تأخذك إلى أعماق الفكر

هل يوجد إعجاز علمي في القرآن؟

مداخل خاطئة

  • البعض يجمع أدلة كثيرة لصالح إثبات إعجاز القرآن، ولا يهتم بصحة كل دليل، وإن ثبت خطأ دليل، فلا يهم، المهم هو (كثرة) الأدلة، وطالما الغاية: إثبات صحة القرآن، فهو خير!
  • “هذا العصر هو عصر العلم، لذلك يجب أن نتخذ الإعجاز العلمي دليلًا معاصرًا لإثبات صحة القرآن”!
    نحن لا نتخذ وجه إعجاز القرآن طبقًا للرائج والمؤثر، بل طبقًا لما اعتبره القرآن نفسه معجزًا.
  • “القرآن لا يحتاج إعجازًا لنؤمن به”!
    محمد يحتاج إلى معجزة لنصدِّق أنه رسول الله، ولنؤمن أن القرآن من عند الله. وبدون المعجزة ما ميَّزنا النبي عن مدَّعي النبوة الكذاب.
  • البعض يكتفي بذكر أمثلة خاطئة على الإعجاز العلمي، فيستدل بذلك على خطأ الإعجاز العلمي كفكرة. هذا خطأ منهجي؛ فربما أخطأ مثال وصحَّت أمثلة أخرى!
  • نظرًا لتغير العلم عبر العصور، فالبعض يسهل عليه عرض تفسيرات خاطئة لمفسرين قدامى، ثم يهينهم ويرميهم بالجهل! وهو تصرف غير علمي وغير أخلاقي.
  • “العلم متغير والدين ثابت”! .. ليس كل العلم متغير، ففي العلم حقائق علمية ثابتة يقينية.

لذا ننتقد هنا الإعجاز العلمي من حيث المفهوم والمبادىء الأساسية التي يستند عليها.

ما الإعجاز العلمي ؟

المقصود بالإعجاز العلميّ في القرآن: إخبار القرآن بحقيقةٍ علميّة أثبتها العلم الطّبيعيّ فيما بعد، وثبت عدم إمكانيّة إدراكها بالوسائل البشريّة في زمن النّبي، ما يُثبت أنّ القرآن وحي من عند الله.

ومن أمثلتهِ:

  • ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ سورة الأنعام (الآية: 125)، فبعد تمكّن الإنسان من بلوغ السّماء بالطّيران عرف أنّه كلّما ارتفع إلى أعلى قلَّ الأوكسجين والضّغط الجويّ، ما يسبّب ضيقًا في الصّدر وعمليّة التّنفس مثلما ذكر القرآن.
  • ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ سورة النحل (الآية: 15)، الوتد يُغرَس في الرّمال لتثبيت الخيمة وهكذا الجبال تقوم بدور الوتد؛ فقد اخترقت بامتداداتها الطّبقة اللّزجة التّي تقعُ أسفل الطّبقة الصّخريّة التّي تكّون القارات، فأصبحت بالنسبة للقارّات كالوتد للخيمة من حيث التّثبيت.
  • ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ سورة المؤمنون (الآيات: 12-14)، وقد أثبت العلم الحديث مراحل تكوّن الجنين وتبيّن أنّها مطابقة للآيات.

النّقد

إنّ عنوان (الإعجاز العلمي في القرآن) يستوجب تحليل طبيعة المعجزة وطبيعة العلم الطبيعي وطبيعة النّص القرآنيّ لنعرف في النّهاية هل يمكن الجمع بين هذه الأطراف الثلاثة أم لا؟

أولًا: طبيعة المعجزة:

يُعرِّف علماء الكلام المعجزة على أنّها أمرٌ خارقٌ للعادة، مقرونٌ بالتحديّ، سالمٌ عن المعارضة.

إعلان

الشرط الأوّل: هل الإعجاز العلميّ خارقٌ للعادة؟

إن قال محمد -صلى الله عليه وسلم- حقيقة علمية، دون توفّر الأدوات اللّازمة لرصدها في عصره، ثم تبيّن صحّتها بعد توفر أدوات البحث، فهو أمرٌ خارقٌ للعادة، وكافٍ لإثبات نبوته.

