تأخذك إلى أعماق الفكر

أفلام استوديو جيبلي: عالم لبطلة شجاعة

لطالما فتنني عالم الأفكار، أشعر بها تحتل حيزًا في دماغي، أقلبها وأنشغل بها زمنًا، لكن لم أشعر يومًا أنها تخاطبني، ربما كان هذا تأثير لغة لا تحتوي على ضمير مخاطب يصلح للجنسين، قد تمتلك اللغة تأثيرًا كهذا على تفكيرنا وتصورنا للعالم طبقًا لنظرية سابير-وورف، كنت أشعر أن ما دامت الفكرة موجّهة لمخاطب مذكر فمشاركته فيها ضربٌ من الاحتيال، تعلمت أن في العالم مساعٍ إنسانية وأعمالٌ أنثوية، ورغم رغبتي في الأولى، فإن الثانية هي المناسبة لي، ربما كنت الوحيدة التي فكرت بهذه الصورة، لكنني ظننت حينها أن من المنطقي ألا أستجيب سوى للضمير: “أنتِ“، تظهر كلمة (امرأة) وسط كل تلك الضمائر المُذكرة ككلمة دخيلة، تخاطب مجموعة خاصة من البشر عن مواضيعهم الخاصة، “عزيزتي المرأة، افعلي كذا”، الآن أفترض أن الحديث موجهٌ لي، وأتأكد أن باقي الأحاديث -عن البطولة والفضيلة ومصير الإنسان- لم تكن لي.

استوديو جيبلي حيث الألوان مذهلة والبطلات شجاعات

لم أشاهد أيًا من أفلام استوديو جيبلي في طفولتي، كانت رائجةً آنذاك لكني لم أكن أعرفها، عرفتها بالمصادفة عندما اكتشفت أن ما يبدو كلوحة زيتية مبهرة -شاهدتها على الانترنت- هو في الحقيقة مشهدٌ من فيلم Howl’s moving castle.

هكذا بدأتُ المشاهدة وأنا في العشرين، وجدت عالم جيبلي غريبًا، ليس لأن به قطٌ هو أيضًا حافلة، أو وحوش غابة تدع الفتيات الصغيرات ينمن على بطونهم بدلًا من أكلهن، بل لأن معظم أبطاله من الفتيات أو النساء الصغيرات، ومهما كانت الصعوبات المقدرة لهنّ، فكونهنّ إناثًا لم يكن واحدة من هذه الصعوبات، في أساس هذا العالم -سواء كان عالمًا سحريًا أو مبنيًا على الحياة الواقعية- لم يكن لجنسهنّ معنىً خاص، تحاول الأميرة نوسيكا حماية شعبها وعقد صلح مع قوى الطبيعة الغاضبة، لكن لا يتشكك أحدٌ من رعيتها في أهليتها للقيام بالمهمة لأنها أنثى، كان المسعى البطولي يُنسب مباشرةً للشخصية الأنثوية دون أي عائق، كأن هذه هي طبائع الأمور، وكان هذا جديدًا ومذهلًا.

بطلة قصتها الخاصة

عندما أنهيت فيلم Whisper of the heart، قررت أن هذه هي قصة الحب المثالية.

إعلان

شيزوكو تصادق سيجي لأنه يستعير ذات الكتب التي تستعيرها من المكتبة العامة، يتحدثان ويمشيان ثم يقعان في الحب، لكنها قصة مختلفة، شيزوكو فتاة مكتملة من بداية القصة؛ تحب القراءة والكتابة، ترهقها الواجبات المدرسية، تتدرب على أغنية مع صديقتها، تبحث عن معنىً وتسأل عند نقطةٍ ما عن هدفها في الحياة وهو ما لا تعرفه بعد، لم ألاحظ قبل ذلك الفيلم أن الفتيات عادةً ما يكنَّ (الآخر) في قصة بطلٍ ما، يدخلن في مرحلة معينة للقيام بدورهن، وكل ما نعرفه عنهنّ قبل لحظة اللقاء بالبطل هو الحد الأدنى الضروري، ما يكفي كي نُعد أنفسنا ذهنيًا لهذا اللقاء، لكن شيزوكو تشغل عالمها الخاص قبل لقائها بسيجي، ليس وكأن هو (الآخر) في عالمها كذلك، لكل عالمه، القصة هي لقاء عالمين.

يعتقد البعض أن نمط المرأة كآخر -والمُرسخ في السرد الغربي- مؤذٍ أكثر مما نتصور، في هذا المقال يقترح الكاتب أن هذا النمط بالذات ربما يكون المتسبب في ظهور ال Incels, مجموعة من الرجال المحبطين جنسيًا، والساخطين على النساء، ألا يمكن أن نكون قد تسببنا في ذلك؟ تدخل الفتاة القصة فقط من أجل اللقاء بالفتى، لإشباع رغبته، وحين لا يماثل الواقع تلك الأنماط التي تربينا عليها، نشعر أن هناك خطأً ما، ونغضب.

عالم مقلوب، عالم معتدل

نشعر أحيانًا بعدم القدرة على تصور عالم يتساوى فيه الرجال بالنساء، هل يقوم الرجال بالطهو والحياكة بينما تشق النساء الطرق؟ نتصور عالمًا مقلوبًا! فكرة جديدة، لا نستطيع أن نشتبك معها وذلك يفزعنا، لا نستطيع تصور ما يخالف الأوضاع القائمة إلا بصورة كاريكاتورية، تصور ديريدا أن الطريقة المثالية لتصوير الأوضاع القائمة هي بقلبها تمامًا، لن يستطيع الرجل الأبيض فهم ما ترمي إليه إذا صنعت له مسرحية عن العبودية حيث يُستعبد البيض الملونين، هذا هو الوضع القائم، ليس فيه ما يثير، فقط ستجذب انتباهه إذا جعلت الرجل الأبيض في موقع العبد، حينها قد تمرر أيضًا ملاحظتك الأخلاقية.

لكن مقاربة استوديو جيبلي مدهشة من حيث أنها لم تسعَ لمثل ذلك، دعنا لا نقلب العالم، لنصنع عالمًا مثاليًا، يراه الأطفال قبل رؤية عالمنا الواقعي: هذه بطلة شجاعة وقوية أيها الأطفال، وهكذا تكون الأشياء.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: سارة شاهين

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

تدقيق لغوي: سلمى الحبشي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.