تأخذك إلى أعماق الفكر

12 انحيازًا شائعًا يؤثر في كيفية اتخاذ القرارات في حياتنا اليومية

تأكد أن القرارات المهمة لا تتخذ اعتمادًا على الانحيازات

رغم أنه يمكن القول بتأريخ مفهوم السيادة الواهمة إلى عهد الفيلسوفين كونفوشيوس وسقراط، ربما يكون من الصادم أن نعلم أن نقاش هذا المفهوم بصيغة تأثير دونينغ كروغر لا يتجاوز عمره عشرين سنة على الأغلب. ورغم أنه ربما يكون الأمر ببساطة نتيجة لصدى ما أنشره على حسابات التواصل الاجتماعي الخاصة بي، يبدو أنه يظهر فجأة بشكل متكرر في الأخبار والمنشورات التي كنت أقرؤها مؤخرًا حتى خلال الميمات. ولمن لم يألفوا هذه الظاهرة، فإن تأثير دونينغ كروجر يطلق على انحياز معرفي يقيم فيه الأفراد ذوو المستويات المعرفة المنخفضة في موضوع معين معرفتهم، تقييمًا خاطئًا على أنها أعظم مما هي عليه. وبالمثل، فإنه يطلق على استخفاف الخبراء بمستوياتهم المعرفية وقدراتهم. لكن ثانية، ربما لا يكون هذا ترديدًا لما قلت: فربما يكون جزءً لا يتجزأ من اقتصادنا المعرفي الجديد (1) بالأسلوب الذي نعالج فيه صحة المعلومات بسرعة وبلا أقل جهد ممكن بمساعدة الإنترنت.

ففي أي حالة تطرح فيها التكرار الذي تبدو فيه مواجهتي لذكر هذا الانحياز في الفترة الأخيرة بالتزاوج مع اهتمامي بهذا الموضوع في تدوينتي السابقة بعنوان 18 مغالطة منطقية شائعة وأساليب الإقناع، قررت أنه من المفيد إنشاء قائمة مماثلة، لكن هذه المرة حول الانحيازات المعرفية. يطلق الانحياز المعرفي على الخطأ المنهجي في عملية التفكير، إذ غالبًا ما تتصل انحيازات من هذا القبيل بالتوجه الذي هو اختصار عقلي بالأساس. تتيح التوجهات للشخص القيام بالاستدلال دون اللجوء إلى النقاش المعمق أو القرار التأملي، علمًا بأن هذه الانحيازات هي مخططات لحلول من هذا القبيل(2). رغم وجود العديد من التوجهات الممتعة في الخارج، تتعامل القائمة التالية بشكل موسع مع الانحيازات المعرفية. وعلاوة على ذلك، هذه ليست كل الانحيازات المعرفية الموجودة، فهناك تأثير الهالة وظاهرة العالم المجرد. فهي بدلًا من ذلك 12 انحيازًا شائعًا تؤثر على كيفية اتخاذ القرار في حياتنا اليومية من تجربتي.

1: (Dwyer, 2017: Dwyer, Hogan & Stewart, 2014).

2: (West, Toplak, & Stanovich, 2008).

1- تأثير دونينغ كروجر:

إضافة إلى التوضيح المدرج أعلاه لهذا التأثير، يعي الخبراء ما لا يعلمونه جيدًا ويأملون بدمج أمانتهم الفكرية وتواضعهم في هذا المضمار. بهذا المعنى، كلما عرفت أكثر كلما قل يقينك بما تعرف، ليس نتيجةً لقلة المعرفة، وإنما هو نتيجة للحذر. ومن ناحية أخرى، إذا كنت لا تعلم إلا القليل عن موضوع ما، فإنك تراه ببساطة مفرطة بشكل يجعلك متحيزًا للاعتقاد بأن المفهوم أيسر على الفهم مما هو عليه.

