تأخذك إلى أعماق الفكر

هل تنعزل جميع الحيوانات اجتماعيًا لتجنب المرض؟

يعتمد الأمر على الظروف وتحليل المكسب والخسارة

أظهرت الدراسات التي تستكشف تعامل الحيوانات المختلفة مثل الخفافيش والكركند (جراد البحر) والضفادع والغوريلا والنحل مع مشكلات الكوكب المتنامية (وهي تفشي الأمراض المعدية) -أن بعضها قد أظهرت سلوكًا أقل اجتماعية، ولكن ليس كلها.
فبالنسبة للكائناتِ الاجتماعية -بما في ذلك البشر- قد تساعدها وسائل العزل الصحيّ على منعِ تفشي الأمراض، لكنها قد تسبب مشاكل أخرى لا تقلّ خطورةً عن الإصابة بالعدوى، وفقًا لورقة البحث المنشورة في مجلة Proceedings of the Royal Society

يقول تاونسند وزملاؤه من كلية هاملتون بالولايات المتحدة أنها أحجية، حيث أن التعامل مع الأمراض المعدية قد يعني الفرق بين البقاء أو الانقراض.

لكن العزلة الاجتماعية لها مساوئها وتكلفتها عند البشر

فالوحدة تساهم في تدهور الصحة وارتفاع معدل الوفيات، بل وفي انخفاض مناعة الجسم كذلك، ويمكن أن يؤدي أيضًا الإفراط في اليقظة (وهي حالةٌ تصيب الإنسان وتجعله شديد الحساسية بكلّ ما يحيط به، حتّى أنه يشعر أيضًا وكأنه متيقظٌ لأي مخاطر خفية سواء من الآخرين، أو من البيئة المحيطة، رغم أن هذه المخاطر ليست حقيقية في كثير من الأحيان.) -إلى نبذه للأفراد من خارج محيطه الاجتماعي، وتجنّبه الغرباء، وهو ما أكد عليه تاونسند وزملاؤه المؤلفون. لذلك فقد يفضّل البقاء على نحوٍ أكثر تجنبًا للمخاطر وأكثر كراهية للغرباء وأقل اجتماعية.

ماذا عن باقي الحيوانات الأخرى؟

تُعرف بعض الحيوانات مثل الأسماك والشُرشوريَّات (وهي فصيلة طيور صغيرة الحجم تنتمي إلى رُتبة العصفوريَّات) بالإفراط في اليقظة أيضًا، وتجنُّب الآخرين الذين تظهر عليهم علاماتٌ واضحة دالّة على المرض مثل الخمول أو الحالة غير المعتادة، ومن المعروف أن الشمبانزي Pan troglodytes يتجنب أفراد الجماعة الذين يظهرون تغيراتٍ سلوكية بعد التعافي من مرض شلل الأطفال.

من جهةٍ أخرى يمكن أن يزيد التقارب بين أفراد جماعة قرود الماندريل Mandrillus sphinx  -على سبيل المثال- والتي تُظهر عناية واهتمام بالأفراد المصابين أكثر من تجنبها للعدوى، وقد لوحظ أيضًا أنّ البشر لديهم هذه الصفات السلوكية، حيث يمكن للمرض أن يجمع شمل الناس معًا ويعزّز الترابط الاجتماعي فيما بينهم.

إعلان

تشتمل الأمثلة الأخرى على فكرة الثمن مقابل المكسب، فمثلًا غوريلا السهول الغربية التي تعيش في بلدان وسط أفريقيا، وُجد أن تلك التي عاشت حياةً أكثر انعزالية وانفرادية كانت أقل عرضة لخطر العدوى والموت بفيروس الإيبولا، لكن العزلة والعيش وحيدًا تزيد أيضًا من فرصة تعرضهم للحيوانات المفترسة.

يتجنب جراد البحر الشوكي الكاريبي الآخرين المصابين بفيروس P. argus  المميت، حيث يظهر أن هذا يجعلهم أقل اجتماعية ومع تأثيرات محتملة على تكاثرهم ونموهم وحتى بقائهم!

وهناك بعض خفافيش إنديانا Myotis sodalist التي تواجه خطر الانقراض بسبب متلازمة الأنف الأبيض، فقد انخفض حجم مجموعاتها بشكلٍ خطير، ولكن في حالة السبات الشتوي للأفراد، سيحتاجون إلى توفير المزيد من الغذاء والطاقة للحفاظ على درجة حرارة أجسامهم في الفصول الشتويّة الباردة.

ويبدو أيضًا أن هناك بعض أنواع الحشرات التي تعيش في مجموعات تعاونية، ولديها نهج واستراتيجية منظمة وغير أنانية (مثل نحل العسل الغربي المصاب بمتسببات الأمراض المستجدّة مثل Varroa destructor or Nosema sp)، فقد لوحظ أن النحل المصاب من غير المرجح أن يعود إلى الخلية وينقل العدوى، ليموت وحده بالخارج وهو بذلك يضحي بنفسه لتجنب إصابة المستعمرة ونشر العدوى فيها.

العزلة الإجتماعية

وهذا يذكرنا “بالفقاعات الاجتماعية” التي ساعدت البشر على التخفيف من حدّة انتشار covid-19 المستجد وهي استراتيجية طرحتها الحكومة البريطانية للاندماج الاجتماعي تسمح بتجمُّع 10 أشخاص كحد أقصى، مع إرشاد ونصح كبار السن أو من لديهم مناعة ضعيفة بعدم الانضمام والاستمرار في عزلتهم، وهناك بعض الأنواع التي تحد من حركتها بين التجمعات مثل نمل الحدائق الأسود.

من ناحية أخرى لا يبدو أن العزلة الاجتماعية مناسبة للأمراض المعدية التي يمكن تخفيف حدتها بشكل أفضل من خلال التجمعات أو الفقاعات الاجتماعية الصغيرة، فهناك طائر أبو الحناء الأمريكي وعصافير المنزل على سبيل المثال والذين يعيشون معًا في تجمّعات صغيرة عندما ينتشر فيروس غرب النيل والذي بدوره يقلل من فرص تعرضهم للّدغِ من قبل البعوض الحامل للفيروسات.

  • الذئاب الرمادية المصابة بمرض جرب القارمي تحقق أيضًا نتائج مشابة وبشكل أفضل في التجمعات الصغيرة.

ماذا يعني كل هذا بالنسبة لنا؟

يشير تاونسند وآخرون إلى أن الضغوط الاجتماعية التي تسبّبها الأمراض المعدية من المحتمل أن تتتفاقم مع زيادة مخاطرها، بازدياد الكثافة السكانية، والفقر، والزراعة المكثفة، والتجارة العالمية، ولربما لدينا أفضلية نوعًا ما في الوقت الحالي من خلال الاختبارات التشخيصية وتعقب المخالطين ووسائل التواصل والاتصال الافتراضي والاجتماعي، مما يمثل تحديًا بالنسبة لنا لإيجاد طرق أفضل لتخفيف الآثار الناتجة، والحفاظ على علاقاتٍ اجتماعية قوية ومتينة.

مصدر الترجمة 

إعلان

فريق الإعداد

ترجمة: سيف الدين عبد العال

تدقيق لغوي: سلمى عصام الدين

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.