تأخذك إلى أعماق الفكر

اصطياد الشاعر الجميل!

إما أن (تسترجل) وتصبح مثل أمل دنقل ونجيب سرور، أو يُقال عنك في الندوات (الشاعر الجميل)؛ وهذا لقب – لو تعلمون – شنيع! والسؤال هنا… من هو (الشاعر الجميل) الذي يُلقي الوصفُ به الرَّوْعَ في قلوب (الأحرار)؟

قبل أن أفصِّل الحديث عن ماهية الشاعر الجميل ، ودورة حياته، سوف أنقل لك مباشرةً بثًّا حيًّا من إحدى أمسيات نادي أدب قصر ثقافة (البطيخ المقلي باللحمة المفرومة)!

الساعة الآن السادسة والنصف مساءً. القاعة الصغيرة غاصَّة ببعض المقاعد المتهالكة. يدلِف من الباب كل عشر دقائق إنسانٌ بائسٌ محطَّمٌ، فيسلِّم على رئيس نادي الأدب، ويحدِّثه بعباراتٍ ممهَّكةٍ، ينتهي أغلبها بكلمة (يا أستاذنا)، التي تُوحي إليك بأن رئيس نادي الأدب (أستاذ كبير)، ويفقه كثيرًا من الأمور التي تتعلَّق بالأدب؛ إلا أنها لا تتعدَّى كونها (كليشيه)، يستعيض به الشعراء (المهروسون) عن كلمة سوقية مثل (يا عَرَب) أو (يا ريِّس) أو (يا معلِّم) أو أي كلمة أخرى تصلح للدلالة على (كبير القعدة). ورئيس نادي الأدب هذا ليس إلا إنسانًا بائسًا (هو الآخر) يجيد التسلُّق والقفز من شجرة إلى شجرة، غير مصاب بالوسواس القهري، ولذلك لا يشمئز من مصافحة عشرات الأيدي المحمَّلة بالبكتيريا في كل اجتماع، من غير أن يتمنَّى استبدال جلد يديه الذي تلوَّث بميكروبات (أشكال وألوان)! وهو يملك من القدرات النفاقية ما يمكِّنه من أن يُداهِن (أو يِجَوْجَحْ بلهجة بدو مرسى مطروح)، فلا يُغضب أحدًا من البائسين الذين يلتذُّون بإلقاء أشعارهم في اللقاء الأسبوعي؛ لأنه أدرك أنه إن لم يجامل أنصاف الموهوبين وأدعياء الأدب، فسوف تخلو القاعة في الاجتماع الأسبوعي من (الخمسة ستة سبعة تلاتة أربعة!) الذين يؤنسونه كل أسبوع! هو نفسه قد يكون نصف موهوب، أو خُمس موهوب، ولا يُعتدُّ بحُكمه على الشعر؛ لكن لا تنسَ أنه إنسان، ولديه قشرة مخية ومراكز عصبية كثيرة تقوم بعمليات عقلية شديدة التعقيد لكي تُنتج ذائقته السيئة، ولذلك قد يرى الشعرَ الجيدَ رديئًا، فيُضطر إلى النفاق، لكيلا (يطفِّش) الشاعر الجيد من جلسة العلاج النفسي الجماعي الأسبوعية!

يجلس الشعراء البؤساء في مقاعدهم، ويتبادلون أحاديثَ ممضوغةً، إلى أن يحين موعد ابتداء الأمسية (الذي لا بدَّ وأن يحلَّ بعد الموعد المحدَّد بنصف ساعة أو أكثر، التزامًا بتعاليمهم المقدَّسة التي تعدُّ الوقتَ شيطانًا رجيمًا لا يجب احترامه)، ويصعد الشعراء والأدباء تباعًا إلى المنصة، أو يتناوبون إلقاء قصائدهم في سلة مهملات روح رئيس نادي الأدب وهم جالسون في مقاعدهم المنتظمة في شبه دائرة.

وإذا أراد رئيس نادي الأدب أن يقدِّم أحدًا، أو يعلِّق على شعر أحد، قرن بقوله هاتين الكلمتين اللزجتين: (الشاعر الجميل). فمن هو الشاعر الجميل؟ وكيف اكتسب هذه الصفة؟!