الشرط الثّاني: هل اقترن الإعجاز العلميّ بالتحديّ؟

تحدّى القرآن العرب أن يأتوا بمثله، ونتوقف عند (ما المقصود بمثله؟) هل محل التّحدي أن يأتوا بمعانٍ عظيمة مثله؟ بلاغة مثله؟ حقائق علميّة مثله؟
لم ينصْ القرآن الكريم على وجه التّحدي، لكن معلوم من حال العرب أنهم كانوا أهل بلاغة وفصاحة وبيان، ومعلوم أن القرآن كتاب عربي مبين، ومن هنا علمنا بالضرورة أن وجه التحدي هو البلاغة والبيان.
المسألة أشبه بـمهندس دخل كلية هندسية، ومعه جهاز هندسي، وتحدى المهندسين أن يأتوا بجهاز مثله، فالكل يعلم بالضرورة أن وجه التحدي هنا هو التفوق الهندسي.
إذًا فوجه التحدي في القرآن هو التفوق البياني، والعرب تعرف جيدًا معايير التفوق البياني للنصوص.
كما تنبأ القرآن بأحداث مستقبلية، مثل: ﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ﴾، وجه التحدي هنا: إن انتصرت الروم بعد هزيمتهم في بضع سنين، يثبت صدق القرآن، وإن لم يحدث، ثبت كذب القرآن.

أما عن الإعجاز العلمي، فلم يقل القرآن لا تصريحًا ولا تلميحًا أنه تحدى البشر في ذكر حقائق علمية.
ولم يكن العرب أهل علم طبيعي، وتحدِّي غير النابغ لا يثبت تفوقًا ولا إعجازًا. فلك أن تتخيل عالم فيزياء يتحدى شاعرًا في الفيزياء، فالتحدي هنا لا يثبت تفوق العالم!

وحتى لو قلنا: تحدى القرآن الأجيال اللاحقة، فكي نقول ذلك، يجب أن ينص القرآن على حقائق علمية بشكل صريح وواضح ودقيق، ويتحدى البشر أن يقيسوا هذه الظاهرة متى تمكنوا ليجدوها بالضبط كما رصدها القرآن.
ولو توفر هذا الشرط لاستطاع المسلمون استخراج حقيقة علمية صريحة وواضحة ودقيقة من القرآن، وتبنوها دون قياسات أو تجارب، مستندين ومراهنين ومتحدين فقط بنص القرآن، ثم تأتي القياسات العلمية لتكون مطابقة لهذه الحقيقة. وهو ما لم يحدث قط؛ لأن (كل) أمثلة الإعجاز العلمي تظهر بعد الاكتشافات العلمية، لا قبلها، إذن أين التحدي؟!

يقول القرضاوي: “لا بد أن يسبق الإعجاز تحدٍّ واضح، ودعوة إلى المعارضة بمثل ما يُتحدى به، وأن تتوفر الدواعي إلى قبول التحدي، وتنتفي الموانع عن المعارضة، ثم يعجز المعارضون جميعًا. وفي الإعجاز العلمي لم يحدث هذا التحدي”(1).
ويقول طه العلواني:”لو أن أحدكم قال: يا علماء، هذه النظرية استنبطتها من القرآن، وأتيت بها منه، ودخلت المختبر وتأكدت من صحتها، وأتحداكم أن تقدموا لي ما هو خير منها، فهذا تحدٍّ وإعجاز”(2).

الشرط الثالث: هل سَلِمَ الإعجاز العلمي عن المعارضة؟

هذا الشرط يعني عجز البشر عن معارضة المعجزة، وكي نثبت ذلك أو ننفيه يجب أن تكون المعجزة حاسمة وقاطعة بحيث تكون قابلة أصلًا للاختبار.

وهنا يظهر فرق جوهري بين نبوءة الدجال الوهمية، ونبوءة النبي الصادقة؛ فالدجال يتنبأ بحدث فضفاض، وحمَّال معانٍ متعددة، مثل:”سيحدث لك شيء سعيد”، “سينتصر صاحب الحق”، فهذه نبوءات غير دقيقة، وغير محسومة، لن تستطيع اختبارها، وبالتالي لن تستطيع تكذيبها ولا تصديقها.

أما نبوءات الأنبياء فيجب أن تكون دقيقة وحاسمة، مثل نبوءة القرآن بانتصار الروم في بضع سنين، فإن مر أكثر من عشر سنوات دون انتصار الروم لثبت كذب القرآن.

