تأخذك إلى أعماق الفكر

إنسان نبراسكا.. تزوير أم سوء فهم؟

في عام 1922، ومن أسنان أُحفورية فقط، صنّف عالم الحفريات هنري فيرفيلد أوسبورن، إنسان نبراسكا، أو هيسبروبيثيكوس هارولدوكي Hesperopithecus haroldcookii كأول قرد شبيه بالبشر من أمريكا الشمالية. وبعد خمس سنوات، أي في عام 1927، وضَّح ويليام كينج جريجوري، عالم الحفريات وزميل هنري فيرفيلد، أن السِن على الأرجح يعود لحيوان منقرض شبيه بالخنزير. في فترة تواجده القصيرة، أثار نبراسكا العديد من التكهنات الغريبة، كتلك اللوحة التي رُسمت في مجلة إخباريّة بريطانيّة.

وعلى الرَغم من أن نبراسكا لم يستمر وجوده لوقتٍ طويل، ولم يكن له أي انتشار علمي واسع وسرعان ما نُسي بعد أن كُشف أنه لا يعود لإنسان، فإن الخلقيين يعيدون إحياء نبراسكا من جديد كخلفية جيدة للهجوم على التطور، لا يدرك الخلقيين أن العلم يتقدم، بتصحيح أخطاءه.

في عام 1917، عثر المزارع والجيولوجي هارولد كوك على أسنان ذات مظهر بشري في رواسب البلايوسين في شمال غرب ولاية نبراسكا، وفي مارس 1922 قدمها إلى هنري فيرفيلد أوسبورن، رئيس المتحف الأمريكي للتاريخ الطبيعي وأخصائي علم الحفريات الفقارية ليحدد أصل السِن.

وصلت السِن إلى أوزبورن في 14 مارس 1922 وكتب لكوك: “فحصت السِن وقلت لنفسي: من المؤكد مئة في المئة أنها سن بشريّة” وبعد شهرٍ واحد، أعلن أوسبورن أن نبراسكا هو أول قرد بشري أمريكيّ.

كانت مقارنة الأسنان وقتها تعتمد بشكل أساسي على الحجم والشكل العام، وكانت الحفرية تمتاز بسطحٍ أملس بلا تفاصيل عديدة، رغم ذلك لم يحاول أوسبورن أن يتوقف عن رمي السِن هنا وهناك وأرسلها إلى أكثر من 20 مؤسسة بحثية في أوربا والولايات المتحدة.

إعلان

نرشح لك: إنسان بلتداون: أكبر عملية احتيال في تاريخ العلم

وبعد رؤية أحد الباحثين، وتحديدًا آرثر سميث وودوارد – وهو نفسه الرجل الذي أعطانا البيلتداون – قيّمها على أنها مشكوك بها للغاية، وقال أنه “من غير المرجح أن يظهر قرد شبيه بالإنسان في أمريكا الشمالية، وأن يكون هناك أدلة جيدة على مصداقيّة هذه الحفرية”

على الرغم من تشكيك وودوارد الكبير فيها، ألا إن ذلك لم يمنع جرافتون إليوت سميث، عالم الأنوتمي البريطاني، من تصنيف نبراسكا بالهومونيد (السلف) البشري الثالث المعلوم، ووضعه إلى جانب إيوانثروبوس وبيثكانثربوس، وبتدخل مُحبي العلم من غير المتخصصين، انتقل نبراسكا لمرحلة التخيل العلمي وأصبح يشارك في العديد من اللوحات، مثل اللوحة المشهورة الموجودة بالأعلى والتي رسمت في التابلويد البريطانية الإخبارية والتي رسمها آميدي فوريستر من تخيله الخاص.

نلاحظ في اللوحة إثنان من إنسان نبراسكا في صورة بيضاء وسوداء، ويبدو أنهما يبحثان عن الطعام، بينما نرى في الخلفية ثدييات بلوسينية مختلفة.

وعلى الرغم من اعتذار الرسام عنها، وبالرغم أيضًا من قول أوسبورن، وهو صاحب الادعاء، أن اللوحة “مجرد محض خيال ليس لها أي قيمة علمية” وتوقف الرسم لهذه اللوحة بعد كلام أوسبورن عن أنه يستحيل استنتاج شكل نبراسكا، إلا أن الخلقيين قرروا أن يكتشفوا نبراسكا من جديد، وقرروا إعادة طبع اللوحة بعد انقضاء 80 عامًا عن رسمها، وتحديدًا على يد إيليوت هيتشينج عام 1982.