إعلان

2-الانحياز التأكيدي:

إن وضعي لتأثير دونينغ كروجر في المقام الأول لا يعني أنني أعتبره أكثر الانحيازات شيوعًا من حيث الوقوع بها. من المؤكد أنه تأثير ممتع. بيد أنني -في محاضرات التفكير الناقد- أحذر طلابي باستمرار من الانحياز التأكيدي، إذ أننا جميعًا نفضل الأفكار التي تؤكد قناعاتنا المسبقة وما نظن أننا نعلمه. وبالمثل فإننا نعاني جميعًا -عند القيام ببحث ما- من محاولة العثور على مصادر تبرر ما نعتقده بشأن هذا الموضوع. وكما ناقشت في تدوينة سابقة حول خمس خطوات للتفكير الناقد، يسلط هذا الانحياز الضوء على أهمية لعب دور مناصر الشيطان، أي أنه لا بد من تجاوز هذا الانحياز ودراسة كلا الجانبين أو – إن كان هناك أكثر من اثنين- كافة جوانب الموضوع. تذكر أننا كسالى من الناحية المعرفية، إذ أننا لا نرغب بتغيير معارفنا أي مخططاتنا، وبِنانا الفكرية وكيفية تفكيرنا في الأمور.

3-انحياز المصلحة الذاتية:

هل سبقت وفشلت في امتحان ما، لأن المعلم يكرهك؟ هل دخلت في الأسبوع التالي واجتزت الامتحان التالي لأنك درست بجد رغم أنف ذلك المعلم؟ تهانينا، لقد وقعت في انحياز المصلحة الذاتية. إننا ننسب نجاحاتنا ونتائجنا الإيجابية لأفعالنا منتشين بمجدنا عندما تسير الأمور على ما يرام. إلا أننا -عند مواجهة الفشل أو نتائج سلبية- نميل إلى أن ننسب هذه الأحداث إلى أناس آخرين أو عوامل سياقية خارجة عن إرادتنا.

4-لعنة المعرفة وانحياز الإدراك المتأخر:

بشكل مماثل من وجوه عديدة مع قاعدة الوفرة(1) وإلى حد ما مع تأثير الإجماع الخاطئ، حالما تفهم معلومة جديدة، تصبح هذه المعلومة الآن متاحة وغالبًا تكون واضحة لا غبار عليها. ربما يسهل عليك نسيان أنه كان هناك وقت ما كنت تجهل فيه هذه المعلومة. وعليه, تفترض أن الآخرين –مثلك تمامًا- يعرفون هذه المعلومة أيضًا. وهو ما يسمى لعنة المعرفة. وعلى الرغم من ذلك, فإن افتراض أن الآخرين يشاركونك المعرفة ذاتها هو افتراض غير عادل في أغلب الأحوال. يتشابه انحياز الإدراك المتأخر مع لعنة المعرفة في أنه عند امتلاكنا لمعلومة حول حدث ما، يبدو من الواضح أنه سيحدث باستمرار. كان ينبغي لي رؤيته وهو يحدث بهذا الشكل. 1: (Tversky & Kahneman, 1974)

5-انحياز التفاؤل أو التشاؤم:

كما يحتمل أنك خمنت من الاسم، لدينا ميل للمبالغة في تقدير احتمالية النتائج الإيجابية -وخاصة إذا كنت في مزاج جيد- وإلى المبالغة في احتمالية النتائج السلبية إذا شعرنا بالدونية أو كنا ذوو نظرة تشاؤمية. في أدى حالتي التشاؤم أو التفاؤل، أدرك أن العواطف تجعل التفكير غير منطقي. تذكر أن إحدى خطواتي الخمس للتفكير الناقد أن تترك العاطفة خارجًا.

