تأخذك إلى أعماق الفكر

قراءة نقدية لاستراتيجية التنمية المستدامة مصر 2030

مقدمة: تستمد خطة التنمية المستدامة أهميتها في ظل الظروف الراهنة التي تعيشها مصر من حالة عدم الاستقرار الاقتصادي التي تبعتها حالة فوضى سياسية واجتماعية. الأمر الذي تطلّـب إعـادة النظـر في الرؤيـة التنمويـة لمواكبـة هـذه التطـورات ووضـع أفضـل السُبل للتعامل معهـا بمـا يمكـن المجتمـع المصـري مـن النهـوض مـن عثرتـه والانتقـال إلى مصـافّ الـدول المتقدمـة وتحقيـق الغايـات التنمويـة المنشـودة للبـلاد.

ووفق ما أعلنته الحكومة المصرية من أن استراتيجيتها تبنّت مفهوم التنمية المستدامة كإطار عام يُقصد به تحسين جودة الحياة في الوقت الحاضر بما لا يخل بحقوق الأجيال القادمة في حياة أفضل، ومن ثم يرتكز مفهوم التنمية الذي تتبنّاه الاستراتيجية على ثلاثة أبعاد رئيسية تشمل البعد الاقتصادي والبعد الاجتماعي والبعد البيئي. كما ترتكز الاستراتيجية على مفاهيم «النمو الاحتوائي والمستدام والتنمية الإقليمية المتوازنة» بما يؤكد مشاركة الجميع في عملية البناء والتنمية، ويضمن في الوقت ذاته استفادة كافة الأطراف من ثمار هذه التنمية. وتراعي الاستراتيجية مبدأ تكافؤ الفرص وسد الفجوات التنموية والاستخدام الأمثل للموارد ودعم عدالة استخدامها بما يضمن حقوق الأجيال القادمة.

وعلى ضوء ما تقدم، سيتم عرض عدد من النقاط التي تهدف إلى توضيح التنمية المستدامة عالميًا من حيث الأهداف التي تبنتها الأمم المتحدة ثم العروج إلى بيان أهم محاور الخطة المصرية. يليها في ذلك عرض الموقف الراهن لأهداف التنمية المستدامة في مصر. ثم إنتهاءً بتقديم قراءة نقدية لتلك الخطة مستندة إلى التعريف بإيجابياتها وما عليها أن تتضمن حتى ترصد الجوانب الحيوية في خلل المنظومة الاقتصادية للدول المصرية.

أولًا: التنمية المستدامة عالميًا:

أصدر في 1 يناير 2016 أهداف التنمية المستدامة الـ17 لخطة التنمية المستدامة لعام 2030، التي اعتمدها قادة العالم في سبتمبر 2015. وتعمل البلدان خلال السنوات الخمس عشرة المقبلة —واضعة نصب أعينها هذه الأهداف الجديدة التي تنطبق عالميًا على الجميع — على حشد الجهود للقضاء على الفقر بجميع أشكاله ومكافحة عدم المساواة ومعالجة تغير المناخ، مع مرعاة أن الجميع يجب أن يحظى بتلك الجهود. وبالرغم من أن هذه الأهداف ليست ملزمة لأحد إلا أنها تعد أهدافًا مثلى سرعان ما جذبت انتباه الحكومات سعيًا وراء تحقيقها. وتصل هذه الأهداف إلى سبعة عشر هدفًا يحوي بين طياته 169 غاية.

إعلان

وتتعدد هذه الأهداف وفق ما يعرضه الجدول رقم (1)