لم يكن هناك ثبات واضح من المجتمع العلمي حول نبراسكا، وترك جدلًا واسعًا خصوصًا في إنجلترا، وتركت مشادات عنيفة بين بعض العلماء، خصوصًا بين أوسبورن وسيميث وودوارد وإيليوت سميث؛ كان أوسبورن يحاول الوصول لأي نتيجة بأنه يعود لقرد بشري، حتى ولم يكن سلفًا بشريًا. قارن جريجوري السن مع أسنان القردة في العالم القديم ورأى (1923) أنه”يوجد بالفعل تشابه بين بيثكانثروبوس والإنسان وبيثكانثروبوس، ولكني أشُك في أن يكونوا مرتبطين معًا”

وفي وقتٍ لاحق، تراجع جريجوري من أن يكون نبراسكا له صلة بشرية أصلًا، واقترح أنه يتشابه فقط مع بعض مجموعات الشمبانزي. استؤنف التنقيب الميداني عن ما بقي من نبراسكا في ربيع 1925، في الموقع الذي عثر على السن الأصلي فيه، وفي النهاية لم يعثر على أي شيء من نبراسكا، مما أثار الشك أكثر في مصدر السن، أدرك جرجوري أنّه مهما كان هناك من تشابهٍ سطحي بين الضرس وضرس الإنسان، إلا أنه يبقى مجرد شبيه بالخنزير المنقرض، وأعلن جريجوري في عام 1927 عدم استمراريته في التنقيب مع أوسبورن وكذلك تراجع أوسبورن عما قدمه.

كيف يكون العلم دقيقًا ومنهجيًا بينما قد يُخطئ العلماء أخطاءً فادحة كما حدث مع أوسبورن؟

من المعلوم أن الأخطاء في قراءة الحفريات وتحديد خصائصها شائعة جدًا، لكن الموضوع ليس بالضجة التي تُثار كما يروِّج لها الخلقيون، فعادةً بعد أن تقدم حفرية، تخضع مباشرةً للفحص من قِبَل علماء مختصين في المجال، ويتم إجراء إعادة مراجعة للخصائص التي يقدمها الباحث الأصلي، وهكذا بدون أي ضجة، بالطبع هناك بعض المعلومات الخاطئة الفادحة، كالحوت الأحفوري الذي تم تحديده على أنه زاحف عملاق، والقوارض التي عُرفت على أنها قرود، والحيوانات آكلة اللحوم التي عُرفت على أنها ذات حوافر، قائمة طويلة لا حصر لها، ولكن الطبيعة العامة للعلم تؤدي غالبًا إلى تصحيحات سريعة لما حدث.

لمنع حدوث أخطاء كما حدث في نبراسكا، يقوم علماء الحفريات والأنثروبيولوجيا عادةً عندما يقعون على حفرية غير مكتملة تمامًا بتحديد هوية مؤقتها لها لحين الوصول للمزيد من العينيات، يقوم أغلب العلماء المتخصصين بالهدوء عندما يجدون حفرية ما – على عكس البعض منهم- قد يجدون حفرية ما وليست بالكاملة، ولكنهم سرعان ما يدخلون البروباجندا الإعلامية لستاعدهم في تحديد نوع الحفرية، مما يُسفر عن نتائج فادحة في النهاية وتُنشر باسم العلم.

اقرأ أيضًا: كيف يساهم الجينوم في كتابة التاريخ التطوريّ للبشرية؟

في حالتنا هذه، لم يكن للبروباجندا دور كبير في استمرارها لمدة 5 سنوات، بل يمكننا أن نقول بوجود ثلاثة عوامل رئيسية ساهمت في الوصف الخاطئ للنبراسكا:

أولًا، كانت هناك افتراضية مثيرة تجعل هذا الاكتشاف مثيرًا، ففي فترة ما قبل اكتشافه، كان قد اكتشف بعض الظباء الأحفورية في البليوسين في أمريكا كذلك، وكان اكتشافًا مثيرًا، فالظباء أصلها كان في أفريقيا وآسيا، فإن هاجرت الظباء إلى أمريكا الشمالية في البلايوسين، فما يمنع الإنسان كذلك؟ كان هذا هو الرد المثالي وقتها على من يرفض نبراسكا بحجة أنه يستحيل أن يوجد إنسان شبيه بالقرد في أمريكا الشمالية.

ثانيًا، كانت تحتوي الرواسب التي قدمت في العينة على شظايا عظمية كثيرة، وكانت تشبه وبشدة الشظايا البشرية للعصر الجليدي في أوروبا، ولكن فيما بعد اتضح أن تلك الشظايا كانت بسبب سحق العظام من أشباه الكلاب غالبًا كانت تحاول الوصول لغذاء، بالطبع لم يكن هذا واضحًا لأوسبورن، بل بدا الأمر كما لو أنه مر بشرٌ من هنا، وحافظت الرواسب على بقاياهم.

