تأخذك إلى أعماق الفكر

المخدرات الرقمية بين الواقع والخيال

في عام 2010 وبَّخت إدارة مدرسة موستانغ الواقعة في ولاية أوكلاهوما  ثلاثة طلاب بدوا تحت تأثير الكحول أو المخدرات. وبعد التحقيق في الموضوع، وضّح الطلاب أن السبب وراء حالة السُكرِ التي بدت واضحةً عليهم هو تجربتهم لنوع من أنواع المخدرات الرقمية المعروف بـ”i-dosers“. وقفت إدارة المدرسة عاجزةً أمام الحقيقة؛ فهل يبالغ الطلاب في قولهم؟ هل كانوا يهلوسون تحت تأثير نوع آخر من المخدرات؟ أم كانوا فعلاً تحت تأثير المخدرات الرقمية؟ ومما زاد الطين بِلة أن هؤلاء الطلاب لم يكونوا مثيرين للمتاعب. إلا أن هذا الموقف الغريب أثار قلق الآباء والأمهات وقلق مدارس أخرى سمعت بالحادثة؛ كما واهتم خبراء المخدرات بنوع المخدرات الغامض هذا.

ما هي المخدرات الرقمية؟

هي نغمات أذُنية (binaural beat) تُسمَعُ في كلتا الأذنين تم اكتشافها عام 1839 من قِبل عالم الفيزياء هاينريش ويلهيلم دوف؛ حيث اكتشف أن سماع إشارة ذات تردد ما في إحدى الأذنين وأخرى ذات تردد مختلف في الأذن الأخرى يؤدي بالدماغ إلى ملاحظة الفرق ما بين الترددين، ومن ثم يحاول  توحيد تردد الإشارتين. وأثناء ارتباط التردد الأول بالتردد الثاني -فتتَماشى للحظة وتتعارض للحظة- يُنشئ الدماغُ إشارةً ثالثةً تُعرَف بالنغمة الأُذُنية (binaural beat)؛ فالفرقُ في التردد ما بين الموجتين الصوتيتين يساوي تردد النغمة الأذنية -التي يُنشئها الدماغ.

وأظهرت الأبحاث أن تعريض الدماغ للنغمة الأُذنية يؤدي إلى انسجامه مع هذه النغمة. إن للنغمة الأذنية في موجة الألفا ذات تردد 10 هيرتز القدرة على تحفيز الدماغ بحيث يتجاوب مع هذا التردد؛ فيتماشى نشاطُ الدماغ مع موجات ألفا. ويمكن استخدام هذه التقنية لتوجيه الدماغ بكل سهولة ويُسر نحو أي حالة ذهنية.

يشير مصطلح “الاستجابة لتردد الموجات الصوتية” (Frequency Following Response) إلى التأثير الكبير للنغمات الأذنية على الدماغ الذي يؤدي إلى توافق نشاط الدماغ مع ترددها. حيث تمَّ البحث في هذه الظاهرة ووضعها تحت الاختبار عام 1973 من قِبل عالِم الفيزياء الحيوية جيرالد أوستر -الطبيب في مستشفى ماونت سيناي الواقعة في مدينة نيويورك. حيث مهّد بحثُه حول النغمات الأذنية والاستجابة لتردد الموجات الصوتية الطريقَ أمام مزيد من التطورات في مجال التحفيز السمعي للدماغ الذي يهدف إلى تحسين نشاط موجاته.

إنَّ تعريض الدماغِ لتوليفة مماثلة من الترددات المُعدَّةِ بعناية يمكِّنُ الفرد من بلوغ مرحلةٍ عميقةٍ من التركيز والاسترخاء العميق. حيث يمكن تحقيق كل ما سبق من خلال تحفيز نشاط مناطقَ معينة من الدماغ لتعمَل في تزامن تام. إلا أن العديد من الباحثين في المجال أشاروا إلى أن الشعور بالنشوة الذي يدّعي البعضُ الشعورَ به بعد الاستماع لهذه الموسيقى ما هو إلا تأثير وهمي يخضع له الدماغ إثر رغبة الفرد  المُلحة للشعور بهذه النشوة.

إعلان

هل تسبب المخدرات الرقمية الإدمانَ؟

تحوم العديد من المزاعم المثيرة للجدل حول الخصائص الإدمانية للنغمات الأذنية؛ كإِفراز الدماغ المُفرط لهرمون الدوبامين والبيتا إندورفين وسرعة التعلم عند الاستماع للمخدرات الرقمية. كما ويضم الانترنت بين صفحاته عددًا كبيرًا من الفيديوهات لمراهقين يدَّعون أنهم في حالة من الانتشاء تشبه تلك التي يشعر بها الفرد عند تعاطيه المخدرات. كما وتُسوِّق العديد من المواقع الإلكترونية هذه النغمات على أنها تحاكي أثر الماريجوانا والأفيون والكوكايين في الترويح عن النفس؛ وذلك لأنها تعمل على مزامنة الموجات الدماغية بحيث تصل لمرحلة شبيهة بتلك التي تصل إليها عند تعاطي جرعة من الماريجوانا أو الأفيون أو الكوكايين.

