبقي في ذلك الدور يقطن في ذلك البيت المقابل، يمكنني رؤيته بينما اتخفى وراء أحد النباتات التي تعج بها أرض Sanhok. هو لا يراني، لو رآني سأطلق النار فورًا.

راودني حنين لنسل الشخصيات المصممة إلكترونيًا وكدت أن أنهض وألوح بعلم أبيض أملًا في التفاوض، ولكنني ساذج، لم أفهم الهدف من كل هذا. لم يتم تصميمي للبقاء في Sanhok  بالرغم من رغبتي المفرطة في مواصلة الوجود هنا. وبالرغم من حنيني إلى أراضيها الخضراء الرطبة، ومعابدها التي تحمل أرواح الغائبين بين جدرانها المزخرفة، وملمس الطمي على الأرض حين ينهمل المطر فوق رؤوسنا، وليلها البارد الرطب، لكنني إن أردت البقاء فيها،فيجب أن أكون الوحيد المتبقي. ينبغي أن انفرد بالدجاجة. حتى أنني لم أوجد ضمن فريق لأستأنس بهم. لقد وجدت وحيدًا لأن قوى أخرى تحكمت بوجودي، أو بالأحرى تسببت فيه دون أدنى فكرة عن عواقب صنيعهم، تلك العواقب التي لم ولن يشهدها سواي.

السقوط من الطائرة

استيقظ  Heisenbeeerg2008 من العدم من جديد ليجد مقلاة فوق وجهه. أبعدها بغضب. كان الجو ضبابيًا. كان أنيقًا فقد رتبت ملابسه بعناية ليبدو جذابًا، واخترت له ذلك الإسم لأنني مغرمٌ بمسلسل Breaking Bad. كان يرتدي بنطالاً زيتوني اللون وقميصًا يجمع اللونين الأزرق والأبيض ويتوسطه نسراً ذهبي اللون، وقد ارتدى حذاءً فيروزيًا ونظارةً أنيقة. اعتدته محاربًا مغوارًا، يقنص الأعداء ويسجل النقاط بمهارة وأريحية، ذلك لأنني أملي عليه الأمور وأوجهه إلى الصواب، أنا هو المتحكم الوحيد به.

إنني الأفضل بين جميع اللاعبين، ولا أنكف حتى أحقق جميع المُهمات باللعبة ولو تطلب الأمر أيامًا أو أسابيعًا، فأنا متفرغ تمامًا. أبحث عن مغامرة عاطفية وأقرأ الفلسفة وألعب. أتعامل يوميًا مع صياح والدتي وإصرارها غير منقطع النظير في بعثي على الذهاب للجامعة فهي ليست مقتنعة بخطتي. لم أكترث بالجامعة لأن إنهاءها سيجعل القيام بالخدمة العسكرية أمرًا محتومًا، فقررت البقاء في الجامعة إلى أن اتخطى السن القانوني للتجنيد، وها أنا ذا حر طليق في زي طالبٍ. غير أن تلك الحياة مملة وتبعث على الضجر، وكان بُدي الوحيد من ذلك هو صديقي Heisenbeeerg2008. اعتدت أن أثرثر أزماتي الفلسفية والوجودية أثناء اللعب، سواء لعبتُ منفردًا أو ضمن مجموعة. وأشعر بالنشوة حين ألعب مع إحدى صديقاتي وأثقل أفكارهم ومشاعرهم الهشة بما يصفوه بـ” الإستمناء الفلسفي” الذي أمارسه كلما لعبنا سويًا. غير أن ما وقع تلك المرة يستحيل تصديقه، وإلى الآن فأنا أصدق أن ما حدث كان حُلمًا اختلط بواقعي في إحدى ليالي اللعب الطويلة. حينما بدأت اللعبة، استعدت جميع الشخصيات بالطائرة للقفز، وما إن ضغطت زر Jump حتى فقدت التحكم به تمامًا.

إعلان

الدائرة الأولى

تلك المرة كنت أعاني من الملل، ولم أستطع النوم. كانت الساعة الرابعة فجرًا، كاد جسدي أن ينهرني من شدة الإرهاق، ولكنني واصلت اللعب كالمجنون، وقد خرج جميع رفاقي من اللعبة ولم يتبقى سواي، لذا لم أجد من أشاركه ذلك الحدث السريالي، أراهن أنه لم يكن سوى حُلماً. أنا أتذكر أدق التفاصيل، راقبته بينما تنفرد مظلته ليسقط في منطقة ال Ruins. نهضت من سريري وصفعت وجهي لأتأكد أنني مستيقظ، حاولت الخروج من ذلك الدور باللعبة ولكن الأمر كان عصيًا، لذا قررت إغلاق اللعبة، وحينما أعدت تشغيلها كان الدور لا زال مستمرًا. تملكني الرعب، لم أعلم كيف يمكن لذلك أن يحدث، هل تم اختراق هاتفي؟ قمت بكل المحاولات لمعرفة ذلك. تصببت عرقًا بينما أبحث عن معلومات على الانترنت حول كيفية معرفة ما إن تم اختراق هاتفي أم لا، اتبعت جميع التعليمات لمعرفة ذلك ولكن على ما يبدو أنه ما من خطب كهذا بهاتفي، إلا أن الخوف قد تملكني حتى تخليت عن أعز ما أملك بهاتفي: الصور العارية التي جمعتها على مدار علاقاتي. وبعدما أنهيت تلك المهمة المشؤومة صفعت نفسي من جديد لأنها  نُقلت على حاسوبي في دقائق.