ثالثًا، كان شكل السن الأحفوري خادعًا لأي عالم حفريات، وحتى لو قرأ أحد علماء الحفريات مقالًا كهذا ثم ذهب لينظر نظرة سطحية على السن لقال أنه سن إنسان، فهو يحمل تطابق غير طبيعي معه، سواء من الحجم والشكل العام له. بعد أن قورن نبراسكا بأسنان البيكاري المنتمية لفصيلة Prosthennops crassigenus، توضح أن السن ليست ضرسًا أعلى حتى، ولكنه صمام bicuspid. ويجب أن نضع في الاعتبار كذلك أن أغلب التفاصيل الضرورية لتحديد أصل الحفرية الحقيقي قد اختفت بسبب تآكل السن الكثيف الذي حدث، أثناء حياة الخنزير وأثناء تحللها في الرواسب الجيولوجية.

أعتقد أن أكبر ما سبَّب خطأ كهذا هو عدم الموضوعية التامة، لقد كان لأوسبورن رغبة واضحة في إخراج زميلة برايان خاسرًا، قد يكون هذا السبب الحقيقي لاستمراره وفقدانه الموضوعية العلمية. لا يمكن ممارسة العلم إلا بترك كل العوامل الخارجية جانبًا.

المصادر:

المقال ملخص من مقال من كتاب: Human Evolution: A Guide to the Debates

مراجع الكاتب:

Anonymous, 1922. "Nebraska's 'Ape man of the western world,'" The New York Times, Sept. 17, sect. 7, p. 1

Anonymous, 1924a. "Ape of the western world restudied," Natural History, 24, pp. 273-274.

Anonymous, 1924b. "Dr. Straton assails Museum of Natural History," The New York Times, March 9, sect. 2, p. 1.

Anonymous, 1928a "Nebraska ape tooth proved a wild pig's," The New York Times, Feb. 20, p. 1.

Dewar, Douglas, and H. S. Shelton, 1947. Is Evolution Proved?, London: Hollis and Carter.

Fix, Wm. R., 1984. The Bone Peddlers: Selling Evolution, New York: Macmillan Publishing Company.

Forestier, A., 1922. "The earliest man tracked by a tooth: An 'astounding discovery' of human remains in Pliocene strata (A reconstruction drawing by A. Forestier)," The Illustrated London News, June 24, pp. 942-943.

Gish, Duane T., 1979 (third edition). Evolution? The Fossils Say No!, San Diego: Creation-Life Publishers.

Gregory, William K., 1927. "Hesperopithecus apparently not an ape nor a man," Science, n. s. 66, pp. 579-581.

Gregory, William K., and Milo Hellman, 1923a. "Notes on the type of Hesperopithecus haroldcookii Osborn,"American Museum Novitates, 53, pp. 1-16.

Anonymous, 1928b. "Peccavis and peccaries," The New York Times, Feb. 21, p. 24.

Anonymous, 1928c. "Hesperopithecus dethroned," The Times (London), Feb. 21, p. 16.

Anonymous, 1928d. "Hesperopithecus," The Times (London), Feb. 25, p. 13.

Anonymous, 1928e. "The opponent's round," Scientific American, 138, p. 401.

Hitching, Francis, 1982. The Neck of the Giraffe, New Haven: Ticknor & Fields.

Matthew, W. D., and Harold J. Cook, 1909. A Pliocene fauna from western Nebraska, Bulletin of the American Museum of Natural History, 26, pp. 361-414.

Mellett, James S., 1977. Paleobiology of North American Hyaenodon (Mammalia, Creodonta), Contributions to Vertebrate Evolution, 1, pp. 1-134.

Osborn, Henry Fairfield, 1922a. "Evolution and religion," The New York Times, March 5, sect. 7, pp. 2, 14.

Osborn, Henry Fairfield, 1922b. "Hesperopithecus, the first anthropoid primate found in America," American Museum Novitates, 37, pp. 1-5.

Smith, G. Elliott (sic), 1922. "Hesperopithecus: The ape-man of the western world," The Illustrated London News, June 24, p. 944.

Smith, G. Elliot, 1931. "The evolution of man," In: Early Man: His Origin, Development and Culture, London: Ernest Benn Limited, pp. 13-46.

Straton, John Roach, 1928. "Dr. Straton offers a 'pig-tooth' debate," The New York Times, Feb. 27, p. 19.

Straton, John Roach, and Charles Francis Potter, 1924. Evolution versus Creation, New York: George H. Doran Company.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: صالح عبدالحفيظ

تدقيق لغوي: نَدى ناصِر

الصورة: مريم

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.