تأخذك إلى أعماق الفكر

إزالة رحمٍ وعنفٌ أسريٌّ: أسباب جعلت هؤلاء يتبنون فلسفة ‘اللاإنجابية’

في الوقت الذي يحلم فيه الكثير من الشباب بالزواج وإنجاب الأطفال، قرّر القليل منهم سيرَ طريقٍ مُختلفةٍ لكي تكون الحياة أفضل من وجهة نظرهم، فهم يريدون أن يعيشوا في المجتمع ويتزوجوا، ولكن يرفضون الإنجاب وأن يأتيهم طفل ويعيش مُعاناة الحياة التي نعيشها يوميًا، منذ بدايةِ الصرخة الأولى التي يصرخها أي طفل -وهي لحظة الصدمة الأولى له- لذلك يصرخ ويبكي، وكأنه يقول للعالم:”أنا هنا خُلقت، رغماً عني، لم يستشرني أحد إذ أوافق على قدومي للحياة أم لا”، ويستكمِل بُكاءه الشديد الذي يكون بمثابة رفضٍ تامٍ وعدم رغبة في الحياة. ولكن بعد كل ذلك البكاء والصراخ لا أحد يستمع له، لأنه بصعوبةٍ شديدة قد خُلق، ولا بدّ له أن يُكمل مشواره في الحياة.

وفي الفترة التي نعيشها حاليًا، من منا لم يخطُر على باله الانتحار خلاصًا من عذاب الحياة والعديد من صعوبات العيش مع البشر الموجودين فيها، خاصةً إذا شاهدوا إنسانًا -بكل ما تَعنيه الكلمة- يتصرّف معهم بتلقائيَّة، فيلقبونهُ بالـ “أهبل”، وتَعني مُختلًا عقليًا، مع كونهِ بكامل قواهُ العقلية، لكن ذنبه الوحيد أنَّه يُساعد كُلَّ من حوله، ولكن كيف يُخلقُ شخصٌ سويٌّ ويعيش بينهم؟ فَيقرِّرُوا مُعاقبَته بالأذى النفسيّ وهو أشدُ عقاب يمرُّ بهِ الإنسان.

لذلك، الأشخاص الذين أدركوا تلك المُعاناة الحقيقية في الحياة وذاقوا طعمَ قسوتها، قرروا وبكامل إرادتهم ألّا يُنجبوا حتّى لا يُخلق إنسانٌ جديدٌ على الحياة، ويعيش رغمًا عنه.

وفي زمننا الحالي، اتبع كثير من البشر  فلسفة “اللاإنجابية، فقررتُ الحديث مع هؤلاء الذين تبنَّوا هذا الفكر، ووجَّهتُ لهم العديد من الأسئلة ومنها، كيف ينظر لهم المجتمع المُحيط بهم؟ وهل هناك حرية في الحديث عن ذلك الأمر؟ وما هي الأسباب التي دفعتهم لتبنّي هذا الفكر؟ هل هي قسوة الحياة أم أسباب أخرى؟

1- الخوف من التنمر:

قرر علي الزبيدي، الذي يحمل الجنسية العراقية، عدم الإنجاب وبكامل إرادته، حيث تحدّث عن الأسباب التي جعلته يتخذ ذلك القرار ويكون “لاإنجابيًّا”، فقال:”وأنا صغير، دائمًا اُفكّر بالطفل والإنسان واحتمالية تعرضه للتّنمر، حينما يدور في بالي هذا الفكر أخاف كثيرًا على مشاعر الطفل وأخاف ألّا أستطيع حمايته من بشاعة البشر.”

إعلان

وأكّد “علي” أنّه من المستحيل أن يتزوج إذا لم يلتقِ بفتاة لديها نفس طريقة تفكيره، ويرى صعوبةً في هذا الأمر، خاصةً أن أفراد عائلته ينعتونهُ بالـ “مجنون”.