إعلان

الشاعر الجميل هو شاعرٌ مستأنَسٌ، لا يتناول أية قضية خلافية في شعره ولا يكسر أيَّ تابوه (سياسيًّا كان أم دينيًّا أم جنسيًّا)، ويأكل على موائد القدماء، ويقتات على المعاني المبتذلة السطحية، ويظن أن الشعرَ عاطفةٌ يُضاف إليها كثيرٌ من (العناصر/المقبِّلات) المنتمية إلى الطبيعة (السماء – القمر – النجوم – البحر – الزهور – الشمس – الرياح). وهو يعتمد في حياته داخل نادي الأدب على علاقة المنفعة المتبادَلة بينه وبين رئيس نادي الأدب وزملائه من الشعراء (الجُمال)! وهذه العَلاقة قائمة على تبادل المديح والمبالغات التي لا مناص منها. أنت تُجامل الآخرين لكي يردُّوا لك المجاملة، وهذه هي العملة المتداوَلة في نادي الأدب! وغالبًا ما يصل الشاعر الجميل بمداهنته للآخرين وابتسامته المصطنعة إلى أمجادٍ ضخمةٍ مثل: الفوز في مسابقة صالون (صليل الإبداع) أو (خرير الأدب)، أو الاستضافة في قناة الإسكندرية أو الدلتا أو (كفر دُخميس) في ذكرى المولد النبوي أو احتفالات أكتوبر أو عيد الأم ليلقي قصيدةً مستأنَسةً أو (يِجَوْجَح)!

وفي الواقع، لا يمكن تحديد الغرض الحقيقي من اجتماعِ ثُلَّةٍ من أنصاف وأخماس الموهوبين داخل قاعة، لكي يقدموا فنًّا سطحيًّا ليس له جمهور (فلا أحد يسمع الشاعر الجميل إلا الشعراء الجُمال زملاؤه). فقيمة الشيء تتحدَّد بأن نتوقَّع ما سيحدث في حال غيابه! لو اختفى غدًا أطباء الأسنان أو السباكون أو عمال النظافة من العالم، فهل ستستمر الحياة على النحو الذي كانت عليه؟! بالقطع لا. لكن إذا هوى نيزك على قصر ثقافة (البطيخ المقلي باللحمة المفرومة)، أثناء اجتماع نادي الأدب، وقضى على الشعراء (الجُمال)، فلن يكترث أحدٌ لاختفائهم، وستستمر الحياة كما كانت!

لا جدال في أن الفن لا جدوى له، إذا قسناه إلى الطب والهندسة والنجارة والسباكة، وأن قيمته الكبرى هي إثبات أن الإنسانَ قادرٌ على إنتاجِ شيءٍ يتجاوز به فطرته (التي لا تطمح أصلًا إلا إلى البقاء والتكاثر) للتأثير في الآخرين شعوريًّا، ونقل الخبرات، والارتقاء عقليًّا وروحيًّا. هذه هي جدوى الفن (الذي يتعاطاه الناس ويتفاعلون معه). فما جدوى شيءٍ ليس له جمهور إذًا؟! ما جدوى شيءٍ لا يتفاعل حتى مع الواقع الذي نشأ منه، ويستمر في التعمية على عيوب الواقع القبيح بالانغماس في مشاعر موهومة، ووصف (زهرة)، نعلم جيدًا أنها لن تجد نحلًا يلقِّحها بعد سنوات غير كثيرة، بسبب التدمير الذي يُلحقه الإنسانُ بالعالم!

هؤلاء الشعراء (الجُمال) يقفون على أطلال الشعور، ويبكون ويضحكون، ويأكلون صديدَ مشاعرهم الصدِئة، و(يُطبِّل) بعضهم لبعض، ويطربون بغيبوبتهم وانفصالهم عن الواقع، مستمتعين بجلسة العلاج الجماعي الأسبوعية التي يُلقون فيها قصائدَهم المأبونة!

وهؤلاء السكارى قد ينفعون الكوكب بطريقة واحدة، هي أن يُجمعوا في معسكرات، ويُطعَموا يوميًّا ثلاث وجبات مشبعات، ثم تؤخذ فضلاتهم لتسميد الأرض الزراعية. إن فضلاتهم بالتأكيد أنفع للكوكب من أشعارهم!

ولا بد هنا من أن نتساءل… ما جدوى وجود وزارة لدعم الثقافة والمثقفين و(الشعراء الجُمال)، ونشر إبداعات الكتاب المغمورين، وتوفير الكتب بأسعار زهيدة، وسط مجتمع فقير لا يقرأ، ولا قيمة للكتاب عنده، ولا يشعر بالرغبة في تعاطي الفنون المستأنسة التي تتوالد داخل قصور الثقافة المبنية بملايين الجنيهات، ولا في سدِّ (القربة المقطوعة) التي ينفخ فيها المثقفون الأقزام دون كلل؟!

