تأخذك إلى أعماق الفكر

ويليام جيمس: المفكر الذي آمن بالأفعال

ويليم جيمس وفلسفته البراجماتية

 

..لا تخافوا  الحياة، صدوقوا بأن الحياة تستحق العيش، وسيساعدكم إيمانك في صنع تلك الحقيقة..

-ويليام جيمس

دخل ويليام جيمس إلى صفّه في جامعة هارفارد على مضض في صباح يوم من أيّام سبتمبر عام 1891 مرتديًا -بشكل ملفت- قميصًا ملونًا ومعطفًا صوفيًا تزين صدره وردة. لاشك في أن مظهره بدا غريبًا بعض الشيء. أمّا محاضرته فقد كانت عفوية وغير منمّقة، على العكس من محاضرات زملائه والتي عادة ما تكون أكثر تنظيمًا و منطقيةً. كان جيمس يدّعي أنه لا يحب التدريس، وخاصة لطلاب هارفارد الكسالى، و مع ذلك فقد كان بارعًا في التدريس، بل أنّه كان استثنائيًا. يستدعي والتر ليبمان ذاكرته قائلًا: “لقد كانت محادثاتي مع جيمس هي أعظم ما حدث لي خلال حياتي الجامعية”، أما ويليام إدوارد دي بويز فكتب “لقد كان جيمس صديقي ومرشدي إلى التفكير بشكلٍ واضح”، ويقول روبرت ريتشاردسون في سيرته عن جيمس: “لقد كان جيمس واحدًا من أعظم الأساتذة في أميركا“.

..يمكن لنمط الشخصية المقاتل أن يُولد دون خوف..

-ويليم جيمس

تفادى جيمس الجلوس في مكتبه، فقد وقّع في عام 1878 عقدًا لمدة عامين بهدف تأليف كتاب في علم النفس، غير أن العمل على هذا الكتاب قد  تطلّبَ منه إثنى عشر عامًا. نظرًا لمشقة الكتابة وثقلها على نفس جيمس من التحدث في المؤتمرات أو حتى تسلق الجبال. فبأسلوب نثريّ مفعم بالحيوية، وزاخر بالأمثلة والنوادر من حياته الشخصية، لقي كتابه “مبادئ علم النفس The Principles of Psychology” المنشور في 1890 الكثير من المديح من قِبَل الأكاديميين والقراء العاديين على حد سواء. ووصف المؤرخ جاك بارزون الكتاب بالعمل الكلاسيكي و شبهه بـ”موبي ديك Moby-Dick“.

ولم يكن كتابه هذا  سوى البداية، فعلى مدار حياته كتب جيمس الكثير من المقالات والكتب التي غيرت وجه علم النفس و الفلسفة. روّج جيمس تحديدًا لـ”البراجماتية” وهي أسلوب تفكير أميركيّ بامتياز، يدّعي أنه يجب أن نختبر معتقداتنا وقراراتنا “فقط” بواسطة نتائجها.

في كتابه “خطابات إلى المعلمين في علم النفس Talks to Teachers on Psychology” أخذ جيمس علم النفس إلى الفصول الدراسية، و في مقالاته واسعة الانتشار مثل “ما الذي يجعل الحياة ذات أهمية What Makes A Life Significant” مدح بشدة قيم التفاؤل والتعاطف، وفي نهاية حياته كتَبَ “تنويعات التجربة الدينية The Varieties of Religious Experience” مثمنًا دور الدين في عصر تسيّد فيه العلم والمنطق المحض. كان ألفريد نورث وايتهيد يعتقد أن جيمس مفكر استثنائي تمامًا كأرسطو وأفلاطون وليبينيز.

فمن هو ويليم جيمس؟ وما الذي يربطه بوقتنا الحاضر؟

إعلان

لوحة رسمها جيمس لنفسه، 1866

ينحدر ويليام جيمس من عائلة مرموقة، فقد كان والده الثري هينري صديقًا لكلًا من إيمرسون وثورو، وقد كتب لمجلة أتلانتك الشهرية. تنقّل بعائلته من لندن إلى باريس إلى نيوبورت، عرفهم على ألفريد لورد تينيسون وجون ستيوارت ميل؛ باحثًا عن التنوير الفكري، وساعيًا لتقديم أفضل تعليم لأبنائه الخمسة الذين أحبَّهم كثيرًا. كان هينري شقيق ويليام واحدًا من أشهر الروائيين في أميركا خلال العصر المذهب*، أما أليس جيمس شقيقتهم فقد أصبحت مشهورة مؤخرًا بخطاباتها ويومياتها التي تبرز معاناة المرأة في مجتمع أبوي فيكتوري.

