تأخذك إلى أعماق الفكر

كيف تسببت الخيانة في القضاء على دولة المماليك ؟!

استمرت دولة المماليك بمصر لمدة 267 سنة، بدأت دولتهم بالخيانة حين تٱمرت “الجهة الصالحية، ملكة المسلمين، عصمة الدنيا والدين، ذات الحجاب الجميل والستر الجليل، الملكة “شجرة الدر” مع كبير المماليك “عزالدين ٱيبك” على قتل “توران شاه” ابن الملك الصالح “نجم الدين أيوب” ، على أن يقتسما الحكم والسلطة، ولكن خليفة المسلمين في بغداد حرمها من أن تتمتع بثمار خيانتها، فتنازلت عن العرش لشريكها، الذي أصر على معاملتها كجارية له كما كانت طول الوقت، وهنا كان لابد للغدر أن يهدم مابنته الخيانة فتٱمرت “شجرة الدر” على زوجها وقتلته ورمت جثته من فوق القلعة، ولم تصدق “أم على” زوجة “ٱيبك” الأولى أنه مات أثناء نومه فتٱمرت على الملكة وإنهالت بالقباقيب على رأسها فحطمتها.

…بالخيانة أسست دولة المماليك التي ندر أن يموت سلطان من سلاطينها على فراشه، أو يجد له مدفنا!

بالخيانة أيضا إنتهت دولة المماليك الچراكسة بعد أكثر من قرنين حكموا فيها مصر والشام والحجاز، فى يوم 23 إبريل 1517 صعد “طومان باى” ٱخر السلاطين المملوكية درجات المقصلة المنصوبة عند باب زويلة، وبهدوء شديد قال :”إقرأوا لي الفاتحة”.

قبلها بأيام كان مختبئا في مغارة على أطراف صحراء البحيرة تحت رعاية “حسن بن مرعي” صديقه وشيخ مشايخ العربان، الذى لم يتردد عن تسليمه للسلطان “سليم” مع وعد بمكافأته عن “خيانته”!

إعلان

وكان  ” خاير بن ملباى” والى حلب يستعد لتنصيبه أميرا على مصر بعد نجاح جهوده في تمهيد الأرض للجيوش العثمانلية منذ أن إنسحب بقواته من معركة مرج دابق فإنكسر جيش السلطان “قنصوة الغورى” وقتل ولم يعثر له على جثة.

وكان نجاحه الكبير في إستمالة أمير دمشق “چان بردى الغزالى” الطامع في كرسي السلطنة، ولكن بعد إختيار “طومان باى” لم يتوان عن تنفيذ مخطط الخيانة في فتح أبواب مصر على مصراعيها أمام جيوش الخنكار الأعظم، وكان هو الذي أقنع “طومان باى” بعدم الخروج لملاقاة الغزو على حدود مصر وإنتظاره في الريدانية ما أدى لهزيمة الجيش المصري وهروب قواده.

الخائن الأول 

“خاير بن ملباى”، ولد فى بلدة صمصوم ببلاد الكرج (چورچيا) منحه أبوه مع ثلاثة إخوة هدية للسلطان ” الأشرف قايتباى”، على أمل أن يصل أحدهم إلى كرسي السلطنة في دولة المماليك العجيبة.

كان سبب خيانته هو إنتقامه لمقتل أخيه “قانصوه البرجى” نائب الشام بالسم بناءا على أمر من السلطان “قنصوة الغورى.

بعد دوره المشين في معركة مرج دابق ذهب لمقابلة الخنكار العثماني الذي أكرمه أشد الكرم وإحتفى به وقربه منه في مجلسه، ولما أخبره أن حلب بلا دفاعات ولا حامية رد السلطان قائلا: “عفارم “خاين” بيك.

وعلى طول الطريق من دمشق إلى القاهرة كان “خاير” فى مقدمة الجيش العثمانى دليلا ومرشدا حتى تم لهم النصر بعد موقعة الريدانية، وهو أول من حكم مصر نائبا عن السلطان العثماني، ولمدة خمس سنوات ولقبه الرسمي “ملك الأمراء”

في أواخر أيامه عانى من أمراض شتى ليس أقلها الشلل، ولما أحس بإقتراب أجله بنى لنفسه ضريحا فخما تحت القلعة وأنشأ فيه سبيل ماء كي يتذكره الناس بعد مماته، لكن في الليلة الأولى لدفنه سمع بعض أهل الصحراء صراخا مرعبا يشق ظلام الليل ويتصاعد من مدفن ملك الأمراء، وظل الصراخ يتكرر ليلة بعد أخرى ويردد الفضاء صداه، ويحمله الريح إلى الوحوش الضالة فتجرى خائفة إلى مخابئها.