الهدف 1 – القضاء على الفقر بجميع أشكاله في كل مكان.
الهدف 2 – القضاء على الجوع وتوفير الأمن الغذائي والتغذية المحسّنة وتعزيز الزراعة المستدامة.
الهدف 3 – ضمان تمتّع الجميع بأنماط عيش صحية وبالرفاهية في جميع الأعمار.
الهدف 4 – ضمان التعليم الجيد المنصف والشامل للجميع وتعزيز فرص التعلّم مدى الحياة للجميع.
الهدف 5 – تحقيق المساواة بين الجنسين والتمكين لجميع النساء والفتيات.
الهدف 6 – ضمان توافر المياه وخدمات الصرف الصحي للجميع وإدارتهما إدارة مستدامة.
الهدف 7 – ضمان حصول الجميع بتكلفة ميسورة على خدمات الطاقة الحديثة الموثوقة والمستدامة.
الهدف 8 – تعزيز النمو الاقتصادي المطّرد والشامل للجميع والمستدام، والعمالة الكاملة والمنتجة، وتوفير العمل اللائق للجميع.
الهدف 9 – إقامة بُنى أساسية قادرة على الصمود، وتحفيز التصنيع الشامل للجميع، وتشجيع الابتكار.
الهدف 10 – الحد من التباين داخل البلدان وفيما بينها.
الهدف 11 – جعْل المدن والمستوطنات البشرية شاملة للجميع وآمنة وقادرة على الصمود ومستدامة.
الهدف 12 – ضمان وجود أنماط استهلاك وإنتاج مستدامة.
الهدف 13 – اتخاذ إجراءات عاجلة للتصدي لتغيّر المناخ وآثاره (مع الإحاطة علمًا بالاتفاقات التي أبرمها منتدى اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ).
الهدف 14 – حفظ المحيطات والبحار والموارد البحرية واستخدامها على نحو مستدام لتحقيق التنمية المستدامة.
الهدف 15 – حماية النظم الإيكولوجية البرّية وإعادتها إلى حالتها وتعزيز استخدامها على نحو مستدام، وإدارة الغابات على نحو مستدام، ومكافحة التصحر، ووقف تدهور الأراضي وعكس مساره، ووقف فقدان التنوع البيولوجي.
الهدف 16 – التشجيع على إقامة مجتمعات مسالمة لا يُهمّش فيها أحد من أجل تحقيق التنمية المستدامة، وإتاحة إمكانية لجوء الجميع إلى القضاء، وبناء مؤسسات فعالة وخاضعة للمساءلة وشاملة للجميع على جميع المستويات.
الهدف 17 – تعزيز وسائل التنفيذ وتنشيط الشراكة العالمية من أجل تحقيق التنمية المستدامة.

 

ثانيًا: أهداف التنمية المستدامة وفق رؤية مصر 2030 (الأبعاد والمحاور).

تتمثل رؤية الدولة المصرية من قيامها بخطة التنمية المستدامة في أن تصبح ذات اقتصاد تنافسي ومتوازن ومتنوع يعتمد على الابتكار والمعرفة، قائمة على العدالة والإندماج الاجتماعي والمشاركة، ذات نظام إيكولوجي متزن ومتنوع تستثمر عبقرية المكان والإنسان لتحقق التنمية المستدامة وترتقي بجودة حياة المصريين.

وتتعد الأبعاد والمحاور التي تقوم عليها هذه الخطة كما يوضحها الشكل رقم (1) والشكل رقم (2). وتتضمن فيما بينها عدة محاور في داخل كل بعد، وفي مقدمتها البعد الاقتصادي.

المحور الأول: التنمية الاقتصادية فبحلول عـام 2030 يكـون الاقتصـاد المـصري اقتصـاد سـوق منضبـط يتميـز باسـتقرار أوضـاع الاقتصـاد الـكلي، وقـادر عـى تحقيـق نمـو احتـوائي مســتدام، ويتميــز بالتنافســية والتنــوع ويعتمــد عــى المعرفــة، ويكــون لاعبًـا فاعـلًا في الاقتصــاد العالمــي، قــادرًا عــى التكيــف مــع المتغــرات العالميـة، وتعظيـم القيمـة المضافـة، وتوفـر فـرص عمـل لائـق ومنتـج، ويصـل نصيـب الفـرد مـن الناتـج المحلـي الإجـمالي الحقيقـي إلى مصـافّ الـدول ذات الدخـل المتوسـط المرتفـع.