أما ويليام الشقيق الأكبر فقد علم نفسه بنفسه،  ولكنه لم يستطع إيجاد هدف محدد أو أن يبدأ مسارًا مهنيًا واضحًا. في 1860 درس ويليام الفنون في نيوبورت برفقة ويليام مورس هانت، وسافر إلى الأمازون برفقة العالم المشهور لويس اجاسيز؛ لجمع ودراسة الأسماك، ودرس التشريح في كلية الطب في هارفارد، وقرأ بنهم لكل من تشارليز داروين وجورج إليوت وتوماس هيكسلي وفيودور دويستوفسكي.

 

صاحبت الاضطرابات النفسية موهبته وثروته، فخلف مظهره النشيط والمتحمس أخفى جيمس الكثير من الشك والأمراض المزمنة (آلام الظهر، وضعف النظر، واضطرابات الهضم، والأرق، والاكتئاب). تجنب جيمس الحرب الأهلية وارتحل إلى أوروبا جيئةً وذهابًا. أغرقته الأفكار الانتحارية، فبحث عن الشفاء في العلاج بالماء والصدمات الكهربائية وحتى التنويم المغناطيسي واستنشاق أكسيد النيتروجين. وبحث عن إجابات في كتابات كثير من المفكرين أمثال توماس كارليل ويوهان فولفجانج فون جوته.والجدير بالذّكر أيضًا أن جيمس لم يجد بعضًا من الاستقرار سوى في منتصف الثلاثينات من عمره، حيث وجد غايةً لحياته وشَعَرَ بطاقة وقليل من الارتياح من توعكاته المتكررة.

كان إيجاد وظيفةً والعثور على الحب بمثابة نقطة تحول في حياة جيمس، فقد عرض تشارليز والبرت رئيس جامعة هارفارد النامية على جيمس وظيفة تدريس التشريح في 1837، كما وقّعت معه دار هينري هولتز للنشر عقدًا من أجل كتابه عن علم النفس، وفي عامه السادس والثلاثين  تزوج من آليس جيبينز “المرأة المثقفة القوية، التي كرّست نفسها لأجل زوجها المصاب بالوهن العصبي وأطفالها الخمسة”. كتب جيمس لها بعد شجار وقع بينهما: “عزيزتي، لقد وجدت فيك جنتي بعدما انتشلتيني تمامًا من جحيم الوحدة.. ووجدت الخلاص فيكِ بعدما أنقذتِ حياتي من دمار ِمحتم“.

لم يكن جيمس ليستقر كثيرًا بالرغم من امتنانه لزواجه؛ فقد كان يهرب إلى الجبال في نهاية الفصل الدراسي، حتّى أنّه سافر إلى أوروبا بينما كانت زوجته تضع مولودها. انتكس جيمس مجددًا بالاكتئاب، واستشار عددًا من الأخصائيين النفسيين. وكتعويض لقلة فاعليته واعتلاله، و كترياق لأمراضه المتكررة، آمن جيمس بالتفاؤل والحركة المستمرة. فكتب ثيودور روزفيلت -تلميذه في هارفارد- يقول: “من النادر أن يلحق الأسى بقائد يقود بسرعة كافية للهروب منه” كان جيمس ليوافق تمامًا على هذه المقولة.

 

عند تسليم مسودة كتاب “مبادئ علم النفس” ذات الجزئين إلى الناشر المتحرق شوقًا لذلك، أرفق جيمس ملحوظة تقول: “لا يمكن لأحد أن يكون أكثر اشمئزازًا مني عند رؤية هذا الكتاب”، ولكنّ زملاؤه من الأكاديميين أدركوا لاحقًا أنهم أمام عمل استثنائي، يجمع بين البحث الأكاديمي والبصيرة العميقة. أعاد جيمس لاحقًا كتابة بعض فصول الكتاب من أجل نسخةٍ مختصرة، تلقَّوها طلاب هارفارد بشغف كبير، وأطلقوا عليها “جيمي”، لتصبح فيما بعد “علم النفس: مَسَاق مختصر” أهم مراجع علم النفس للطلاب في أنحاء البلاد.

