تأخذك إلى أعماق الفكر

هل الوعي نتاج صراع تصوراتنا ومعتقداتنا؟

ما تخبرنا به شبكات توليد الصراع

هل سبق لك أن صدقّت شيئًا عن طريق التجربة الإدراكية حتى وإن كان عكس المنطق؟ وهل سمعت عن شبكات توليد الصراع ؟ تخيّل أنك الآن في السيرك، تتابع مبهورًا فقرة الساحر، الذي قام لتوه بإخفاء شخص ما عن الأنظار.

بطبيعة الحال، أنت على يقين من أن الشخص لم يختفِ فعلًا، إنه فقط يختبئ في مكان ما، ومع ذلك فإن الأمر ما زال يبدو كما لو أن الشخص قد اختفى فعلًا، لا يمكننا التخلّص من هذا الشعور الظاهري بغض النظر عما يمليه علينا المنطق.

لماذا تبدو تجاربنا الواعية عنيدة جدًا؟

نحن أمام حقيقة هامة تقول أنه “مهما فكرنا في العالم من حولنا، تبقى تجاربنا الإدراكية للواقع هي المسيطرة” وهذه الحقيقة ربما تحاول أن تخبرنا بشيء ما مميز حول الكيفية التي جُبلت عليها عقولنا. قارِن سيناريو الساحر بالكيفية التي تتعامل بها أدمغتنا مع المعلومات الواردة إليها، لو أن لديك خمسة من الأصدقاء يقولون لك أنها تمطر في الخارج، بينما أحد مواقع الطقس يشير إلى عكس ذلك من المحتمل أنك ستلقي ما يقوله الموقع خلف ظهرك. ولكن عندما يتعلق الأمر بإدراكنا الواعي، تكون الغلبة دومًا لما نراه ونسمعه ونشعر به، وحتى عندما تكون التجربة الإدراكية “خاطئة” بشكل واضح، لا يمكننا تجاهلها قط.

ما السبب وراء غلبة التجربة الإدراكية على المنطق؟

ربما نجد إجابة لهذا اللغز المحير في ضوء التطورات الأخيرة في مجال الذكاء الصناعي، من المعروف أن الشبكات العصبية للتعرف على الأنماط المتكررة _أو ما يسمى بنماذج التعلم العميق Deep Learning_، يمكن أن تستفيد من آلية تعرف باسم الترميز التنبؤيpredictive coding. فبدلًا من مجرد تلقّي المعلومات بشكل سلبي من أسفل إلى أعلى، يمكن لهذه الشبكات أن تولّد فرضيات من أعلى إلى أسفل حول العالم من حولها، بعدها يتم اختبار تلك الفرضيات في مقابل الملاحظات، وهذه الطريقة تبدو أنها أكثر كفاءة في التعامل مع العالم المحيط. على سبيل المثال عندما تتعرف شبكة عصبية على قطة، فإنها تقوم أولًا بتطوير نموذج يسمح لها بالتنبؤ أو تخيل ما يشبه القط، ويمكن بعد ذلك فحص أي بيانات واردة وتحديد  ما إذا كانت تناسب هذا التوقع أم لا.

إعلان

رغم أن هذه النماذج التوليدية تعمل بكفاءة فائقة حال اكتمالها، إلا أنها عادة ما تتطلب كميات كبيرة من الوقت والمعلومات للتدريب، وربما يكون الحل هو استخدام نظام شبكات توليد الصراع– GANs التي يشير إليها يان لي كون رئيس قسم أبحاث الذكاء الصناعي في فيس بوك بأنها “أروع فكره في التعلم العميق في السنوات العشرين الماضية”.

كيف تعمل شبكات توليد الصراع ؟

في شبكات توليد الصراع generative adversarial networks”  GANs”  يتم تدريب أحد الشبكات (الشبكة المولدة) لإنشاء صور للقطط، ومحاكاة القطط الحقيقية بقدر ما تستطيع. ونقوم بتدريب شبكة أخرى (الشبكة المميزة) بالتفريق بين صور القطط المصنعة وتلك الحقيقية، من ثم يتم تحريض الشبكتين ضد بعضهما البعض، بحيث تكافأ شبكة التمايز عند عثورها على صور مزيفة، في حين تكافأ  الشبكة المولدة عندما تنجح في إنتاج صورًا لا يتم اكتشافها بواسطة شبكة التمييز. حالما يبدأ الصراع، تنمو الشبكتان معًا ويكتسبا المزيد من البراعة، ويبدو الأمر أشبه بذلك الصراع الأبدي بين مقلدي الأعمال الفنية من جانب وخبراء كشف التزييف على الجانب الآخر، هذا الصراع الذي أسفر عن صقل مهارة كلا الطرفين عبر التاريخ.

بالإضافة إلى كونها خدعة هندسية مفيدة، من المحتمل أن تقدم لنا شبكات توليد الصراع نموذجًا مفيدًا لفهم الدماغ البشري. في أدمغة الثدييات، تؤدي الخلايا العصبية المسؤولة عن ترميز المعلومات الإدراكية وظائفًا متعددة. على سبيل المثال، الخلايا العصبية التي تطلق إشاراتها الكهربية عندما ترى قطة، تنشط  أيضا عند تخيل أو تذكر القطة، ومن الممكن أن يحدث هذا النشاط بصورة عشوائية أيضًا، لذلك كلما نشطت الدوائر العصبية لدينا ظهرت على الفور  أهمية قدرة الدماغ  على تمييز مصدر الإشارات _هل أنت فعلًا ترى قطة أم تتخيلها_.