6-مغالطة التكلفة الغارقة:

رغم وسمها كمغالطة، فإنني أرى أن التكلفة منسجمة مع التحيز بنفس انسجامها مع التفكير المعيب من خلال أسلوب تفكير نتبعه من حيث الخسارة أو الفوز أو الكسر. فعلى سبيل المثال، نعتقد عمومًا أننا إذا زرعنا شيئًا ما فإننا سنحصده؛ سواء أكان جهدًا أو وقتًا أو مالًا. وبهذا نخسر أحيانًا. وانتهى كل شيء. ولا نحصل على عائد. تطلق التكلفة الغارقة على ما نخسره ولا يمكن استعادته. إن نفورنا من الخسارة(1) يجعلنا متشبثين تشبثًا غير منطقي بفكرة الاستعادة رغم الخسارة. ويعرف هذا الأمر في القمار بمطاردة الإناء، فعندما نقوم برهان ونطارده فمن الممكن افتعال رهان آخر لاستعادة الرهان الأصلي وما نأمل به أكثر. ورغم ذلك، علينا اعتبار الرهان الأصلي خاسرًا. يمكن تطبيق النصيحة المناسبة هنا لتقليل خسارتك. 1: (Kahneman, 2011).

7-انحياز السلبية:

لا ينفصل انحياز السلبية عن انحياز التشاؤم لكنه مميز بشكل مهم ودقيق. ففي الحقيقة، فإنه يعمل بآليات مماثلة لتلك التي تعمل بها التكلفة الغارقة من حيث كونها تعكس نفورنا الأساسي من الخسارة. نحب الفوز لكننا نكره الخسارة أكثر. فعند اتخاذ القرار، فإننا نفكر فيه بشكل عام من حيث النتائج إما إيجابية أو سلبية. يلعب الانحياز لعبته عند الوزن غير المنطقي للنتيجة السلبية بصفتها أهم من النتائج الإيجابية.

8-انحياز الرفض والمعروف أيضًا بالانحدارية:

ربما تكون قد سمعت بالشكوى القائلة بأن الإنترنت سيحدث انخفاضًا في نشر المعلومات. بيد أن سقراط قال الشيء ذاته عما هو مكتوبة. تطلق الانحدارية على الانحياز الذي يفضل الماضي على ما هو حاضر. من المحتمل أنك عرفت أحد أفراد جيل أقدم من جيلك يفتتح حسراته بالقول: “على أيامنا” قبل الاستمرار في الحديث حول كيف يفترض أن تكون الأمور أسوأ. يمكن أن ينتج انحياز الرفض من أمر كررت ذكره في تدوينات سابقة، وهو أن الناس لا يحبون التغيير، إذ أنهم يحبون أن تكون عوالمهم معقولة وملفوفة في حقائب صغيرة ومشبكة. يكون العالم أسهل للانخراط فيه عندما تكون الأمور معقولة بالنسبة لنا. لكن عند تغيرها، تتغير بذلك طريقة تفكيرنا ونظرنا إليها. ونظرًا لكوننا كسالى من الناحية المعرفية(1)،  نحاول أقصى ما بوسعنا لتجنب تغيير عمليات التفكير لدينا. 1: (Kahenman, 2011; Simon, 1957).

9-تأثير النتائج العكسية:

يطلق تأثير النتائج العكسية على تقوية اعتقاد ما حتى بعد دحضه. ويوضح كوك cook ولوندوسكي Lewandowsky هذا التأثير توضيحًا جيدًا في سياق تغيير عقول الناس في كتابهما الساخر المنشور عام 2011. يعمل تأثير النتائج العكسية وفقًا للأساس ذاته الذي يعمل وفقه انحياز الرفض من حيث أن الناس لا يحبون التغيير. كما أنه مماثل أيضًا لتأثير السلبية من حيث رغبتنا بتجنب الخسارة والنتائج السلبية الأخرى. ففي هذه الحالة، عند دحض فكرة ما أو رفضها بمعنى أن يتضح خطؤها، فإنهم يتعلقون بها تعلقًا أكبر من ذي قبل. ورغم ذلك، هناك تحفظات على تأثير النتائج العكسية. فعلى سبيل المثال, نميل إلى ترك اعتقاد ما في حال وجود أدلة كافية تدحضه فيما يتعلق بحقائق محددة.

