أشهر محاربي الفايكينج في التاريخ (1)

امتدّ تأثيرُ الفايكينج على مساحاتٍ شاسعة من أوروبا والعالم؛ حيث لم يكونوا مجرّد وحوش همجيّة، فبجانب كونهم محاربين بارعين، كانوا أيضًا تجّارًا ومزارعين وصيّادين، وامتلكوا حضارةً مميزةً وعقليةً توسُّعية جبارة. بدأت الصورة الخاطئة والسمعة السيئة للفايكينج في التحور بدايةً من القرن الثامن عشر، وحيث أن الفايكينج لم يقوموا بتدوين تاريخهم، يتم الاعتماد بشكلٍ أساسيّ على الوثائق الإنجليزية والأساطير الشمالية، لرسم صورة أوضح لحضارةِ الشمال.

لذلك معظم قصصهم تكون الحرب والقتل محورها، وأشهر رموزهم محاربون دمويّون، لكن يحتفل الناس بهم على أي حال، وتعرض أحداثًا شبه خيالية من قرونٍ مضت، لمغامراتٍ وتجارب مثيرة لأشخاص قرروا ألّا يرضوا بوضعهم الحالي، وخرجوا بحثًا عن الثروة والبطولة والشهرة.

 

1- راجنار لودبروك

راجنار لودبروك

يقف راجنار لودبروك (أو لوثبروك) في منتصف الطريق بين التاريخ والأسطورة، وجوده مشكوك في أمرِه، ولا دليل على وجود شخص حقيقي يحمل هذا اللقب، أو على الأقل قام بكلّ تلك الأعمال الأسطوريّة، فهو يشبه إلى حدٍ كبير “الملك آرثر” في إنجلترا. ربما تواجد ملك حقيقي فعلًا ، لكن الأقرب أنّه أسطورةٌ شعبية، أحبَّها الناسُ ، وادّعى الملوكُ  قرابتَهم لتثبيت سلطتهم.

من مسلسل Vikings

يوجد بالفعل ذِكرٌ له في وثائق إنجليزيّة، باسمين مختلفين Ragnall وReginherus، يُعتقد أنهما نفس الشخص الذي بدأ مهاجمة إنجلترا في 840م، قبل أن يتوجه صوب فرنسا، ويحصل على أراضٍ  ودير من الملك “تشارلز الأصلع” مقابل وقف العدوان قبل أن ينقض راجنار العهدَ ويحاصر باريس، ثم دفع له الملك مبلغًا ضخمًا من الذهب ليرحل عن البلاد ويتخلّى عن الهجوم.

ثم ذهب لترويع شواطئ آيرلندا في عام 851م، وبدأ مستوطنة ليست بعيدة عن مدينة دبلن. خلال تلك السنوات استمرّ راجنار في الإغارة على أيرلنديا والساحل الشمالي الغربي لإنجلترا، ويُعتقد أنّه توفّى بين عامَي 852م-856م.

إعلان

إعدام راجنار

لكن أسطورته لا تتوقف عند هذا الحد؛  فمن المفترض طبقًا للحكايات الشعبية، أن راجنار شَعَر بالغيرة بسبب نجاح وشهرة أبنائه، فقام بمهاجمة إنجلترا لتحقيق انتصار عظيم وشهرة واسعة، لكنه فشل ووقع أسيرًا في يد “ايلا” ملك نورثمبريا، والذي أعدمه برميه في خندق بين الثعابين؛ مما أثار غضب أبنائه، فقرروا الانتقام.

المؤكد أنّ غزو “الجيش الوثني العظيم” حدث بالفعل في عام 865م، بقيادة من ادّعوا أنّهم أبناء راجنار لوثبروك، وربما تواجَدَ راجنار فعلًا أو أن ملاحم راجنار لوثبروك أصبحت مزيجًا من العديد من الحكايات والمغامرات بين عدد من الأبطال الآخرين، كعادة قصص الميثولوجي والأساطير، وسرعان ما فقد راجنار الحقيقي مكانته في التاريخ، وأخَذَ منزلته في عالم الأساطير.

 

2- هارالد هاردرادا

من مسلسل Vikings

يعد هارالد Harald Hardrada من أعظم وأشهر محاربي الفايكينج على الإطلاق، اسمه يعني “الحاكم القوي”، وقاد حياةً مثيرةً مُفعمةً بالبطولات والأحداث الدسمة، وهو آخر ملوك الفايكينج العِظَام، ختم حياته بآخر غزو خارجي للفايكينج على إنجلترا في عام 1066م.

