تأخذك إلى أعماق الفكر

عن إتيقا ليڤيناس كترياق للعنف

يدعو الفيلسوف الفرنسي اللِّتواني الأصل إيمانويل ليڤيناس إلى ضرورة التخلص من لعنة الأنطولوجيا -التي هيمنت على التقليد الفلسفي الغربي، بدءًا من أرسطو مرورًا بهوسرل وانتهاءً بهايدغر- معتبرًا أن الإتيقا هي الفلسفة الأولى وليس الأنطولوجيا كما ساد الاعتقاد لزمنٍ طويل، فهو يُقِر بأسبقية وأولوية الإتيقا على الأنطولوجيا لدرجة أنه اعتبر الإتيقا أكثر أنطولوجيةً وسُمُوًا من الأنطولوجيا نفسها.

لكن كيف يبرر ليڤيناس هذه الحاجة المُلحة إلى الانطلاق من الإتيقا وليس من الأنطولوجيا؟وبأي معنىً يمكن اعتبار الإتيقا فلسفةً أولى وحَقَّة؟

كَرَس الإعلاء من شأن الأنطولوجيا لتقليدٍ تمثّل في حرص الإنسان على الإنوجاد بأي ثمن، الأمر الذي جعله متمركزًا على ذاته وأنانيًا بشكلٍ مفرط، لقد كان ولا زال هَمُّهُ الوحيد هو إشباع احتياجاته عبر السعي إلى تأكيد ذاته عن طريق السيطرة والعنف الممنهج على غيره، بحيث أنه في كل سعيٍ محموم نحو فرض وإثبات الذات يكون هناك عنفٌ وشرٌ وأنانيةُ كما يؤكد ليڤيناس؛ إنها حرِّية إنسان أناني يبيح كل شيء في سبيل منافعه ومصالحه الضيقة، لدرجة أنه لن يتردد في قتل الآخر.

إن هكذا تَمَثُّل للذات وللغير وللعالم جعل من الأونطولوجيا فلسفةً للقوة والتسلُّط والاحتلال والعنف والحروب، تَمَثُّلٌ حوّل الإنسان إلى كائن مفترس ومنكفئ على ذاته ورافض لكل ما هو مخالفٌ له من ذوات أخرى، بمعنى آخر: إذا كان الهمّ الوحيد للإنسان هو مواصلة انْوِجَادِه بأي ثمن فإن ذلك سيدفعه حتمًا إلى محاربة الغير الذي يبدو له -دائًما- كعدوّ يتعين إبعاده، بل وتدميره وقتله.

ليڤيناس وشكسبير

إن العبارة الشكسبيرية التي جاءت على لسان هاملت “أكون أو لا أكون، هذا هو السؤال” هي عبارة أو سؤال مغلوط في نظر ليڤيناس، بل وملغوم وخطير؛ لأنه يؤسس لقناعة يوجهها منطق الإقصاء والعنف والحرب، وكل ما من شأنه أن يدمر الآخر “العدو” المهدد لـ”حرية” و”تماسك” و”استمرار” الأنا في الانوجاد؛ فالحرية لا تتأسس عبر إقصاء الغير وقتله، بل في الاستعداد الدائم للانفتاح عليه وفي مقابلته باعتباره وجهًا يتكلم، يحس، يرغب، ويُحِب، وله كامل الحق في الانوجاد والاختلاف، فالعلاقة مع الغير كوجه (Autrui est Visage) هي في جوهرها علاقة أخلاقية.

لهذا يدعو ليڤيناس إلى التعامل مع الغير كذات وليس كموضوع. إننا هنا أمام دعوة صريحة إلى إقامة علاقة بينذاتية (Intersubjectivité)، أو إن جاز القول: هي علاقة يتعين أن يوجهها المِتْزَايَن(Mitsein) كمبدأ في العلاقة مع الغير، أي “الانْوِجَاُد مَعَ، والانْوِجَاُد عَبْرَ، وَفِي”، إنه انوجادٌ مشترك مع الآخر في العالم وليس انْوِجَادًا بمعزل عنه كما حاول أن يُقنعنا بذلك -دون جدوى- السيد ديكارت.

إعلان

بهذا يتعين أن يكون الغير ذاتًا وليس شيئًا أو موضوعًا، فوحدها مقابلته والاعتراف بغيريته وتثمينها، وكذا الاستعداد الدائم للاصغاء الجيد لندائه، والاستجابة الفورية لما ينتظره من الأنا، هو ما يجعل من الأنا مسؤولاً عن الغير وليس مسؤولاً عن ذاته فقط، وبالتالي تكون المسؤولية عن الغير في جوهرها -حسب لڤيناس دائمًا- مسؤولية عن الأنا، بل والأكثر من ذلك؛ هي مسؤولية تفرض ذاتها على الأنا حتى ولو أدى به ذلك الأمر إلى المخاطرة بحياته في سبيل إنقاذ الغير وحمايته من كل خطر يَتَهَدَّدُه.

يقول ليڤيناس:

حتى وإن كُنت لا تتقن السباحة وألقيت بنفسك في الماء لتنقذ شخصًا ما يغرق، فأنت تكون قد اتجهت كليًا نحوه كآخر، وهذه البينذاتية أو “العلاقة مع الغير” ليست مُتَناظِرَة (Asymétrique)، بحيث أنه لا يجب أن أنتظر المعاملة بالمثل(١)

ومعنى هذا أن الغَيْرِيَّة الحَقَّة تكمن في المسؤولية المطلقة عن الغير كيفما كان دون انتظار مقابل لهذا الواجب الأخلاقي المُلْزِم للأنا.

إجمالاً؛ إن الإتيقا كأنطولوجيا حَقَّة لا تتأسس على معرفة الذات، بل على المسؤولية عن الآخر، فأن تَنْوَجِد معناه أن تنوجد للآخر وليس لذاتك، وبالتالي فوعي الذات هو في الوقت نفسه وعيٌ بكل ما يحيط بها من غير وباقي أشياء العالم الأخرى، لكن أليس من شأن هذا “التسامح” مع الغير، أو هذه “المبالغة” في تَبْجِيلِه “كوجه متكلم” أن تضعنا في ورطة “أخلاقية وأنطولوجية”، وتجعلنا نعيد طرح سؤال بول ريكور الذي وجهه إلى إتيقا ليڤيناس: “ماذا يُقَالُ عن هذا الآخر حين يكون جَلاَّدًا؟”(٢)، ألا ينبغي -في هذه الحالة- أن “ندّعي -باسم التسامح- الحق في عدم التسامح مع التعصب” كما يقول كارل بوبر؟(٣)

المصدر 
[ L'éthique est avant l'ontologie. L'éthique est plus ontologique que l'ontologie, plus sublime qu'elle.]
*Emmanuel Levinas : De Dieu qui vient à l'idée, Vrin, 1982, p 143
المراجع
-(١)Emmanuel Levinas :Ethique et infini. Dialogues avec Philippe Nemo, Paris, Fayard, 1982, p. 105
-(٢)بول ريكور "الذات عينها كآخر"،ترجمة جورج زيناتي،المنظمة العربية للترجمة،طبعة ٢٠٠٥،ص:٦٢٣ 
(٣)Karl Popper :The Open Society and Its Enemies- New One-Volume Edition With a new introduction by Alan Ryan and an essay by E. H. Gombrich.Editions .Paperback, pp : 808.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: عبد النور زياني

تدقيق لغوي: سلمى الحبشي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.