هذه الحقيقة لن تغير من قناعتك

“دانييل شو” يؤمن بكلمات المعلم “guru” الذي قضى سنوات من عمره تحت يديه، ليس إيمانًا أعمى، إنما هو شيء اختاره هو، “أتذكر كيف اتخذت هذا القرار بوعي تام”.

في سنة 1980، ذهب شو لمركز التأمل “سيدا يوغا” في شمال نيويورك، ومن ضمن ما قاله هناك: “أن نقطة ضعفه في الحياة هي المشاكل التي يعاني منها في العلاقات والعمل، ولا شيء من العلاجات التي لجأ إليها نجحت معه، لكن في سيدا يوغا أصبحت خبرته جيدة، وقد تمكن من الغوص في أعماق نفسه أكثر لدرجة أنه شعر وكأن الحياة تنادي عليه من جديد، لذا في 1985 وفّر شو بعض النقود وسافر إلى الهند لينضم إلى جماعة “غوروماي شيدفيلا ساناندا” (القائدة الروحية للمنظمة “سيدا يوغا” التي لديها عشرات الآلاف من التابعين)، وهناك ارتقى في الصفوف. وقد قضى كثيرًا من الوقت في السفر لهذه المنظمة، كما قضاه أحيانًا مع “غوروماي”، وأحيانًا يتفقد بعض المراكز في الولايات المتحدة.

ولكن في سنة 1994، أصبحت منظمة سيدا يوجا تحت المجهر في صحيفة نيويوركر، حيث نشرت مقالة زعمت فيها وجود اعتداءٍ جنسي ضد سلف غوروماي، وأنها قامت بطرد أخيها ومعلمها الروحي بالقوة من المنظمة. يقول شو أنه سمع بهذه الأخبار حين انضم إلى المنظمة، ولكنه اختار أن يعتبر ذلك غير صحيح. بعد يوم واحد من وصوله للهند، تم جمع شو وغيره من الموظفين لعقد اجتماع مع غوروماي، والذي أوضحت فيه أن أخاها قد غادر المنظمة طوعًا. أدرك شو حينها أنه تم الكذب عليه، لكنه لم يهتم بذلك كون المنظمة لازالت تفعل كل شيء بشكل أفضل ومازالت هي المعلم.
في نهاية الأمر، شق شو طريقه بعيدًا عن سيدا يوغا وأصبح معالجًا نفسيًا، وقد خصص جزءًا من عمله مع أعضاء الطائفة السابقين وعائلاتهم.

في الخمسينات من القرن العشرين، طور عالم النفس الاجتماعي ليون فيستينغر نظرية التنافر المعرفي الإدراكي وتتمثل في الاضطراب وعدم الارتياح جراء الجمع بين فكرتين متعارضتين في آن.

في دراسة مشهورة أجراها فيستينغر مع فريقه الذي يضم هنري ريكان وستانلي سيشتر، قام الباحثون بضم أنفسهم لجماعة دينية بقيادة امرأة تدعى «دوروثي مارتن»، ادعت فيها النبوّة، وأقنعت أتباعها بقدوم الفضائيين لإنقاذهم من الفيضانات التي ستحصل في اليوم الذي حددته. وبالرغم من عدم تحقق ما ادعته، إلا أن مارتن بقيت مصرة على ادعاءاتها بمبررات سخيفة، واستمر أتباعها بتصديقها. راقب فيستنغر وجماعته ماحصل، وألفوا كتابًا أسموه “عندما تفشل النبوءة”، وكان ذلك في سنة 1957.

إعلان

ذكر في الكتاب “إن الرجل الذي يملك قناعة معينة هو رجل صعب التغيير؛ أخبره أنك لا توافقه وسيبتعد عنك، اعرض عليه حقائق وأشخاص سيسألك عن مصادرك، تطلب منه أن يكون منطقيًا لكنه يفشل في فهم وجهة نظرك، جرب أن تقدم له أدلة لا لبس فيها ولا يمكن إنكارها تثبت له فيها خطأ معتقده، ستجده في كثيرٍ من الأحيان ليس فقط منزعجًا بل متمسكًا بقناعته أكثر من ذي قبل.

تسمى هذه السلوكيات في علم النفس بالاستدلال المدفوع، وهي تستخدم للتخفيف من حدة التنافر المعرفي، فحينما يقتنع الشخص بفكرة خاطئة ويتمسك بها رغم وجود الأدلة فإنه يلجأ للبحث عن معلومات تؤكد فكرته، متفاديًا ومتجاهلًا كل ما يناقض معلوماته ومعتقداته.
وهي تبدأ في اللحظة التي يسمح فيها شخصٌ باختراق فقاعته. ففي دراسة أجريت عام 1967، استمع فيها المتابعون إلى عدة خطب تم تسجيلها مسبقًا بضوضاءٍ شديدة، ويسمح للمشاركين فيها بالضغط على الزر إن رغبوا في إيضاح الصوت الذي يستمعون إليه. كان هناك خطب عن التدخين وارتباطه بالسرطان، وأخرى تنتقد المسيحية، لوحظ أن الطلاب المدخنين كانوا حريصين على الاستماع إلى الخطب التي تنفي صلة السجائر بالسرطان، في حين أن غير المدخنين كانوا يضغطون على زر الخطاب الذي يربطها بالسرطان.

وعلى نحو مشابه، كان المتدينون يبقون على الضوضاء المؤثرة على الخطب التي تنتقد المسيحية، بينما الأقل تدينًا كانت تستمع لهذا الخطاب.