ظهرت نزعة العنف في شخصيته منذ المراهقة، وكان طموحًا إلى أبعد الحدود، كما حاول مع شقيقه التصدي لاحتلال ملك الدنمارك “كنت العظيم”، والذي أصبح بعد ذلك ملك إنجلترا والنرويج والدنمارك، لكن هارولد فشل واضطرّ للهرب إلى المنفى، بينما قُتل شقيقه في 1030م.

بعدها توجه إلى القسطنطينية أغنى وأشهر مدن العالم، وأتبَعَ مهاجري الفايكينج من السويد، فانضمّ إلى محاربي المرتزقة هناك، وخدم ضمن الحرس الإمبراطور لأعوام الذي يطلق عليه Varangian Guard، وهناك جمَعَ قدرًا عظيمًا من الثروة، وشارك في معارِكَ  عديدة، وحقّق انتصاراتٍ كبيرة، وذاع صيته في شرق أوروبا كمحاربٍ شرس وقائد مقتدر.

حتى بدأ الخلاف مع نبلاء القسطنطينية بسبب شهرته وخوفهم من سلطته المتزايدة، فاشترك في تمرُّدٍ دمويّ. ويُقال أنه أصاب الإمبراطور “مايكل الخامس” بالعمى، وقضى بعض الوقت في السجن، بعدها قرّر العودة إلى النرويج بعد صعود ابن شقيقه إلى العرش بعد وفاة كنت العظيم، وعاد محمّلًا  بالكنوز والمجوهرات في 1064م، بعد خمسة عشر عامًا في المنفى.

هارالد ملكا

بعد عودته، تمّ التوصُّل لاتفاق يقضي بمشاركة الحكم مع ابن شقيقه؛ تفاديًا للنزاع والقتال، بعد مواجهاتٍ دموية في البداية، وحكما معًا النرويج لعامٍ واحدٍ فقط، حيث توفّى ابن شقيقه، وانفرد بالمملكة، لكن طموحه لم يتوقف عند هذا الحد، بل كانت أنظاره على إنجلترا الجائزة الكبرى.

حاول قبلها ضمّ الدنمارك لمملكته، لكنّه فشل، من ثم توجه بجيش جرار على متن أسطول ضخم، باتجاه إنجلترا فيما يعد نهاية عصر الفايكينج. لحسن حظّه، كان ملك إنجلترا هارولد منشغلًا بالتحضير لمواجهة غزو آخر، بقيادة “وليام دوق نورماندي“؛ مما أتاح له فرصة النزول بالأراضي الإنجليزية، وتحقيق بعض الانتصارات، بالتعاون مع شقيق الملك.

لكن لسوء حظه، تأجّل الغزو الفرنسي بسبب سوء الطقس؛ مما يعني أن ملك إنجلترا قد أسرع لمواجهة الفايكينج. وبالفعل، تمكّنَ ملك إنجلترا من مباغتة جيش هارالد، وأوقعَ بهم هزيمةً نكراء في معركة “ستامفورد بريدج” عام 1066م، سقط فيها هارالد قتيلًا، بالرغم من محاربته بشراسةٍ وشجاعة، ليتسبّب بشكلٍ غير مباشر في تغيير تاريخ أوروبا؛ فقد فتحت هزيمتُه في إنجلترا الطريقَ أمام الغزو الفرنسي، الذي حطَّ في إنجلترا بلا مقاومة، وتمكّنَ من الانتصار في معركة “هاستينج” -في نفس العام- على جيش إنجلترا المُجهد. صعد وليام الفاتح على عرش إنجلترا، ليبدأ ما يزيد عن 300 عام من سيطرة ملوك فرنسيين على إنجلترا، ومنهم مجموعة من أشهر ملوك إنجلترا على الإطلاق، مثل ريتشارد قلب الأسد وهنري الثاني وادوارد الثالث.

 

3- ايفار الكسيح

من مسلسل Vikings

ربما تكون ترجمة لقبه The Boneless غير دقيقة، فيوجد أكثر من نظرية لسبب إطلاق هذا الاسم عليه، ربما كان فعلًا  كسيحًا أو بلا عظام في قدميه، أو كما وصفته بعض الأساطير بلا عظام تمامًا، أو المقصود تشبيهه بالثعبان الذي لا يملك عظامًا، ويمتاز بالمرونة والقوة والسرعة، بينما يُعتَقَد أنه لوصفِ عجزه الجنسيّ، أو ترفُّعه عن الأمر بالكامل، بالرغم من أن الأساطير تذكر وجود أطفاله.