رصد الواقع الحسّي

شهد  القرن السابع عشر ظهور أحد أشهر تفسيرات هذه الممارسة التي نطلق عليها “رصد الواقع الحسي”   على يد الفيلسوف البريطاني جون لوك، اعتقد لوك أن لدينا عضوًا داخليًّا يقوم  بوظيفة “رصد الواقع الحسي” لكن نقّاد لوك تساءلوا دومًا لماذا تتجشم الطبيعة الأم عناء وجود جهاز منفصل ليتحقق من أداء جهاز يقوم بالفعل باكتشاف العالم عن طريق الحواس؟ “فأنت أولا يجب أن تكون قادرًا على شم رائحة الشيء قبل أن تقرّر ما إذا كان تصورك له حقيقيًا أو وهميًا”.  ولكن تظل المعضلة أمام نقاد جون لوك في الكشف عن آلية التحقق المتضمنة في ذلك الجهاز المسؤول عن اكتشاف العالم.

في ضوء ما نعرفه الآن عن شبكات توليد الصراع، تبدو فكرة لوك معقولة نوعا ما. لأن نظامنا الحسي يتعامل مع الموارد العصبية، ويعيد تدوير أجزاء منها ليستخدمها لأغراض مختلفة. سواء تخيلت قطًا أو رأيته عيانًا، هي نفس الأنماط العصبية التي تعمل في كل مرة، ولكن هذا التداخل يزيد الطين بلة فيما يتعلق بمعنى الإشارات. لذا لكي يعمل نظام إعادة التدوير بصورة جيدة ، نحن بحاجة إلى آلية للتمييز لنحدد ما إذا  كنا نرى شيئًا حقيقيًا ،أم أننا فقط نفكر به. وهذا الجهاز الداخلي الذي يشبه شبكات توليد الصراع – التي أشرنا إليها من قبل.

لوكان هذا التفسير صحيحا، فمن الإنصاف أن نقول أن التجربة الواعية ربما أقرب إلى نوع من الاستدلال المنطقي. بعبارة أخرى، إذا كانت الإشارة الحسية من المولد تقول أن هناك قطة، والتمايز يقرر أن هذه الإشارة تعكس بصدق حالة العالم في الوقت الراهن، ونحن نرى بطبيعة الحال قطة؛ فمن المنطقي أن ينطبق الشيء نفسه على المشاعر الخام: مثل شعورنا بالوخز في وضع ما من جسدنا مع أننا على يقين من عدم وجود شيء ينغرس فيه، كذلك عندما يشعر الشخص بألم ما في طرف التي تم بتره بالفعل. ونظرًا لأن آلية التمييز تكون على صواب بالنسبة للأشياء التي نتعامل معها  معظم الوقت ، لذا نحن نميل إلى الثقة بتلك الآلية، ولا عجب أنه عندما يكون هناك تعارض بين الانطباعات الذاتية والمعتقدات العقلانية، يبدو أنه من المنطقي ان نصدق تلك الانطباعات الذاتية.

ماذا عن الحيوانات والروبوتات؟

العناد الإدراكي الذي تحدثنا عنه ليس مجرد سمة من سمات البشر، لكنه لوحظ أيضًا عند بعض الرئيسيات، التي تدهشها الحيل السحرية، ويبدو أنهم يفهمون أن هناك تعارضا بين ما يرونه وبين ما يعتقدون بصحته. وبالنظر إلى فهمه العلماء عن كيفية عمل عقولهم، يبدو ان الخلايا العصبية الحسية في أدمغتهم لديها أيضًا تلك القدرة على “إعادة التدوير” وربما لديها تجارب واعية لا تختلف عن مثيلتها لدى البشر.

يبدو مستقبل الذكاء الاصطناعي أكثر تحديًا إذا ما تم بناء الروبوت بهندسة معمارية على غرار شبكات توليد صراع  generative adversarial networks معقدة للغاية. لكن هل سيكون  ذلك الروبوت واعيًا؟ على أساس نظريتنا، من المحتمل أن يكتسب قدرة الترميز التنبؤي، وحينما يصبح قادرًا على  التنبؤ والتخيل،  مثل بعض الشبكات التوليدية الحالية، ربما يمكنه أن يحلم مثلنا ، لكنه لن يمكنه أبدا استيعاب الخدع السحرية.

من الصعب وضع نظرية للوعي، ونحن لا نعرف حتى الآن ما الذي ينطوي عليه حقًا. لذلك ربما لن نكون يومًا  في وضع يمكننا فيه  تقييم درجة وعي الروبوتات أو حتى الحيوانات. لكن على الأقل نستطيع عن طريق بلورة بعض التخمينات حول آليات الوعي أن نبدأ نختبرها بحدسنا، أن نبني نموذجًا للعقل ينطوي على آلية داخلية للشك يمكّننا باستمرار من الاطلاع على زيف تصوراتنا، هي واحدة من أهم  الأفكار الواعدة التي توصلنا إليها حتى الآن.

المصدر

https://aeon.co/ideas/is-consciousness-a-battle-between-your-beliefs-and-perceptions?fbclid=IwAR1x2RyycsufOFLR9ZH-FCpN_eXhv63IzNVsG2OQDccFqWE4_ZAGZ57X3H4

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: زكريا أحمد عبد المطلب

تدقيق علمي: دعاء أبو عصبة

الصورة: مريم

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.