يقول جيمس في إحدى فصول الكتاب والمعنونة بـ”العادة”: لايوجد إنسان أكثر بؤسًا من شخص ليس لديه عادة سوى التردُّد. حيث يصف جيمس العادة بأنها “العجلة المحركة للمجتمع“، ويقدم اقتراحات محدّدة حول كيفية تحويل الأفعال المفيدة إلى عادات، مثل: حدد أهدافك، أعلنها، ابدأ بالعمل عليها، تحَلّ بالمثابرة. إن العادات الجيدة إذا ما عملنا عليها بجدية تصبح راسخة في عقولنا، فالتلقائية تمحو التعب، وتحرر أقصى الطاقات العقلية لدينا، كما أنّها تجعل حياتنا اليومية أكثر احتمالًا، وهذا ما يسمح للحضارة بالازدهار.

 

ابتكر جيمس عبارة “تيار الوعي” ليصف طريقة عمل عقولنا؛ فتفكيرنا ليس منظمًا ومنطقيًا، وإنما عشوائيًا، وأمزجتنا تتأرجح باستمرار وبدون تفسير. “ما كان مثيرًا ولامعًا يومًا يصبح باهتًا ومرهقًا و بلا قيمة”. كان الهدف من الكتاب أن يقدم رؤىً تجريبية لعقولنا التائهة وعواطفنا المتذبذبة، حيث يحاول جيمس في الكتاب أن يشرح كيف نتذكر، وكيف نترابط ونتخيل ونفكر، وكيف نشعر ونتصرف.

وفي فصل “عن الذات” يستشهد جيمس بسير السابقين، فيستدعي النبي أيوب وماركوس أوريليوس، ويجعل حديثه شخصيًا على غير عادة الكتب الدراسية. أما في فصل “عن الانتباه” فيسخر من أستاذ جامعي (غالبًا هو نفسه) كثير التلكؤ والتسويف، والذي سيفعل أي شيء ليتجنب تدريس مساق عن المنطق الذي يكرهه، ويقدم نصائحًا حول تحسين الذاكرة ومقاومة الكآبة، والتغلب على الخمول، والنهوض من الفراش في الصباح.

أصبحت أجزاء من الكتاب قديمة الآن بالطبع، فجيمس لم يكن يعلم شيئًا عن المليارات من الخلايا العصبية في الدماغ والروابط العصبية بينها، وكذلك النواقل العصبية الكيميائية مثل الدوبامين والأوكسيتوسين. ولم يمكن بإمكانه النظر داخل الدماغ أثناء الاستثارة الجنسية أو الاكتئاب كما هو متاح للنفسانيين في العصر الحالي. قد يتذمر النفسانيون المعاصرون من كثرة المواعظ والخروج عن صلب الموضوع في الكتاب، لكن يبقى التواضع أحد سماته الجذابة. فقد توقَّعَ ورحَّبَ  بأن يزيحه نفسانيٌّ آخر عن مكانته مستقبلًا، و شبَّه ذلك بظهور “جاليليو علم النفس“.

في منتصف الثمانينات من القرن التاسع عشر، يتنقل جيمس بين بوسطن وشيكاغو وكلورادو سبرينج، ملقيًا محاضراته أمام آلاف المعلمين، في محاولة لكسب المال، وكذلك لتقوية الصلة بين بحثه في علم النفس ولا المناهج الدراسية. لاحقًا يقوم بتلخيص محاضراته في كتاب صغير بعنوان “خطابات إلى المعلمين في علم النفس“.

أشار جيمس في إحدى فصول كتابه، والتي تحمل عنوان “عن الترابط” إلى أن المعلم الماهر هو من يستطيع ربط الموضوع بالخبرات والمعارف السابقة لطلابه. وأشاد بالمعلم القادر على الربط ببراعة وبخيال واسع. ذلك المعلم الذي ينتهز اللحظة المناسبة، فيضرب المثال الصحيح.