تجنب الناس الطريق الذى يتخلل ظلامه الكثيف الأنين والرعب والنشيج، وشقوا لأنفسهم طريقا ٱخر، ويوما بعد يوم أصبحت مقبرة “خاير بيك” وحيدة ضائعة عند حد الأفق.

الخائن الثانى

“چان بردى الغزالي” أمير مملوكى لعب دورا هاما فى المرحلة الأخيرة من حياة دولة المماليك.

كان من مماليك الأشرف “قايتباى” وسمى الغزالي نسبة إلى قرية منية غزالة التى كان يشرف عليها، وظل يترقى في المناصب الإدارية وفي عهد السلطان الغوري أصبح حاجبا لحجاب حلب ونائبا لصفد ثم حماه.

أغراه صديقه “خاير بيك” بالعمل مع العثمانيين خاصة بعد إستبعاده من دائرة الترشح لمنصب السلطان بعد مقتل السلطان الغوري، وإختيار ابن أخيه، فساعدهم على هزيمة الحملة التى كان هو قائدها فى غزة، وتواطأ معهم في معركة الريدانية حيث نقل لهم كل خطط “طومان باى” وطريقة تنظيم الجيش وخطة المعركة بحذافيرها.

كافأه السلطان سليم بتعيينه نائبا لدمشق، ولكنه كان يرى نفسه يستحق أكثر من ذلك فلم يتردد فى التحالف مع الشاه “إسماعيل” فى إيران لمحاربة الوجود العثمانى في الشام، الذى أعلن نفسه سلطانا عليه بإسم “السلطان أبو الفتوحات” وإنتهى أمره بالقتل.

الخائن الثالث

“حسن بن مرعي” شيخ مشايخ عربان البحيرة.

كان صديقا مقربا للسلطان “طومان باى” الذى أنقذه مرات من الشنق والقتل فى عهد عمه “قنصوة الغورى” حيث كان العربان يغيرون على أطراف الوادى يقتلون وينهبون ويسرقون.

بعد الهزيمة في الريدانية إلتجأ السلطان لمضارب قبيلة صديقه القديم، وأخذ عليه “العهد” بالأمان وعدم الخيانة.

لكن إغراءات العثمانيين كانت أقوى من كل عهود الأمان، حيث عرضوا على “حسن” إقطاعه كل مضارب قبيلته لو سلمهم السلطان الهارب، وأن يكون مقدما على كل مشايخ البدو لدى الخنكار العثمانى.

قاد “حسن” قوات السلطان “سليم” حيث مخبأ السلطان “طومان” وقبضوا عليه وأعدموه.

لكن شيخ مشايخ البحيرة لم يحصل على مكافأته الموعودة، وطرده “سليم” من مجلسه وأمر بالقبض عليه، وعز على “حسن” أن العثمانيين أهانوه وسخروا منه فسلمهم صديقه بلا ثمن، ولذلك أشعل الحرب ضدهم، وظل لشهور يضربهم ويقتل جنودهم، ولجأ السلطان للخديعة فعفا عنه وأرسل له “منديل الأمان” وإبتلع البدوي الطعم فما إن دخل القاهرة حتى قبضوا عليه وأودعوه سجن القلعة.

وإستطاع “ابن مرعي” الهرب من السجن وعاد لمقاومة العثمانيين وأوقع بهم خسائر كبيرة، وكان “خاير بيك” (الخائن الاول) قد أصبح حاكما لمصر ولم يكن يريد أن يقلق راحته شئ أو أحد، فأرسل “منديل الأمان” الثاني لذلك البدوي العنيد، الذي قبله، وتم إستقباله في القلعة كضيف معزز ومكرم.

في اليوم التالي تلقى “حسن بن مرعي” دعوة لمأدبة تكريم يقيمها كاشف الغربية على شرفه، فذهب إليه وأكل للتخمة، وشرب للثمالة، وفجأة إقتحم المأدبة عشرات من المماليك الچراكسة فإنهالوا عليه وعلى من كان معه بالسيوف وقطعوا لحمهم جزلا.

وفي يوم الأربعاء 14 مارس 1519 دخلت القاهرة فرس السلطان “طومان باى” (وكان شيخ مشايخ العربان قد أخذها لنفسه عقب القبض على السلطان) وفى رقبتها علقوا رأس “حسن بن مرعى”،وقال الناس :

-“الخائن يخونه الله”

المصدر : رجال مرح دابق لصلاح عيسى

في حالة أعجبك المقال، ربما ستعجبك مقالات أخرى، نرشح لك

موسم صيد “القارئ” !

ثورة و ملوك و جمهوريات

هل كان الملك بيبي الثاني شاذ جنسيا ؟!

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.