2- الفقراء لا ينجبون: شعارٌ رفعهُ إلياس الفقيه

“أنا أعتبر أن عملية الإنجاب أشبه بالجرمِ الذي لا يُعاقب عليه القانون في دُولنا العربيّة، نعم لهذا الحدّ”. بتلكَ الكلمات القاسية، تحدّث الشاب إلياس الفقية، ذو 23 عامًا من المملكة المغربية، ويدرس في كلية الحقوق، فقال:”واقعنا المرير لا يسمح بأن نُنجب أطفالًا لهذا العالم، لأنّ جميعنا يعيش اضطهاداتٍ وهضمًا لحقوقِ الإنسان وظلمًا واستبدادًا من طرف السلطات والإدارات، هذا غير الفقر الذي نعيشه، فهل أرضى لأبنائي أن يعيشوا في هذا الواقع البشع؟”

واستكمل “إلياس” حديثه: “الله سبحانه وتعالى قال في كتابه الحكيم، إنّ المال والبنون زينة الحياة الدنيا، انظري سيدتي الفاضلة: الله سبحانه وتعالى أعطى الأولوية للمال فمع توفر المال يعيش الإنسان في بيئة جيدة بعيدة عن السوداويات. أنا رأيي إذا كان الشخص غنيًا فلا بأس له في أن ينجب فسيكون أبناهؤ صالحين للمجتمع، ولكن الفقراء يُمنع عنهم الإنجاب منعا كليًا كونهُ جريمة في حق الإنسانية والمجتمع؛ فسيعيش أبناءهم المُعاناة ويقومون بسرقة ابن غنيّ، وبحسب نظرتي فإن عدم الإنجاب سيخلق نوعًا من الإيجابيّة داخل الوسط الاجتماعي.”

وعن موقف أهله من كونه “لا إنجابيَّا”، فأكّد أنّ أهله مُعارضون لأفكاره تمامًا، قائلًا:” أهلي لا يحبّون أن أتطرق لهذا الموضوع، ويصفوني بالأنانيّ والمجنون وعديم تحمّل للمسؤولية وأنّ فكرتي للحياة سوداوية، ومع ذلك والدي يؤيدني في بعض النقاط بشأن أنّ الإنجاب بالنسبة للأشخاص ذوي الدخل الضعيف أو الأشخاص الواقعين تحت عتبة الفقر سيجعل أبناءهم أشد عرضة لمعاناة نفسيّة أكثر من آبائِهم وقد ينتهي بهم المطاف نحو الانحراف.”

3- الخوف من الفقدان:

بالتأكيد من الصعب على أي فتاة أن تأخذ قرارًا وبمحض إرادتها بعدم إنجاب طفل، ولا تهتم بأن تكون أم، لكن دينا آل خيرالله، من العراق، التي بدأت حديثها بالتعريف عن البيئة المُحيطة بها، فقالت:” أنّا من عائلة تعامل الطفل أو الابن والابنة بمنتهى الحب والتفاني وهذا جعلني أتعلق بأمي وأبي كثيرًا، المهم، أنه ومنذ بدأت أكبر، وأنا ليس لدي غريزة الأمومة، ولا أحببت في يوم أن يكون لدي أطفال، لأنّي لا أريد زيادة الناس اللذين أحبهم في حياتي خوفًا من أن أفقدهم.”

وبعد حديث “دينا”، تأكدت أنه ليس من الصعب اتّخاذ الفتاة لهكذا قرار بالرغم من صعوبته، وبكل قوة تابَعت:” أنا لم اختر أهلي وليس عندي القدرة على حمايتهم أو التحكم ببقائهم في حياتي، ولكن أستطيع التحكم بنفسي وعدم زيادة الناس الذين أُحبهم، أخاف على الأطفال بشكل جنوني، وانقهر عليهم، لأنّهم مساكين لا حول لهم ولا قوة، وهذه الدنيا لا تريد أناسًا جددًا يُولَدون فيها، ومن ثم تُرهقهم، بالإضافة إلى أنّي لا أضمن صراحةً تمام خِلقتهم وحياتهم ومصيرهم.”