كان جيمس متفائلًا حيال قدرات الإنسان الكامنة، ولكنه كان واقعيًا إزاء طبيعته البشرية. ففي فصلي “الإرادة” و”الغريزة”، قدم تمهيدًا لعلم النفس التطوري يُذكّر فيه المعلمين بأن البشر بطبيعتهم عدوانيون وتنافسيون وجشعون، ولكنه أضاف أن غريزة الصراع لدينا يمكنها أن تصبح حليفة للمعلم؛ حيث أنها تدفعنا نحو محاولة إتقان المواضيع الصعبة وغير المستساغة لنا. فمثلًا يمكن للمعلم تحفيز الطالب عن طريق إشعاره بالخجل لكونه يشعر بالرهبة أمام مسألةِ قسمة مطولة، أو لكونه يشعر بالضآلة أمام فهم قانون الجاذبية.

سبق جيمس “إي.دي.هيرتش” في الدعوة إلى محو الأمية الثقافية حين أكّد على أن أفضل العقول المتعلمة هي تلك التي تمتلك أكبر مخزون من المفاهيم والأفكار لمجابهة أكبر قدر ممكن من الطوارئ والمتغيرات في الحياة. وسبق كذلك “هاورد جاردن” إلى اكتشاف تعدد أنواع الذكاء،  فأكد على أن الطلاب يتباينون من حيث الأمزجة، وأن المعلم الماهر هو من يستخدم تقنيات مختلفة مع أساليب التعلم المختلفة. وعلى عكس غالبية الأساتذة في هارفارد -في ذلك الوقت- شجّع جيمس طلابه على التساؤل، ومدحهم بدون تحفظ، ودعاهم إلى منزله. حتّى أنّه كان صبورًا أمام عجرفة تلميذه “ثيودور روزفلت”.

بدأت كلمتي في حفل تأبين والدي باقتباس من ويليام جيمس: “لا تخف من الحياة، آمن بأن الحياة تستحق أن تُعاش، وسيساعدك إيمانك في جعل ذلك حقيقة“. لقد أحب والدي جيمس الذي شدد على أهمية التجريب والتحقق والحركة. فالأمريكيون يتّصفون بأنهم عمليون ومبدعون، يتعطشون للحقائق ويوازنون التكاليف والفوائد.  ومن أجل الخروج بأمةٍ ذات نظرة مثالية تفاؤلية ونفعية؛ قدّم جيمس فلسفة البراغماتية.

كانت البراغماتية طريقة لحل المشكلات واختبار المعتقدات وتسوية النزاعات، في عالم مليء بالصدف والمعلومات غير المكتملة. ولقد شدد جيمس على أن الحقيقة صعبة المنال، ولكن الأفعال ضرورية. لذلك كان الحل هو أن تتخذ قرارًا ثم ترى إن كان سيجدي نفعًا أم لا، وأن تجرب معتقدًا ثم ترى إن كانت حياتك ستتحسن على إثره أم لا، وألّا تعتمد على المنطق وحده، بل تضيف إليه الخبرات والنتائج، وأن تتجنب المذاهب والتجريد، وأن تخاطر.

الحقيقة تحدث للفكرة، وأنّها تتحول إلى واقع بواسطة الأحداث.

أصرَّ جيمس على وصف نفسه كمن نشر وجمع البرجماتية، وليس بصفته منشئها. فقد كان أرسطو وجون ستيوارت ميل براغماتيين ومفسرين للتجريبية. بالطبع كان بعض الفلاسفة متشككين حيال البراغماتيّة، فالحقيقة تصبح كل ما هو نافع وذو قيمة. فقد كان بيرتراند راسل متخوفًا من أن تحل البراغماتية محل الموضوعية المثالية للحقيقة، مطلقًا عليها “نوع من الجنون غير الموضوعي المميّز لأغلب الفلسفات الحديثة”. فمن وجهة نظر هؤلاء المشككين، تشجع البراغماتية على النسبية واللاموضوعية، وتقود إلى اللاعقلانية”.

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.