بعيدًا عن هذا الاختبار، من السهل انتقاؤك لمصدر معلوماتك، بإمكانك إيقاف الراديو وتغيير القناة مثل صفحات الفيس بوك التي توفر لك نوع الأخبار التي تفضلها، يمكنك بناء حصنٍ من المعلومات التي تريحك وتناسبك.
ومع ذلك الناس لا تعيش تمامًا في كهف منعزل، هناك من يبني نوافذَ في قلعته ملقيًا نظرات خاطفة من حين لآخر، وهناك من يخرج ويتجول في هذا العالم ويستكشف معلومات جديدة تُظهر خطأ معتقداته، هذه الحالات لاتعتبر إنجازًا، فالناس من الممكن أن يغيروا آراءهم حين تظهر لهم أدلة تثبت خطأهم في أمور معينة، مثل اعتقادك بأن الجو لطيف وحين تفتح الباب تجده ماطرًا وأنك بحاجة لمظلة، لكن إن كان الخطأ في الأفكار والمعتقدات التي تتعلق بالهوية وبنظرته للعالم، حينها سيلجأ لِكل الحيل العقلية ليبقى مقتنعًا أنه على حق .

ينظر الناس للأدلة التي لا تتفق معهم على أنها ستضعفهم، فهم يطرحون على أنفسهم أسئلةً جوهرية في تقييمهم للأدلة بناءً على ما يريدونه، التصديق أم عدمه.
عالم النفس توم جيلوفيتش يقول: “من أجل الاستنتاجات المرجوة يبدو وكأننا نسأل أنفسنا هل يمكنني أن أصدق ذلك؟
لكن بالنسبة للاستنتاجات غير المقبولة فنحن نسأل أنفسنا هل يجب أن أصدق ذلك؟ بعض الناس يسعى للمعلومات التي تؤكد له اعتقاده، وبعضهم يسعى لمعلومات تساعده على الهرب من هذا المعتقد”.
في عام 1877، كتب الفيلسوف ويليام كينغدون كليفورد مقالًا بعنوان «أخلاقيات المعتقد»، قال فيه:

“من الخطأ تصديق أي شخص أو أي شيء دون وجود أدلة كافية “.

يأخذنا لي ماكنتير لنغمة أخلاقية مشابهة في كتابه الصادر عام 2015 «احترام الحقيقة -الجهل المتعمد في عصر الإنترنت»، حيث يقول فيه: “إن العدو الحقيقي للحقيقة ليس الجهل أو الشك أو عدم التصديق، إنها المعرفة المزيفة”.

يدحض كلام كليفورد عالم النفس الفيلسوف ويليام جيمس، فهو يعتبر أن الإيمان الديني يتطلب التصديق دون دليل.
ما تزال جميع أشكال الأكاذيب (نظريات المؤامرة، والخدع، والدعاية، والأخطاء القديمة) تشكل تهديدًا للحقيقة، فهي تنتشر كالفطر في المجتمعات وتترسخ في عقول الناس، ومن الصعب محاربة هذه المعرفة الكاذبة من الشخص المتبني لها؛ فهي تبدو له وكأنها حقيقة.
من النظرة الأولى قد تتساءل لماذا لا يمنع التطور مقاومة الناس للحقيقة، يقول (الباحث في مركز الفلسفة والتاريخ في جامعة بوسطن) لي ماكنتير: ” أنت لاتريد أن تكون متشككًا، فمثلًا تقول: هذا ليس نمرًا، فلماذا أعتقد أنه نمرًا؟؛ لأنك يمكن أن تكون فريسته.

من منظور تطوري، هناك أشياء أكثر أهمية من الحقيقة. فالبقاء أكثر أهمية من الحقيقة، والحصول على الدعم الاجتماعي أهم بكثير من معرفة الحقيقة إن كانت لا تؤثر على حياتك بشكل مباشر”. وبالتالي تصبح الحقيقة أكثر تعقيدًا حين ترتبط بأمور أخرى، فكما يقول باسكال بوير (عالم الأنثروبولوجيا، والأستاذ في جامعة واشنطن في سانت لويس) في كتابه: ” إن البيئة الطبيعية للبشر هي مثل البحر للدلافين والجليد للدببة القطبية، أنت تحصل على المعلومات من خلال الآخرين، بدونهم لا تستطيع البحث، الاختيار، أو البناء، بدون التواصل لايمكنك البقاء”.

في هذه البيئة يحصل الأفراد ذوو المعلومات الأكثر على الاحترام، لكن الخبرة مكلفة، فهي تتطلب الوقت والجهد. وإذا تمكنت من إقناع الناس بصحة ما لديك بدون أن تكون كذلك في الواقع، فأنت حصلت على المزايا دون أن تعمل عليها، بعبارة أخرى “الكاذبون يزدهرون إذا صدقهم الناس “.

لذلك يعتقد الباحثون أن التفكير المنطقي تطور كحماية ضد التلاعب، ويمكن أن يساعد في حماية الناس من التلاعب بهم، وأن التمسك بالآراء والمعتقدات قد يفيد في عدم الانجراف وراء كل مدعٍ وكل قصة تمر بهم.
من هنا كان البشر بحاجة للمنطق، من أجل حل المشاكل الناجمة عن حياتهم في جماعات متعاونة، هذه القيمة -التعاون- أجبرت البشر على العيش معًا في مجتمعات.. لكن لا يجب التعامل مع المنطق كآلة لإصدار أحكام فكرية صحيحة.

إعلان

مصدر مصدر الترجمة
اترك تعليقا