أمّا عن إذا ما أحببت شخصًا يُريد أن يُنجب أطفالًا، فماذا سيكون رد فعلها، قالت “دينا”:” أنا ضد فكرة الزواج لنفس السبب، الخوف من الفقدان.”

4- أسما أُسامة: “الإنجاب فكرة أنانية وفعلٌ يَحدث لإرضاءِ الغريزة والشهوة”

“أولئك الأبناء الذين لم أرغب في مجيئهم، ليتَهم يُدركون مدى السعادة التي يدينون لي بها.” بتلك المقولة للفيلسوف الروماني “إميل سيوران”، بدأَت الفتاة المصرية أسما أسامة، البالغة من العُمر 22 عامًا وتدرس في كلية الحقوق، حديثها معي، بكلمات قاسية وفي ذات الوقت تصالحٍ مع النفس تحدثت كثيرًا وحينما قرأتُ كلماتها لم أستطيع أن أختصر كلمة واحدة.

فتقول أسما:” منذ صغيري لم أشعر أنني أريد أن أكون أمًا، بسبب مشاكل شخصية عِشتُها وشعرت أن الموضوع مُعاناة وأنانية مني أن أفرض الوجود على أحد” ، وتابعت، أنّها قرأت كثيرًا وأدركت أن هذا الموضوع له مُسمّى وهو “اللاإنجابية” وهناك أشخاص كثُر يتّبعون هذا الفكر. وأكملت حديثها:” العالم كلّه يُعاني الفقر والجوع، سأُصبح أنانيّة جدًا لو أنجبت شخصًا يُشاهد ويمُر بمُعاناة الحياة التي نعيشها يوميًا. أنا أرى أن العالم مليء بأطفال كثييرين جدًا يعانون، وبدلًا من أن أجعلهم يُولدون في عالمنا، أنا من الممكن أن أُنقِذ منهم شخصًا وأعتني به وأوفِّر له حياةً أفضل من حياته في دار للأيتام أو في الشارع.”

أما عن إذا أحبَّت شخصًا يُريد أن يُنجب أطفالًا، فماذا سيكون رد فعلها، فقالت:” لا أنا لو مُعجبة بشخص مثلًا بقول له من البداية إنّي “لا إنجابية”، واستشيره بموافقته أو لا، لأنّي لن أغيّر فكرتي لن أجبرهُ على شيء، وأنا بالفعل مُعلِنة هذا لأهلي وأصدقائي، وطبعًا هم يرونني مختلة عقليًا وليس عليّ التفكير بهذه الطريقة، ومنهم من يقول، ساخرًا، عندما تتمنين الإنجاب لن تنجبِي وستندمين على رفضك الموضوع، ولكن أنا لا أهتم برأيّ أحد في هذا الموضوع.”

بعد كل هذا الحديث كان لا بد أن أسأل هل عاشت مُعاناةً في طفولتها؟ فقالت:”طفولتي لم تكن أحسن شَيء، والدي ووالدتي لم يكونوا على قدرٍ كافٍ من المسؤولية، لا يستطيعون القيام بتربية حيوان، والدتي كانت تعمل ولم تهتم يومًا بوجودِنا، فشعرت أنّهم أنانيّون وينجبون الأطفال ويجبروهم على الوجود وبالآخِرلا يهتمون بهم، وغيرها من مشاكل كثيرة جدًا كانت تحصل بينهم وعنف بسبب أنهم لا يحبّون الحياة مع بعضهم ولكنّهم مجبرون عليها، وهذا أهم سبب جعلني أرفض موضوع الإنجاب تمامًا.”

وختمت أسما أسامة حديثها قائلة:” الملخص، أنّ الإنجاب فكرة أنانية، وفعل يحدث لإرضاء غريزتهم وشهوتهم لأنّهم إذا فكروا قبلها بنصف ساعة فقط أنّه من الممكن أن يكون احتمالية لوجود طفل. تم تشخيصي منذ سنة بوجود major depression لدي وتأخرت في دراستي الجامعية بسبب اكتئابي، وبسبب أخطاء ناس آخرين، ليس لدي يد فيها، كل ذلك جعل لدي مشاكل وجوديّة من بداية وعيّي على الحياة، فالموضوع ليس فيه عدل لو أنجبت شخصًا يستكمل نفس سلسلة المُعاناة في حياتنا، أنا شخصيًا ليس لدي ربع الإجابات عن الأسئلة التي تدور في رأسي، فمن الظلم جدًا أن أُنجب شخصًا لهذا العالم.”