ويختص المحور الثاني بالطاقة ليصبح قطـاع الطاقـة قـادرًا عـى تلبيـة كافـة متطلبـات التنميـة الوطنيـة المسـتدامة مـن مـوارد الطاقـة وتعظيـم الاسـتفادة الكفؤة مـن مصادرهـا المتنوعـة (تقليديـة ومتجـددة) بمـا يـؤدي إلى المسـاهمة الفعالـة في تعزيـز النمـو الاقتصـادي والتنافسـية الوطنيـة والعدالـة الاجتماعيـة والحفـاظ عـى البيئـة مـع تحقيـق ريـادة في مجـالات الطاقـة المتجـددة والإدارة الرشـيدة المسـتدامة للمـوارد، ويتميّـز بالقـدرة عـلى الابتـكار والتنبـؤ والتأقلـم مـع المتغيـرات المحليـة والإقليميـة والدوليـة في مجـال الطاقـة وذلـك في إطـار مواكبـة تحقيـق الأهـداف الدوليـة للتنميـة المستدامة.

فيما ينصرف المحور الثالث: المعرفة والابتكار والبحث العلمي لأن تصبح مصـر مجتمـع مبـدع ومبتكـر ومنتـج للعلـوم والتكنولوجيـا والمعـارف، يتميـز بوجـود نظـام متكامـل يضمـن القيمـة التنمويـة لابتـكار والمعرفـة، ويربـط تطبيقـات المعرفـة ومخرجـات الابتـكار بالأهـداف والتحديـات الوطنيـة.

ويهتم المحور الرابع بالشفافية وكفاءة المؤسسات الحكومية: حيث التركيز على رفع كفاءة الجهــاز الإداري وتعظيم فعاليته بما يحســن إدارة مــوارد الدولــة ويتســم بالشــفافية والنزاهــة والمرونــة ويخضــع للمســاءلة ويعــي مــن رضــاء المواطــن ويتفاعــل معــه ويســتجيب لــه.

ويتضمن البعد الاجتماعي عدة محاور أيضًا في مقدمتها المحور الخامس الخاص بالعدالة الاجتماعية، الذي يستهدف بنــاء مجتمــع عــادل متكاتــف يتميــز بالمســاواة في الحقــوق والفــرص الاقتصاديــة والاجتماعيــة والسياســية وبأعـلـى درجــة مــن الاندمــاج المجتمعــي، مجتمــع قــادر عــى كفالــة حــق المواطنـين في المشــاركة والتوزيــع العــادل في ضــوء معاييــر الكفــاءة والإنجـاز وسـيادة القانـون، ويحفـز فـرص الحـراك الاجتماعـي المبنـي علـى القـدرات، ويوفّـر آليـات الحمايـة مـن مخاطـر الحيـاة، ويقـوم عـلى التــوازي بمســاندة شرائــح المجتمــع المهمشــة ويحقــق الحمايــة للفئــات الأولى بالرعايــة.

كما يُعنى المحور السادس بالصحة ليكفل لكافة المصرييـن الحـق في حيـاة صحيـة سـليمة آمنـة مـن خـلال تطبيـق نظـام صحـي متكامـل يتميـز بالإتاحـة والجـودة وعــدم التمييــز، وقــادر عـلـى تحســين المــؤشرات الصحيــة عــن طريــق تحقيــق التغطيــة الصحيــة والوقائيــة الشــاملة والتدخــل المبكــر لكافــة المواطنـين بمـا يكفـل الحمايـة الماليـة لغيـر القادريـن ويحقـق رضـا المواطنيـن والعامليـن في قطـاع الصحـة لتحقيـق الرخـاء والرفاهيـة والسـعادة والتنميـة الاجتماعيـة والاقتصاديـة ولتكـون مـصر رائـدة في مجـال الخدمـات والبحـوث الصحيـة والوقائيـة عربيًا وإفريقيًّـا.

شكل رقم (1) أهداف التنمية المستدامة في مصر

ويسعى المحور السابع (التعليم والتدريب) إتاحــة التعليــم والتدريــب للجميــع بجــودة عاليــة دون تمييــز، وذلك في إطــار نظــام مؤسسي، كــفء وعــادل، ومسـتدام، ومـرن. وأن يكـون مرتكـزًا عـلى المتعلـم والمتـدرب القـادر عـلى التفكـر والمتمكـن فنيًا وتقنيًا وتكنولوجيًا، وأن يسـاهم أيضًا في بنـاء الشـخصية المتكاملـة وإطـلاق إمكاناتهـا إلى أقصـى مـدى لمواطـن معتـز بذاتـه، ومسـتنر، ومبـدع، ومسـؤول، وقابـل للتعدديـة، يحـترم الاختلاف، وفخـور بتاريـخ بـلده، وشـغوف ببنـاء مسـتقبلها وقـادر عـى التعامـل تنافسـيًا مـع الكيانـات الإقليميـة والعالميـة.