10-خطأ الإحالة الأساسي:

إن خطأ الإحالة الأساسي مماثل لانحياز المصلحة من حيث بحثنا عن أعذار سياقية لفشلنا ونلوم عمومًا الآخرين وخصائصهم على فشلهم. كما أنه يصدر من قاعدة الوفرة أي أن نصدر القرارات بناءً على ما هو متوفر لدينا من معلومات. وأفضل أمثلة الكتب على هذا النوع من التعميم هو ما يلي: تخيل أنك تقود سيارة أخرى وأن سائق سيارة ينحرف قليلًا وبدأ على نحو غير متوقع يزيد السرعة ويخففها. قررت تجاوزهم كي لا تبقى عالقًا وقتًا أطول خلف هذا السائق الخطر. وعندما نظرت إلى تلك السيارة رأيت امرأة خلف المقود. يظهر خطأ الإحالة الأساسي عندما تصدر حكمًا بأن قيادتها سيئة لأنها امرأة وبذلك تتعلق بتعميم لا أساس له. لكن، ما يحتمل أنك لا تعلمه هو أن معها ثلاثة أطفال يصرخون ويلعبون في الكرسي الخلفي بينما هي تحاول إيصال أحدهم إلى لعبة كرة القدم وآخر إلى درس الرقص وآخر إلى درس البيانو.  يومها صعب، فهي الآن متأخرة بكل هؤلاء الأطفال لأنها لم تغادر عملها في الوقت المعتاد. لو كنا مكان تلك السائقة، لحكمنا على أنفسنا بأننا نقود قيادة سيئة نظرًا لهذه الأسباب وليس لهويتنا. فعرضيًا، زوجتي سائقة أفضل بكثير مني.

11-انحياز الجماعة:

كما رأينا خلال دراستنا لانحياز المصلحة الذاتية وانحياز وخطأ الإحالة الأساسي، فإن لدينا ميلٌ لنكون لطيفين نسبيًا عند إصدار الأحكام على أنفسنا. فببساطة، يعرف انحياز الجماعة بأنه تفضيل غير عادل لشخص ما من منطلق مجموعته. ربما تظن أنك شخص غير متحيز ونزيه وعادل، لكننا نقع جميعًا في هذا الانحياز لأننا تطورنا لنكون بهذا الشكل؛ أي أن هذا الانحياز -من منظور تطوري- يمكن أن نعتبره إيجابيًا من ناحية تفضيل من يشبهونك وحمايتهم وتحديدًا ذوي القربى أو ترقية ذوو الصلة بأحدهم.

12-تأثير فورير والمعروف بتأثير بارنوم:

كما هو الحال عند دراسة انحياز الرفض, فإنه عند دراسة تأثير فورير والمعروف بتأثير بارنوم من المفيد أن نعلم أن الناس يرغبون بأن يكون عالمهم معقولًا. وإن لم يكن كذلك، فلن يكون هناك نمط موجود مسبقًا لنتكئ عليه وسيتوجب علينا التفكير بصعوبة لنضع المعلومات الجديدة في سياقاتنا. وبذلك، إذا كان هناك فجوات في تفكيرنا حول كيفية فهمنا للأمور سنحاول ملء هذه الفراغات بما نعتقد بديهيًا أنه معقول، معززين بذلك مخططاتنا الموجودة. ونظرًا لميل عقولنا إلى إنشاء روابط من هذا القبيل لتوطيد فهمنا الشخصي للعالم، فإنه من السهل رؤية كيفية معالجة الناس للمعلومات الغامضة وتفسيرها بأسلوب يجعلها تبدو شخصية ومحددة بالنسبة لهم. وبالنظر إلى طبيعتنا الأنوية المصاحبة لميلنا لحزم الأفكار البسيطة والضعيفة فإنه عند معالجتنا للمعلومات الغامضة، نميل للاتكاء على ما نعتبره ذا معنى بالنسبة لنا ونستبعد ما ليس كذلك. فببساطة، نحن أفضل في معالجة المعلومات التي نظن أنها  تتناسب معنا بغض النظر عن الغموض. وتحديدًا، يطلق تأثير فورير على ميل الناس إلى تقبل المعلومات الغامضة والأوصاف الشخصية العامة بوصفها تنطبق عليهم على نحو فريد دون إدراك أن الوصف ذاته ينطبق على الجميع(1).

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.