أما عن الإعجاز العلمي فكل أمثلته هي آيات لها معنى استقر عند جيل الصحابة والتابعين وتابعي التابعين وقرون بعدهم، ثم أُضيف إليه معنى جديد بعد الاكتشاف العلمي المربوط به، لذا فـ(كل) أمثلة الإعجاز العلمي تحتمل أكثر من معنى، فإن ثبت البحث العلمي، أوَّلوا النص ليوافقه، وإن لم يثبت، أرجعوا النص للمعنى القديم الذي فهمه العرب الأوائل!

مثال ذلك: قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ ﴾، إن ثبت أن الأكسجين يقل كلما ارتفعنا عن سطح الأرض، اعتبرنا التشبيه في الآية بمن يرتفع عن سطح الأرض. وإن ثبت خلاف ذلك رجعنا لتفسير كل المفسرين القدامى بأن التشبيه بمن يحاول الصعود إلى السماء بلا وسيلة، وهو تشبيه بأمر مستحيل للدلالة على التكلُّف والضيق النفسي، لذلك استخدم لفظ (يصعَّد) وليس (يصعد).

وقوله تعالى: ﴿ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ﴾، فإن ثبت أن الحديد لا ينتمي لمكونات الأرض ويجب نزوله من السماء، اعتبرنا قوله (أنزلنا) على الحقيقة؛ أي أن الحديد نزل من السماء. وإن لم يثبت ذلك، رجعنا لتفسير كل المفسرين القدامى بأن (أنزلنا) لا تفيد النزول الحقيقي، بل هو تعبير عن العطاء الإلهي، وقد كرره القرآن مع أغلب النعم الإلهية، ﴿ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ ﴾، ﴿ يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ ﴾.

وبالتالي فالإعجاز العلمي في القرآن غير قابل للاختبار.

ثانيًا: طبيعة العلم الطبيعي

1. منظور العلم

يمكن تعريف الشيء بطريقتين مختلفتين:
– التعريف بالماهية: وهو تعريف يقتضي معرفة ماهية الشيء وتركيبه ومواده.
– التعريف بالصفات: وهو تعريف يكتفي بالوصف الظاهري المشاهَد.

مثلًا: ما المياه؟
التعريف بالماهية: هي مادة كيميائية تتكون من ذرتي هيدروجين وذرة أكسجين.
التعريف بالصفات: هي سائل شفاف، عديم اللون والطعم والرائحة، يروي الظمأ.
العلم الطبيعي يتخصص في التعريف بالماهية؛ أي يدرس ماهية الأشياء وتركيبها وموادها، لذلك ينظر للماء باعتبارها H2O، وينظر للسماء باعتبارها طبقات الغلاف الجوي التي تحيط بالأرض.

2. سؤال العلم

يستخدم العلم التعمق في ماهية الأشياء ليجيب عن سؤال: كيف؟ وهو السؤال الذي يدور حوله العلم الطبيعي كله. كيف يدور القمر؟ كيف ينشأ الجنين؟ كيف ينمو النبات؟

3. منهج العلم

منهجية العلم الطبيعي قائمة على الملاحظة، ثم وضع فرضيات قادرة على تفسير هذه الملاحظات، ثم اختبار هذه الفرضيات للتحقق من الفرضية الصحيحة، ثم اختبار الفرضية الصحيحة باختبار قدرتها على التنبؤ بالأحداث، وإن استطاعت الفرضية تفسير الظواهر الملاحَظة، وتنبأت بأحداث تم رصدها، أصبحت نظرية علمية موثوق بها.

لا نقول: لا نستطيع نحن البشر استكشاف حقيقة علمية جديدة إلا بهذه الطريقة، بل لا نستطيع حتى فهم نظرية علمية إلا بهذه الطريقة، فحتى لو أخبرنا الله، أو نبي، أو كائنات أخرى بالنتيجة النهائية، لما فهمناها!
مثلًا إن سألنا نبيًا عن الهلال كيف ينشأ؟ فلن نفهم السبب النهائي إلا بعد أن يشرح لنا شكل الأرض، وشكل الشمس، وشكل القمر، وطريقة دوران القمر حول الأرض، ودوران الأرض حول نفسها، ودوران الأرض والقمر حول الشمس. وكل إجابة نهائية دون هذا التسلسل العلمي، فهي غير مفهومة، وبلا معنى بالنسبة لنا.