بينما يتمّ تصويره يقود المعركةَ على متن درع حديدي، كدليلٍ على عجزه عن الحركة، لكن ربما كان لمكانته كقائد الجيش، أو يُقال أن قادة الفايكينج كانوا يجلسون على دروعِ أعدائهم بعد الهزيمة، كنوعٍ من الإهانة، أو حتى يمكن ترجمته “legless”، أو أنّه فقد قدمه في إحدى المعارك، أو أنه كان سكيرًا معظم الوقت وتحمله قدماه بصعوبة، لكن لا سبيل للتأكُّد من سبب التسمية.

ايفار هو الابن الأصغر أو المُتبنّى للمحارب الشهير “راجنار لودبروك”، الذي تتغنى به الأساطير الشعبية الشمالية، والوثائق الإنجليزيّة التي تعد أهم مصادر تاريخ الفايكينج، حيث أنهم لم يدوّنوا تاريخهم.

تمثال ايفار في دبلن/ايرلندا

أبرز أعمال ايفار هي قيادة “الجيش الوثني العظيم” في عام 865م؛ انتقامًا لمقتل والده راجنار في إنجلترا، وتوجّهه بجيشٍ  ضخم بمشاركة إخوته، وتمكّنه من احتلال مملكتين (ايست انجليكا و نورثامبريا) من أصل أربعة في إنجلترا بتلك الفترة. توجّه ايفار بعد ذلك صوب مملكة “ميرسيا”، لكن ملكها طلب المساعدة من جارهم الرابع وأقوى مملكة في إنجلترا “ويسيكس”، بقيادة الملك “ايثيرالد” وشقيقه “الفريد العظيم” أشهر مَن تصدّى للفايكينج بعد ذلك، وتمكّنوا معًا من صد غزو الفايكينج، وإجبارهم على التراجع للشمال.

لكن ايفار عاد مجددًا في عام 869م، وتمكَّن الفايكينج من احتلال ميرسيا، وسيطروا على ثلاث أرباع إنجلترا، وغادر ايفار قبل الهجوم على الفريد العظيم في 870م.

اختفى بعدها من التاريخ والوثائق، ويُعتقد بأنه توجّه صَوب أيرلندا واسكتلندا، وأغار على البلدين قبل الاستقرار في مدينة دبلن الأيرلندية، وظهر مجددًا باسم آخر “Ímar” ملك أيرلندا وبريطانيا، حتى وفاته في 873م.

عُرف بالوحشية والدموية والقوة في المعارك، واكتسب سمعةً واسعةً واحترامَ الجميع، ارتعد الإنجليز من ذكر اسمه، وخشَوا مواجهته في الحرب، لكن في سنواته الأخيرة كملك أيرلندا، يوصف بالملك المحبوب الذي عشقه شعبه، وأحسن إليهم، بدليل أنهم لم يحاولوا مقاومته أو الانقلاب عليه، وظلّ  هناك حتى وفاته.

 

4- كنت العظيم

يعد “Cnut the Great” كنت العظيم أنجح وأشهر قادة الفايكينج على الإطلاق، وحَكَم إمبراطوريةً هي الوحيدة من نوعها، وقام بإنجاز لم يسبقه أحدٌ إليه من قبل، كما أنّه اختلفَ عن أقرانه في أنّه كان حاكمًا معتدلًا  يرغب في الاستقرار، لا محاربًا دمويًّا يهدف للنهب والإغارة.

كان الابن الأصغر لملك الدنمارك، الذي غزا إنجلترا عام 1013م، لكنه توفّى بعدها على الفور تقريبًا. ورث شقيق كنت المملكة الدنماركية؛ لذلك كان عليه استعادة سلطة والده في إنجلترا كحقه الشرعي وهو بسن المراهقة، والتي عادت إلى الإنجليز بعد وفاة والده.

بحلول عام 1016م، تمكّن كنت من غزو إنجلترا، وأصبح ملكًا عليها، وعزّز موقعه بالزواج من أرملة الملك المهزوم، بينما هرب الأمراء إلى فرنسا، ليصبح أول شخص يحكم إنجلترا بالكامل منذ سقوط الإمبراطورية الرومانية، ولكن نجاحه لم يتوقف عند هذا الحد، وفي غضون عامين أصبح أيضًا ملك الدنمارك، بعد وفاة شقيقه.