بعد عدة محاولات من إغلاق وتشغيل هاتفي بلا جدوى، شغلتُ اللعبة من جديد وقد انتابني الفضول لمعرفة  يحدث. نهض صديقي ممسكًا المقلاة، ولم أستطع بأي حال أن اتبين وجهه نظرًا لتصميم اللعبة، ولكن من الجلي أنه فاقد للتوازن، تائه، يهرول دون أن يعلم إلى أين يذهب. سمع طلقات نارية فالجوار فانبطح أرضاً وسحب جسده زاحفاً إلى إحدى زوايا المعبد حيث انكمش بداخل جسده مختبئًا من تلك القيامة. أدرك بصعوبة أنه قد قُذف إلى ذلك الكولسيوم دون عون سواي، فلو لم ينفلت عن سيطرتي لما واجه تلك الصعاب، لقد كنت شديد البراعة في استخدامه للفوز بالمعارك.

سمع Heisenbeeerg2008 خطوات أحدهم فانزوى سريعاً إلى داخل المعبد مجدداً وانكمش في إحدى الزوايا. كان اللاعب الآخر على مقربة شديدة منه فما كان من صديقي إلا أن سحب إحدى الأسلحة الموجودة بجانبه، كان سلاحًا من نوع Desert angel. تأهب للقتال ولكن ما إن اتخذ وضعيته حتى ركض اللاعب الأخر بعيدًا، ركض صديقي إلى خارج المعبد، وكان اللاعب في مرمى بصره غير أنه لم يحرك ساكنًا وانزوى مجددًا إلى داخل المعبد.

***

أشعر بالضياع التام. لا أعلم شيئًا. لقد وجدت في ساحة قتال شاسعة، لا أبصر سوى الأسلحة. انزوي في أركان ذلك المعبد المهيب. لم أطلق النار، لأنني لم أرد ذلك ولست مُدركاً ذريعة رفضي لقتل ذلك المحارب Abdomoota102، فإن التفت نحوي لصوب سلاحه وأنهى وجودي، والأحرى أنني لا أعلم لمَ انزويت في المعبد، لمَ لمْ أتركه يقتلني وينهي وجودي البائس؟ ربما بسبب تلك الفتاة المحاربةPussycatacito التي رأيتها منذ قليل تركض بمحاذاة المعبد. كانت تركض في هلع وتحمل السلاح دون أن تأبه للذخيرة، فهي بالأحرى لا تدرك أن ذلك السلاح لا يطلق النار من تلقاء نفسه. شعرت بحنين ودفء نحوها، لم انجذب لها كأنثى مصممة إلكترونيًا من أجل تبادل الأكواد والشفرات سويًا، ولكن كفرد ضعيف بداخل ساحة قتال مُرعِبة بلا معنى. رأيت خوفها وضعفها، أبصرت كمدها في عينها قبل أن تستقبل رصاصة من سلاح AWM في رأسها لتلقى مصرعها. بات وجودها وعدمه بلا معنى يذكر. المعنى الوحيد هو أنه سُمح لقاتلها أن يواصل قُدمًا. وهكذا صارت المحاربة الضعيفة Pussycatacito صندوقًا يشع ضوءً أخضرًا.

كانت مأساتي تقع في جهلي على فهم كل شيء، ما يسمى الشعور؛ ما يسمى الفكر؛ ما يسمى الإدراك؛ ما يسمى الوجود؛ وما يسمى العدم؛ ما يسمى الحياة وما يسمى الموت؛ أعلم الكثير عن فلسفات من بُعد آخر يسمى الأرض، ثرثرها كائنات تدعى البشر، ما يجعلني أفسر الأمور الواجب حدوثها بعمق لا يحتمله وجودي القصير في تلك الساحة. وأجهل مبعث رغبتي في البقاء رُغم كرهي له، ربما سذاجتي القائلة بأنه يمكنني البقاء بين جدران هذا المعبد الذي يدفئ روحي، لكنني أجهل كيف أحصل على الأكواد اللازمة للخلود.