وبالتالي فالعلم لا يمكن أن يقوم على الإخبار، بل يقوم على الملاحظة والتجربة والاختبار.

4. النص العلمي

لأن العلم الطبيعي قوامه وأساسه الدقة، لذا فهو يستخدم لغة واصطلاحات دقيقة ومحددة وحاسمة، وكثيرًا ما يعبِّر عن نظرياته في صورة معادلات رياضية دقيقة وحاسمة.

ثالثًا: طبيعة النص القرآني

1. منظور القرآن

القرآن هو النص المؤسِّس للدين، لذا فأول اهتماماته هو الإشارة إلى الغيب والقيم الأخلاقية (الله – الحساب – الأخلاق – الجنة – النار)، وكي يحقق القرآن مقاصده الأخلاقية والدينية استخدم الكون المنظور ليرصد ظواهر واقعية وعوالم حسية ليستشهد بها على وجود الخالق، وعظمة قدرته، ودقة تقديره، لذلك أشار إلى الشمس، والنجوم، والقمر، والجبال، والبحار، والنبات، والحيوان، والجنين، والرياح، والمطر.

وكي يحقق القرآن هذا المقصد فهو لم يلتفت إطلاقًا إلى تعريف الأشياء بالماهية، فلا يعنيه المواد التي يتركب منها الشيء، ولا كيف تعمل الأشياء، بل اعتنى برصد الصفات الظاهرية للأشياء.

مثلًا ذكر القرآن النجوم في أكثر من موضع، لكنه لم يشر إطلاقًا إلى ماهيتها، ولا تكوينها، ولا نشأتها، بل أشار إلى صفاتها الظاهرة للعيان: إضاءة النجوم، مواقعها المتميزة، الاهتداء بالنجوم، فقال تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾، ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ﴾، ليستدل بذلك على أن وراء هذه الخِلقة خالق حكيم وقادر.
﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ﴾، هذا النص يشرح بوضوح تام ما نقصده؛ فالسؤال عن الأهلة يحتمل السؤال عن ماهيتها وكيفية تكوينها، لكن القرآن لم يتطرق لهذا الجانب إطلاقًا. وكما قلنا لا يمكن للقرآن أن يجيب عن الأسباب العلمية لتكوين الأهلة بالأسلوب الخبري النهائي؛ لأن البشر لن تفهمه إلا بعد أن تعرف دوران الأرض والقمر والشمس أولًا. لذلك اكتفى القرآن بالحديث عن أهمية الأهلة في حياتنا، وتوظيفها للتوقيت، وتحديد العبادات.

﴿ حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ﴾، يعتقد البعض أن في الآية خطأ علميًا؛ فكيف يعبِّر عن الشمس بأنها تسقط في المياه، والشمس أكبر حجمًا من الأرض؟!
لكن التعبير عن الشمس هنا لا يعني التعبير عن ماهية الشمس كنجم، بل قصد الشكل الخارجي الظاهري للشمس كقرص دائري منير يظهر للعيان كأنه يسقط في المياه.

﴿ وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ﴾، ثار خلاف حول هذه الآية؛ فاعتبرها البعض دليلًا على خطأ القرآن؛ لأن دحاها: بسطها، وبذلك فالقرآن يقر أن الأرض مسطحة!
وفي المقابل رد آخرون بأن الآية تدل على كروية الأرض؛ لأن دحاها: أي بسطها كبيضة النعامة، أي أن الأرض بيضاوية!
جاء في لسان العرب: “الدحو: البسط. دحا الأرض يدحوها دحوًا: بسطها”(3).
ويقول الزمخشري: “معنى (دحاها): بسطها ومهَّدها للسكنى”(4).
ويقول الطبري: “الدحو إنما هو البسط في كلام العرب”(5).
إذن فمعنى دحاها: أي بسطها. والقرآن يقول صراحة: إن الأرض مسطحة، ومستوية، ومبسوطة. فقال تعالى: ﴿ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ﴾، ﴿ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا ﴾. لكن السؤال الأهم: ما المقصود بالأرض في القرآن؟

كما قلنا: القرآن لا يشير لماهية الأشياء، وإنما يشير للصفات الظاهرة للعيان، وبالتالي لا يشير للأرض باعتبارها كوكبًا كرويًا، يدور حول نفسه، ويدور حول الشمس، ويسبح في مجرة درب التبانة. بل يشير للأرض باعتبارها هذا السطح الذي نقف عليه، ونزرعه، ونبني فوقه، ونسير عليه، وهو بالفعل مسطَّح ومستوٍ ومبسوط أمام أعيننا، وفي هذا البسط مِنَّة من الله مكَّنت البشر من السكن والسفر والزراعة.