ويعول على المحور الثامن (الثقافة) بنـاء منظومـة قيـم ثقافيـة إيجابيـة في المجتمـع المصـري، تحترم التنـوع والاختلاف وعـدم التمييـز. وتسـتهدف الرؤيـة تمكيـن المواطـن المصـري مـن الوصـول إلى وسـائل اكتسـاب المعرفـة وفتـح الآفـاق أمامـه للتفاعـل مـع معطيـات عالمـه المعـاصر، وإدراك تاريخـه وتراثـه الحضـاري المصري، وإكسـابه القـدرة على الاختيـار الحـر، وتأميـن حقـه في ممارسـة وإنتـاج الثقافـة. على أن تكـون العنـاصر الإيجابيـة في الثقافـة مصـدر قـوة لتحقيـق التنميـة، وقيمـة مضافـة للاقتصـاد القومـي، وأساسـًا لقـوة مصـر الناعمـة إقليميـًا وعالميـًا.

شكل رقم (2) أبعاد إستراتيجية مصر للتنمية المستدامة 2030

ويأتي البعد البيئي ثالثًا متضمنًا المحور التاسع (البيئة) ليكون محـورًا أساسـيًا في كافـة القطاعـات التنمويـة والاقتصاديـة بشـكل يحقـق أمـن المـوارد الطبيعيـة ويدعـم عدالـة اسـتخدامها والاسـتغلال الأمثـل لهـا والاسـتثمار فيهـا وبمـا يضمـن حقـوق الأجيـال القادمـة فيهـا، ويعمـل عـى تنويـع مصـادر الإنتـاج والأنشـطة الاقتصاديـة، ويسـاهم في دعـم التنافسـيّة، وتوفيـر فـرص عمـل جديـدة، والقضـاء عـلى الفقـر، وتحقيـق عدالـة إجتماعيـة مـع توفير بيئـة نظيفـة وصحيـة وآمنـة للإنسـان المصـري.

ويشتمل المحور العاشر (التنمية العمرانية): حيث تتمتع مصر بمسـاحة أرضهـا وحضارتهـا وخصوصيـة موقعهـا قـادرة عـلى اسـتيعاب سـكانها ومواردهـا في ظـل إدارة تنميـة مكانيـة أكـثر توازنـًا وتلبـي طموحـات المصرييـن وترتقـي بجـودة حياتهـم.
ويوضح الجدول رقم (2) الأهداف التي تسعى إليها الدولة المصرية على صعيد كل متغير من متغيرات التنمية وفي مقدمتها النمو الاقتصادي والفقر والتضخم والبطالة والتنافسية، وغيرها.

جدول رقم (2)

ثالثًا: قراءة نقدية في بعض أهداف التنمية المستدامة مصر 2030.

3-1 على صعيد النمو الاقتصادي

قد شهد عام 2015 تحسن في معدل النمو الاقتصادي وصل إلى 4.2% ثم إلى 4.37 و4.5 عامي 2016 و2017 على الترتيب بحسب بيانات البنك الدولي. وذلك بعد سنوات من تراجع النمو الاقتصادي نتيجة للظروف السياسية الداخلية، التي تراجع على أثرها النشاط الاقتصادي في القطاعات الرائدة والمحركة له خاصة الصناعي منها وعدم عودة السياحة للوضع المأمول قبل الثورة، وكذلك عدم الثقة في المناخ الاستثماريّ على الرغم من توجه الدولة نحو مشروعات البنية التحيتة ذات العائد طويل الأجل. إضافة إلى أزمة تحرير العملة في الآونة الأخيرة وما استتبعها من ارتفاع تكلفة الإنتاج وإحجام بعض الإستثمارات المحلية عن الدخول في السوق حاليًا، والظروف الإقليمية غير المواتية.