5- فتاة بلا عنوان:

أمّا هنا، فالأمر مُختلف تمامًا، اخترت أن لا اكتُب عنوان لتلك الفقرة، ليس لأن الفتاة التي تحدثت معها رفضت الإفصاح عن هُويّتها، بل لأنّه من الصعب بالفعل وضع عنوانٍ لقصتها، فتحدثت معي فتاة لا تُريد الإفصاح عن اسمها، كاشفة عن جنسيتها فقط، فهي تحمل الجنسية السورية، حيث أكدت أنها قررت أن لا تُنجب بعدما أحبّت شخصًا “لا إنجابي”، وأنه حينما اعترف لها أنه بكامل إرادته لن ينجب أبدًا، فقالت له:” هذا الأمر لا يعنيني، لِأَنّي أحبك، أنا لا أُريد الزواج، ولكن خلقتُ فكرة الزواج من أجلك، أنا اُريد أن أعيش معك”.

لكن بالرغم من حبها الشديد له تركَها لِأَنَّه لا يراها كزوجةٍ له، وهذا ما قاله لها حرفيًا. متابِعةً حديثها قائلة: “تركني ولم يسمح لي أن أتحدث معه وأخبره أنني سوف أُقدِم على عملية لإزالة الرحم من جسدي كي يطمئِن وأعيش معه. نعم، كنت سأفعل ذلك دون تردد، لِأنني مثلما قلت: أُريد أن أعيش معه إلى أن يأخذ الله روحي، نعم أحببته لهذا الحد”، مُضيفةً:” كان هناك شيء آخر أُريد قوله له: أنّي وقبل معرفته، كنت أتمنى أن أموت وأنا أصلي، ولكن بعدما أحببته تمنّيت من الله أن يأخذ روحي وأنا في حضنهِ لأنّ حُبي له بالنسبة لي عبادة.”

وأكدت قائلة: “كنت أشعر أنّه ابني الذي قررت ألّا أنجِبه، وبعدما تركني، بالتأكيد، مازلت على رأيّي لا أُنجب لأني ضد فكرة الزواج بالأساس، هذا بالإضافة إلى أنه حينما يبكي طفل أمامي ابتعد على الفور من المكان، حيث يكون بداخلي خوفٌ كبيرٌ من أن يكون به شيء يُألِمه ولا أعلمه ولا أستطيع مساعدته وهو لا يستطيع التحدث معي، وهناك خوف آخر يخطر ببالي عندما يكبر هذا الطفل ويعرف كيف يروي تفاصيل ألمه ربما يتألم أكثر ويرفض الحديث. باختصار، طريق الحياة مليء بالمُعاناة مع الأشخاص.”

وبعد كل هذا الحديث مع الأشخاص مِمّن تخلصوا من أنانيتهم بإرادتهم وقرروا أن يكونوا “لا إنجابيّين”، ستُلاحظ قوة في حديثهم وبذات الوقت هناك شيءٌ من الضعف، ولكن لا يوجد شَك أنَّ السبب الرئيسي هو الخوف سواء من التنمّر أو الفقرأو فقدان شخص مُقرب، وهنا لا بدّ أن نسأل كل شخص مازال يُريد أن ينجب طفلًا، بالرغم من معاناة الجميع في هذه الحياة، لماذا تُريد أن تنجب طفلًا لهذا العالم؟ هل هي أنانيّة أم مثلما يُقال سُنة الحياة؟

نرشح لك: رأي مغاير حول اللاإنجابية

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: هايدي عبد الرافع

تدقيق لغوي: فاطمة الملاح

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.