ولأول مرة، كانت الدنمارك وإنجلترا بأكملها تحت حكم ملك واحد، وفي عام 1028م غزا كنت النرويج أيضًا، وأسّس أكبر إمبراطورية في بحر الشمال شوهدت من قبل أو منذ ذلك الحين، على الرغم من تفرقها مرة أخرى بعد وفاته في عام 1035م.

أحدث كنت ثورةً اقتصاديةً في إمبراطوريته، وأصبحت المدن أكثر أهمية كمراكز اقتصادية وإدارية، وتم تطوير العملات المعدنية على نطاق واسع، وازداد تأثير الكنيسة الكاثوليكية، حتى أنه ذهب بنفسه في رحلة حج سلمية إلى روما للقاء البابا.

5- ايريك ذو الفأس الدموي

من لقبه “Bloodaxe” يتضح سبب شهرته، فقد كان محاربًا شرسًا عنيفًا، والابن المفضّل وربما الأكبر لـ Harald Finehair، أو أول ملك يوحّد معظم النرويج، وبعد وفاة والده أراد ايريك التخلص من منافسيه على العرش، فقام بقتل إخوته العشرين بالتدريج، وحكم غرب النرويج وحده؛ مما جعله مكروها من الجميع، ولم يساعد كونه حاكمًا عنيفًا دمويًا في تحسين سمعته.

عندما تمرّد عليه آخر أشقّائه الأحياء “هاكون الجيد” بمساعدة من إنجلترا، لم يجد ايريك مَن يقف بجانبه، وفرّ بلا قتال في النهاية إلى مملكة الفايكينج في شمال إنجلترا، وقضى وقته في الإغارة والهجوم على اسكتلندا وايرلندا، قبل أن يصبحَ حاكمًا لمملكة نروثمبريا في شمال إنجلترا، حتى وفاته في 954م، ليكون آخر ملوك الفايكينج المستقلّين في إنجلترا.

بالرغم من سوء سمعته، إلا أنه كان من أشهر محاربي الفايكينج، ويُقال أن زوجته هي السبب في عنفه الزائد، وهي من جعلته يقتل إخوته، حيث تقول الأساطير أنها كانت ساحرة شريرة، فرضت سيطرتها على زوجها وجعلته لعبةً في يدها.

توفى ايريك في أرض المعركة بحلول عام 954م، بعد محاولات عديدة للتخلص منه من حكام اسكتلندا وأيرلندا من الفايكينج،

6- جونار هامندرسون

يوصف جونارGunnar Hámundarson” بأنه قادرٌ على القتال بنفس الكفاءة بكلتا يديه، وأنّه يتحرك بسرعةٍ كبيرة، حيث بدا أنّه كان يستخدم ثلاثة سيوف بدلًا من واحد، وكان خبيرًا باستخدام القوس وإطلاق الأسهم بدقةٍ خيالية، كما بإمكانه القفز في الهواء بارتفاع طوله مرتديًا درعه الحديدي بالكامل، وكان وسيمًا إلى أبعد الحدود.

لكن قصته قد تبدو أنّها خيالية، أو من الأساطير الشعبية المراد بها العبرة والعظة. على أي حال، تزوَّج جونار في سنٍ مبكرة، بالرغم من أن زوجته كانت قد تزوجت مرتين قبله، بل وقتلت زوجيها في المرتين، إلا أنّه تجاهل تحذيرات الآخرين، وهَمَّ بالزواج منها.

دخل جونار في شجارٍ مع رجلين من نفس العائلة، وانتهى به الأمرُ بقتلهما، وتحققت نبوءة قديمة بأنّه إذا قَتَل شخصين من عائلةٍ واحدة، ستكون تلك نهايته. نصحه الأصدقاءُ بمغادرة البلاد، لكنه لسببٍ ما ظلّ في منزله ورفض الهرب، حتى جاء أقارب الرجلين للانتقام.

جونار وزوجته

حاصروا المنزل وحاولوا اقتحامه أكثر من مرة، لكن جونار كان يصد الهجوم وحده بإطلاق الأسهم عليهم، بعدها تعطّل القوس أو انقطع، وحينها طلب من زوجته المستعدّة في إصلاحه، أو أن تعطيه شعرها لاستبدال القوس، لكنها رفضت لأنه كان قد صفعها بسبب سرقتها للطعام من الجيران أثناء مجاعة ما.

بعد أن فشل في استخدام القوس مجددًا، اضطرّ للمواجهة المباشرة بالسيوف، وتمكّنوا من التغلُّبَ عليه، وقُتل في منزله.

إعلان

فريق الإعداد

تدقيق لغوي: سلمى عصام الدين

اترك تعليقا