﴿ وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا ﴾، هنا النص لا يرصد الجبال من حيث ماهيتها، فلا هو تحدث عن نشأتها، ولا تكوينها، ولا وظيفتها، ولا موادها، ولا عمقها، هو فقط يشير لحقيقة تستحق التأمل: ثبات الجبال كالوتد، ليستدل بها على عظمة قدرة الخالق.

﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ ﴾.
اعتبر البعض أن في الآية إعجازًا علميًا؛ لأنها أشارت لمراحل تكون الجنين تفصيلًا، ثم ثبتت صحته!
واعتبر آخرون أن في الآية خطأ علميًا؛ لأنها اعتبرت تكوين العظام آخر مرحلة، لكن ثبت أن العظام تتكون بالتوازي مع أعضاء الجنين!
لا يشرح النص القرآني هنا خطوات تكوين الجنين العلمية، فلم يحدِّثنا عن كيفية تكوين الحيوانات المنوية، ولا حتى تركيبها، ولا السائل المنوي ومكوناته، ولا البويضة ومنشئها وتركيبها، ولا طريقة اختراق الحيوان المنوي للبويضة، ولا طريقة انقسام البويضة، ولا كيفية اختلاف جنس الجنين، ولا كيفية تغذية الجنين، ولا مدد تكوّن أعضاء الجنين، ولا طريقة تكون الأعضاء، لم يحدِّثنا القرآن عن أيٍ من ذلك، ولم يشر لمعنى جديد غائب حتى نقول إنه سبق العلم.

بل هو يشير إلى مستوى مختلف تمامًا، فيقول: انظر لحال الإنسان كيف بدأ؟ كانت بدايته من الطين الذي يتأفف منه، ثم خرج من الرجل مجرد قطرة (نطفة)، وتحولت إلى قطعة من الدم (علقة)، ثم تحولت إلى قطعة لحمة صغيرة، من صغرها وضعفها كأنها تُمضغ (مضغة)، ثم اكتست هذه القطعة الضعيفة بقشرة من العظام تحفظ لها تماسكها وقوامها، ثم انتقل هذا الكائن الضعيف الهزيل إلى إنسان ذي بنيان متماسك مستغنٍ ومستقوٍ، ثم يأتي يوم ينهار فيه هذا البنيان فيموت ويتحلل، ثم يعيد الله الحياة في هذا الجسم الهامد.

هذا هو أصل الإنسان: طين بسيط، وقطرة تافهة، وقطعة لحم هزيلة، فبأي شيء يغتر؟! وبماذا يستغني؟! وهذا هو مصيره المحتوم: قبر، ثم بعث. هذه هي جنبات الحياة الإنسانية، والله محيط بها وقيوم بكل همساتها ولمساتها، فليعلم الإنسان أن كل ذرة في هذا الجسد وجب عليها الشكر والسجود لخالقها وواهبها الحياة، ولا حول ولا قوة للإنسان إلا بالله.
إذن فلم يشر القرآن إلى حقائق علمية غائبة، بل أشار لأوصاف ظاهرة للعيان لتفيد معنى ديني؛ وهو شكر المولى.

2. سؤال القرآن

القرآن، والدين عمومًا، يجيب عن السؤال الأعم والأكبر: لماذا؟ لماذا خلق الله الإنسان والكون؟ لماذا خلق النجوم والشمس؟ لماذا أنزل المطر؟
والإجابة الأعم: الله يمُنُّ علينا أن وهبنا كل هذه النعم.
﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾.