لنتفق في البداية على أن المجتمعات كلما ترقت حضاريًّا، شعرت بمسؤوليتها تجاه الضعفاء والأقليات. ليس غريبًا أن نجد في المجتمعات الغربية (المتطوِّرة) كثيرًا من الامتيازات والخدمات الموجَّهة لذوي الاحتياجات الخاصة والإعاقات الجسديَّة، إضافةً إلى دور رعاية الحيوانات الضالَّة، والمحميات الطبيعيَّة، والجمعيات الأهلية المهتمة بالرفق بالحيوان ودعم المشرَّدين واللاجئين والمثليين. فليس غريبًا على مصر إذًا – وهي التي شهد تاريخُها الحافل كثيرًا من الأوقاف المخصَّصة لمساعدة الفقراء، والتكايا والخانقاوات التي كانت تؤوي المتصوِّفين والدروايش – ليس غريبًا عليها أن ينشأ فيها وقفٌ خيريٌّ ضخمٌ يُدعى (وزارة الثقافة)، ليكون بمثابةِ محميةٍ طبيعيةٍ تضمُّ الأدباء والفنانين غير القادرين على التعايش مع مجتمعٍ ينبذهم ولا يفهمهم. وأظن أن الدولة رأت أن الإنفاق من الموازنة على احتواء هؤلاء المنبوذين دون عائدٍ يُذكر، أعظم نفعًا من توفير الملايين التي تُنفق لاحتوائهم، من أجل توجيهها لدعمِ أنشطةٍ اقتصاديةٍ أهم.

فالشاعر الجميل يرى نفسه – رغم تواضع موهبته – مختلفًا عن بقيَّة المواطنين العاديين (وله الحق)، لأنهم لا يعرفون إلى القراءة ولا إلى الكتابة سبيلًا، ولا يبصرون العالم من منظورٍ (مختلفٍ) مثلما يفعل. وشخصٌ بمثل هذا التكوين العقلي والنفسي، من السَّهل أن يشعر بالعزلة وانعدام التقدير والنبذ الاجتماعي حين لا يجد مَن يتفاعل معه وينتصت إليه، وقد يؤدِّي به شعوره (الاستعلائي) إلى الانخراط يائسًا في جماعةٍ (مُستَعلِيَةٍ) يعتقد أفرادُها أنهم أداةٌ في يد الله للذبِّ عن الدين ومقاتلة (الكافرين/المخالفين لهم في الرأي)! ولذلك أصبح احتواء (الشعراء الجُمال) في المحميات الطبيعية المسمَّاة بقصور الثقافة، وإرضاء غرورهم بنشر إبداعاتهم دون دفع مليم، أصبح ذلك خيرَ وسيلةٍ تلجأ إليها الدولة لتجنيب المجتمع شرورهم إن هُمِّشوا، ولم يجدوا مكانًا يفرغون فيه طاقتهم. هم على كلِّ حالٍ أذكى من أغلب الإرهابيين الذين دفعتهم الظروف الاجتماعية والاقتصادية (فحسب) إلى الرغبة في التغيير بالاعتماد على العنف، وقد ينشأ من بينهم عشرات (الأذكياء) من فصيلة (سيد قطب) إن ظُلِموا أو هُمِّشوا، فيُدخِلون الدولة في دوَّاماتٍ جديدةٍ من الإرهاب الأيديولوجي!

ولا أظن أن هناك مفرًّا من هذا الوضع المؤسف، سوى أن (يسترجل) الأدباء في مصر، ويهبطوا من صهوات خيالهم المستأنَس المترَب إلى الواقع الصادم بما فيه من سلام وعنف، ومن تسامح وتطرُّف، ومن فضائل ورذائل، ومن زحام وهدوء، ومن أشجار سامقة مورِقة ومقالب (زبالة)، ومن وجوه مطليَّة بالصحَّة والثروة وحمالات صدر Push Up موضوعة على الفرشات بأسواق العشوائيات تنتظر النهود الفقيرة الذابلة.

إذا أفاقوا من غيبوبتهم، فسوف يقدرون على (التكاثر) و(الجمع والالتقاط)، بل و(الصيد) أيضًا دون حاجةٍ إلى محميَّةٍ طبيعيَّةٍ، تعرِّضهم للصيد الجائر بمثل هذا المقال!

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.