إن تسويق المنتجات الرقمية بهذه الطريقة المضلِّلة -بغض النظر عن حقيقة تأثيرها على الدماغ- يؤدي إلى انتشارها بشكل يدعو للقلق؛ وذلك لأن المراهقين قد يرغبون بتجربتها بدوافعَ مغلوطةٍ. أمّا من الناحية الطبية، يفتقر هذا الادعاءُ إلى الأبحاثِ أو الدراساتِ التي قد تدعم صحته. حيث صرحت الرئيسة التنفيذية للعمليات -كارينا فوريست بيركنز- في منظمة Gateway to Prevention and Recovery لعلاج الإدمان ما يلي: “أعتقد أنّ المخدرات الرقمية شديدةُ الخطورة. فعلى الرغم من عدم تأثيرها على الجهاز العصبي للفرد، إلا أنها تشجع المراهقين على تعاطي المواد التي تعدل المزاج”. ومما يزيد الطين بِلة، عرضُ بعض المواقع المتخصصة ببيع المخدرات الرقمية لإعلاناتٍ تجارية تشجع الشبابَ بطريقةٍ مغريةٍ على شراء حبوب مخدِّرة شديدة الخطورة وماريجوانا اصطناعية.

النغمات الأذنية كوسيلة علاجية

يؤدي استخدام النغمات الأذنية كوسيلة علاج رئيسية إلى نتائج هائلة. حيث استخدم كل من الدكتور Eugene Peniston والدكتور Paul Kulkosky من جامعة كولورادو الجنوبية النغماتِ الأذنية كوسيلةٍ علاجية أثناء علاجهم لمجموعة من مدمني الكحول. ولوحظ أن النتائجَ المُستخلصةَ من استخدام العلاج السمعي كانت إيجابية؛ فكان معدل الشفاء سريعًا وفعالًا وطويلَ الأمد.

وتضم القائمة التالية الأعراضَ التي تلازم المدمنين الذين يخضعون للعلاج في مرحلته الأولية:

  • الأفكار المُضطربة التي لا تفتأ تنهش عقل المريض
  • القلق المَرَضي
  • مستويات عالية من التوتر
  • قلة النوم

حيث تلعب النغمات الأذنية دورًا هامًا في الفترات المُشابِهة والتي يتوَجب على المريض فيها أن يتمتع بالقوة النفسية والذهنية؛ وذلك لأن هذه النغمات تحفز الدماغ على الدخول في حالةٍ من التأمل والاسترخاء، الأمر الذي يؤدي بدوره إلى رفع الوعي بالذات والبصيرة الشخصية. حيث يتم تصميم هذه المقتطفات الصوتية بحيث تدعم عنصرًا جوهريًا في اتزان مرضى الإدمان؛ ألا وهو نمو شخصية الفرد على المدى البعيد.

ويدَّعي Jed Shlackman -مستشار الصحة النفسية- أنه استخدم النغمات الأذنية كوسيلة مساعِدة في علاج المصابين باضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة وأن ذلك نجح في علاج المرضى؛ حيث يدعم استخدام النغمات الأذنية في العلاج باعتبارها وسيلة آمنة لا تزيد خطورتها عن خطورة النشاطات اليومية التي يقوم بها المراهقون بشكل مُفرط، كالتسوق وممارسة التمارين الرياضية. ويُضيف Shlackman أنّ النغمات الأذنية تفتقر الآثار الحادة التي تمتاز بها المخدرات المصنّعة كيميائيًا والتي تؤدي بالمتعاطي إلى الانسحاب من الواقع. وتشمل الفوائد الأخرى للنغمات الأذنية ما يلي:

  • تسهيل دخول الدماغ في حالة من التأمل
  • خلق حالة من التزامن ما بين النصف الأيسر للدماغ والنصف الأيمن
  • زيادة مستوى الذكاء وتعزيز القدرات الذهنية
  • تخفيف التوتر من خلال الاسترخاء العميق والتأمل

البحث بعمق في حقيقة المخدرات الرقمية

لا تزال المخدرات الرقمية ظاهرةً حديثةً تتطلب مزيدًا من الوقت لتحديد المخاطر المُناطة بها. فحتى وقتنا الحاضر، لا تتواجَد أية دلائل تُثبِت المخاطر الكيميائية لهذه المخدرات أو الخصائص الإدمانية لها. أما من الناحية النفسية، فقد تسبب هذه المخدرات الإدمان بسبب تعديلها لمزاج المُستمِع. حيث يؤمن العديد من الأفراد بأن التخلص من هذا النوع من الإدمان أصعب من التخلص من الإدمان الجسدي. وعلى الرغم من افتقارِ الخبراء لأدلة تثبت الخصائص الإدمانية للمخدرات الرقمية، يُشير العديد منهم أن أكبر مخاوفهم هي أن يؤدي اهتمام المراهقين بهذا النوع من المخدرات إلى البحث عن مخدرات من نوع أشد تأثيرًا.

وفي غضون ذلك، يتوجب على الآباء أن يبحثوا في مسببات التوتر في حياة طفلهم إن لاحظوا انفصاله عن حدود الواقع أو جلوسه مستمعًا للموسيقى طوال الوقت وكأن السماعات باتت ملتصقةً بأذنيه. حيث يميل الأبناء عادةً إلى الاتكال على المخدرات كحلٍّ للظروف الصعبة التي تواجههم.

إعلان

مصدر https://www.addictionhope.com/blog/digital-drug-addiction-teens/
فريق الإعداد

إعداد: راما ياسين المقوسي

تدقيق لغوي: أبرار وهدان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.