3. منهجية القرآن في الحديث عن العلم

لم يتخذ القرآن طريقة إملاء النظريات العلمية، بل اتخذ طريقًا آخرًا من أجل الإشارة إلى العلم الطبيعي وهو استفزاز العقل البشري وإشعال فضوله ليبحث هو عن قوانين الطبيعة، ويكشف النقاب عن انتظام الكون، ويفتش في الأرض عن آيات الله في الخلق.
﴿ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ﴾، كيف؟ لماذا الماء؟ ما علاقة الماء بالحياة؟ هذا ما يتشوق العقل ليعرفه، فليبحث العقل إذًا..
﴿ وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾. حقًا، طالما أن الماء واحد والأرض واحدة، لماذا تختلف الفاكهة كل هذه الاختلافات في الطعوم والألوان؟! فليسبح العقل هنا.

وأحيانًا يأمر صراحةً بالبحث العلمي، فيقول: ﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ﴾.
﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾.

يقول البوطي: “القرآن لم يفصِّل القول في القوانين العلمية المتعلقة بالمحسوسات والمشاهدات، إذ إنه لو فعل ذلك لألزم الناس إذن بالإيمان بمقتضاها، فيكون ذلك حملًا للعقول على تبني حقائق علمية دون السلوك إليها في سبيل براهينها المنسجمة معها، وهي التجربة والمشاهدة”(6).

ويقول محمود شلتوت: “ما تضمنه القرآن من الإشارة إلى أسرار الخلق وظواهر الطبيعة إنما هو لقصد الحث على التأمل والبحث والنظر، ليزداد الناس إيمانًا مع إيمانهم”(7).

4. النص القرآني

أسلوب النص القرآني
لأن القرآن نص معجز في بلاغته، ولأن مادة البلاغة وأداتها المجاز والكناية والاستعارة، لذا فهو لا يستهدف الدقة العلمية أو القانونية، بل يستهدف البيان والإمتاع.

كما أن غرض القرآن هو التأثير في النفوس وإيقاظ الضمائر، فالأسلوب الأنسب هو أسلوب المجاز وضرب الأمثال.
وهو كما ترى أسلوب مختلف تمامًا عن أسلوب النصوص العلمية، ما يجعل مقارنة نص قرآني بنص علمي، ومحاولة تطابقهما هو غاية في التكلُّف والصعوبة، ولذلك أغلب أمثلة الإعجاز العلمي هي تأويلات متكلفة ومفتعلة.

هل يمكن أن يقصد النص الواحد أكثر من معنى؟

يقول البعض: القرآن لم يتحدَّ العرب بحقائق علمية، لكنه أشار لمعنيين، معنى فهمه العرب وقت التنزيل، ومعنى آخر يفهمه من يأتي بعدهم، وبذلك فمقاصد النص القرآني متعددة ومتغيرة عبر الزمن، فلكل عصر فهم وتفسير للقرآن!

يمكن للفظ الواحد أن يفيد أكثر من معنى في نفس الوقت، وهو ما يطلق عليه في اللغة: (المشترك)، مثلًا يطلق العرب لفظ (العين) على جارحة العين، والذهب، وأشراف القوم، والبئر. والقاعدة هنا: “المشترك لا يَعُم”؛ أي اللفظ المشترك الذي يشير إلى معانٍ كثيرة، استخدامه في جملة يشير إلى معنى واحد من معانيه، ولا يعمها كلها. مثلًا إن ترك رجل بئرًا وذهبًا، وقال لابنه قبل الوفاة: “العين لك”، فهل يعني ذلك أن يأخذ الابن البئر والذهب معًا؟ لا، بل الأب يقصد إما البئر أو الذهب، ولا يقصدهما معًا.

ويمكن أن يعني اللفظ الواحد أكثر من معنى في عصرين مختلفين؛ مثل لفظ (الذرة)، قديمًا كان يعني أي جرم صغير، أما في عصرنا الحالي فهو يعني Atom؛ الجسم المكون من نواة وإلكترونات. لذا لفهم أي نص يجب الرجوع لمعنى اللفظ في عصره، ولا يمكن أن يشمل كلا المعنيين معًا.

فهم القرآن الحالي هو فقط الصحيح؟!

يقول البعض: النص القرآني له معنى واحد، وهو المعنى الذي نفهمه الآن، أما فهم العرب الأوائل فهو فهم قاصر نتاج قلة علمهم!
من شروط بلاغة النص وبيانه أن يراعي مقتضى حال المخاطَبين، فيستخدم مصطلحاتهم وأمثالهم ومفاهيمهم لإيصال المعنى طبقًا لمستوى معرفتهم.