قضيت ساعات طويلة وحيدًا بذلك المعبد. راودني الحنين، كما لو أنني قدِمت إلى هنا من قبل. جذبتني الكتابات على جدران المعبد وأرضيته. أراهن أن أحدًا لم يلحظها من قبل رُغم أنها تقع تمامًا أسفل ترسانة السلاح الرابضة على الأرض. كُتِبت الكلمات، (كانت اللغة مزيج من حروف وأرقام متداخلة) وقد كان في مقدرتي بشكل ما أن أفهم المكتوب:

” لقد صممت تلك اللعبة من خلال العديد من المبرمجين من أجل ترفيه الإنسان. ولكل شخصية مصممة إلكترونية إنسان يتحكم بها. الهدف من الوجود في تلك اللعبة هو البقاء. قوانين اللعبة هي إما النجاة أو الموت. لا يُمكن لأي شخصية مصممة إلكترونيًا أن تنعم بوجودها دون وجود إنسان يستخدمها في سبيل الانتصار. لا يمكن البقاء في الملعب للأبد. بعد مرور وقت محدد تنكمش دائرة الملعب. كل ما هو خارج دائرة الملعب مصيره الهلاك.”

غمرتني جُملة غزيرة من المشاعر، ما بين الغضب والحزن والثورة والضياع ومأساة الاختيار، تمنيت يائسًا لو أنني لم أدرك وجودي. هكذا إذًا، يتحكم الإنسان، يُشكلني ويعطيني إسمًا ومظهرًا وجوهرًا لأسباب ترفيهية، ربما لهذا السبب أفقه أمورًا في ذلك البُعد الأرضي، ربما تلقنتها من الإنسان المُتحكم بي، وربما  لقت المحاربة الضعيفة Pussycatacito حتفها وحملت ذلك الضعف لأن الإنسان المتحكم بها كان جديدًا في عالمنا، أو غير بارع، أو نعِس.

شعرت بالوحدة وسط تلك العاصفة الوجودية وصرت مشوشًا. لمَ لم أقتل ذلك المحارب Abdomoota102؟ قضيت ساعاتٍ طويلةٍ في المعبد أفكر. ربما لم أقتله حنينًا لكونه أقرب لوجودي ولكياني من السلاح؟ أو ربما لأنني لا أعلم كيف أستخدم السلاح؟ أو ربما لأنني أجبن من أن أطلق النيران؟ تداخلت دوافعي بغتة ولم أستطع فك العقدة التي تكونت ببواطني. شعرت بالغضب نحو ذلك المحارب، ربما لأنه أقرب إلى حواسي أن تدركه عن ذلك القدر الخفي المتحكم بوجودنا سويًا، فنحن بحاجة لتفريغ الغضب من وجودنا،  بيد أنني أثرت أن أظل مكاني وأتركه. أمعنت التفكير فيما يجب أن يحدث، وبالرغم من أن تلك الذبابة الفكرية القائلة بأن ماسيحدث مُقرر سلفًا والتي لم تترك رأسي، فإنني قررت أنه ما من معنى في أن أكون حجرًا إضافيًا في ذلك الجدار المهترئ، ما جدوى قتل Abdomoota102؟ إن ذلك لهو الفعل ذاته الذي أقدم عليه القناص وقتل تلك الضعيفة، إن المشترك بين هؤلاء هو عدم إدراكهم لإرادتهم، ولا أظن أن إدراكي ووعيي يجب أن يذهبا مع الريح. إنني مميز ومتفرد، إنني أعلم وأملك الخيار، ولذا فإنني ثورة في ذلك العالم الذي يطوع أبناء جنسي لترفيه كائنات من بعدٍ حقيرٍ.

ما إن تخذت قراري، آلمنى جسدي وتذكرت القاعدة القائلة: كل ماهو خارج دائرة الملعب مصيره الهلاك. فركضت نحو دائرة الملعب، ذلك أن موعد هلاكي لم يحن بعد.

الدائرة الثانية

لاحظت أن سلوك Heisenbeeerg2008 مريب، فلم يلتقط الكثير من الأسلحة، لقد مر بسلاحي المفضل M416 وتركه من أجل أن يحمل سلاح ال UZI، وانهمك في جمع الأدوات الطبية والمشروبات. وكلما سمع طلقات النيران، سقط أرضًا دون أدنى نية لرفع السلاح والقتال. لم أفهم شيئًا، كل ماقد فعله هو أنه ظل منبطحًا في المعبد لعدة دقائق ثم نهض مسرعًا نحو ال Zone تاركًا الأسلحة المتنوعة الواقعة في محيطه. ليس باستطاعة شخصية مصممة إلكترونيًا أن تنجو دون تدخل بشري، فحتى وإن حاول فمصيره محتوم. جل ما أرغبه أن ينتهي الدور لأفهم ماذا حدث للتو بحق الله؟

لم يكن أحدًا مستيقظًا لأسرد له/ا تلك القصة الخيالية التي أشهدها بملئ وعيي، وأثار سلوك Heisenbeeerg2008 فضولي –وخوفي إلى حد ما- فعلى الرغم من طمأنة جميع المقالات الإلكترونية ومقاطع الفيديو الهندية بأن هاتفي ليس مخترقًا، فإنني لا زلت أشعر أن أحداً ما يتحكم به. لا عزاء لي سوى فضولي وتلك التجربة المرعبة لانفلات شخصية باللعبة عن سيطرة المتحكم بها.

***

يا للغباء!

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: حازم عماد

تدقيق لغوي: أمينة براهيمي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.