والقرآن الكريم معجز في بيانه وبلاغته؛ لأنه بيَّن معانيه وأبدع في بلاغته على أكمل وجه. أما ادعاء أن العرب (كلهم) لم يفهموا قصد نص قرآني فهو قدح في بلاغة القرآن! وهو قدح في النبي أيضًا؛ لأنه إما لم يفهم معنى القرآن وبلَّغه دون فهم، أو فهم معناه ولم يبلِّغ الناس، فقصَّر في البلاغ!

يقول الطبري:” تأويل كتاب الله غير جائز صرفه إلا إلى الأغلب من كلام العرب الذين نزل بلسانهم القرآن، المعروف فيهم، دون الأنكر الذي لا تتعارفه، إلا أن يقوم بخلاف ذلك حجة يجب التسليم لها”(8).

ويقول طه حسين:”أؤثر دائمًا أن أقبل النص وأفهمه كما قبله وفهمه المسلمون الأولون حين تلاه عليهم النبي”(9).

ويقول د.مصطفى الحسن:”القرآن استعمل الكلمات التي يستعملها العرب في ذلك الزمن، وهذا يعني أن لكل كلمة (بصمة نفسية)، مثلًا حين يقول الله عن العلاقة به:﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾، فالحب كمفهوم هو في داخل جهازهم المفاهيمي، فجاء القرآن واستعمل اللفظة نفسها، وحتى أعرف معنى هذه الكلمة، لابد أن أكتشف جهازهم المفاهيمي، وهذا ما يجعلني أذهب إلى نصوص العرب وشعرهم وأمثالهم في الجاهلية وخطبهم حتى أفهم مراد القرآن حين قال:﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾، كذلك حين قال:﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ ﴾، ماذا كان يعني العدل بالنسبة إليهم؟”(10).

إذًا فمعنى النص القرآني هو المعنى الذي قصده وقت التنزيل وفهمه العرب وقت التنزيل، وللنص الواحد معنى واحد. قد يتطور الزمان ونستغرق بعمق أكبر في مقصود النص، وإسقاطاته، وفلسفته، وحكمة تشريعاته، وقد تتجدد تطبيقات النص، لكن يظل المعنى ثابتًا؛ لأن هذه هي طبيعة اللغة.

النتائج:

– شرط المعجزة: التحدي، والقرآن لم يتحدَ أحدًا أن يأتي بحقائق علمية مثله.
– شرط المعجزة: السلامة من المعارضة، وأمثلة الإعجاز العلمي غير قابلة للاختبار.
– يختلف منظور القرآن عن منظور العلم الطبيعي؛ فالعلم ينظر إلى ماهية الأشياء، والقرآن ينظر إلى الصفات الظاهرة للأشياء. وبذلك فهما يتحركان في مستويين مختلفين.
– القرآن يجيب عن سؤال: لماذا؟، والعلم يجيب عن سؤال: كيف؟
– منهج العلم في رصد الطبيعة: المشاهدة والتجربة والاختبار. ومنهج القرآن في رصد الطبيعة: التحريض على التأمل والبحث بالمنهجية العلمية.
– النص العلمي يستهدف الدقة، بينما النص القرآني يستهدف التأثير والإمتاع البلاغي. فلا يمكن مقارنتهما فضًلا عن تطابقهما.
وبالتالي لا معنى لقول: القرآن سَبَقَ العلم، أو القرآن خَالَفَ العلم.
وقد أنكر الإعجاز العلمي في القرآن: الشاطبي، وأمين الخولي، ومحمود شلتوت، والمراغي، وعبد الحليم محمود، وسيد قطب، وعائشة عبد الرحمن، ومحمد حسين الذهبي.

المصادر:
1. (كيف نتعامل مع القرآن العظيم؟) ص397
2. (جدالات الإعجاز العلمي) حوار أجراه معتز الخطيب، الملتقى الفكري للإبداع في 25/3/2007، نقله (نقد الإعجاز العلمي) ص17
3. (لسان العرب) ج14 ص251
4. (تفسير الكشاف) ج6 ص309
5. (تفسير الطبري) ج23 ص209
6. (كبرى اليقينيات الكونية) ص38
7. (تفسير القرآن الكريم) ص14
8. (تفسير الطبري) ج8 ص337
9. (مرآة الإسلام) ص21
10. (موجز في طبيعة النص القرآني) ص54

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.