من هنا تهدف استراتيجية التنمية المستدامة وبحسب الجدول رقم (2) إلى الوصول بمعدل النمو الاقتصادي إلى 105 عام 2020 ثم إلى 12% عام 2030. إلا أن هذه الاستراتيجية لم تُفصح عن كيفية تكوين هذا النمو، خاصة وأن الاقتصاد المصري يعاني خلالًا هيكليًّا مزمنًا، جعله يترنح تارة أمام تلك الإختلالات، وتارة أخرى تأثره بالانكشاف على الاقتصادات الإقليمية والدولية التي كان لازماتها وقع شديد على النمو في مصر. وعليه، فإن هذه الاستراتيجية لم تفصح عن آليات علاج الخلل الهيكلي المزمن. وكذلك لم تبين سبل الحد من درجة الانكشاف على العالم الخارجي سواء على مستوى تقليل أثر صدماته أو الحد من التبعية له.

3-2 نسبة الفقر والفقر المدقع

والذي سجل 26.3 % عام 2015 وتستهدف الخطة ارجاعه إلى 23% عام 2020، ثم إلى 15 % عام 2030. بينما سجلت نسبة الفقر المدقع 4.4% عام 2015 ثم إلى 2.5 عام 2020 وصولًا إلى الصفر بحلول عام 2030. إلّا أن الدلائل تشير إلى السير في الطريق المعاكس ولا تنذر بالسير في اتجاه تحقيق أهداف الخطة الموضوعة. فقد وصل الفقر في مصر عام 2017 إلى ما يزيد عن 27%. إلا أنّه يوجد جهود أولية مثل “برنامج تكافل وكرامة” الذي يعد من البرامج المهمة التى تستهدف مكافحة الفقر، حيث يعالج برنامج تكافل الجوانب الصحية والتعليمية لتلك الأسر، بينما يُقدم برنامج كرامة مساعدات مالية للفئات الفقيرة من كبار السن والمعاقين.

ويهدف برنامج تكافل إلى تقديم دعم نقدي للأسر الفقيرة والتى لديها أطفال يتعلمون فى مراحل التعليم المختلفة من مرحلة الحضانة وحتى المرحلة الثانوية وذلك للمساعدة فى استمرار هؤلاء الأطفال فى العملية التعليمية، حيث يقدم برنامج تكافل لكل أسرة 60 جنيهًا للتلميذ فى المرحلة الابتدائية، و80 جنيهًا للتلميذ فى المرحلة الإعدادية، و100 جنيهًا للتلميذ فى المرحلة الثانوية، ويشترط لحصول الأسرة على هذه المبالغ أن يستمر أطفالها بالحضور للمدارس بنسبة لا تقل عن 80% من أيام الدراسة الفعلية. هذا بالنسبة للجانب التعليمي لبرنامج التكافل.

أما بالنسبة للجانب الصحي للبرنامج فهو يقدم دعمًا نقديًا للأسر التى لديها أطفال قبل سن المدرسة (أقل من 6 سنوات)، وللأمهات الحوامل وذلك بشرط أن تقوم الأسرة بتنفيذ برامج الرعاية الصحية التي تضعها وزارة الصحة من حيث متابعة الحمل للأمهات وتنفيذ برامج التطعيمات والوقاية للأطفال حديثي الولادة والأقل من 6 سنوات، والحد الأقصى للأطفال المستفيدين من هذا البرنامج هو ثلاثة أطفال للأسرة الواحدة. في ظل توجه صريح بالحد من النموس السكاني على ضوء ما ينظر إليه أنه عبء ويجب التصدي له.

كما يهدف برنامج كرامة إلى تقديم مساعدة مالية لفئتين بالأسر الفقيرة وهما كبار السن والمعاقين، بالنسبة لكبار السن فيشترط برنامج كرامة أن يكون السن فوق 65 عامًا وأن يكون غير قادر على العمل والكسب وألّا يكون للأسرة دخل ثابت مثل المعاشات التأمينية أو معاش الضمان الاجتماعي. وأما بالنسبة للمعاقين فيشترط أن تكون الإعاقة مانعة عن العمل ويكون ذلك عن طريق تقديم شهادة طبية معتمدة من القوميسيون الطبي التابع له المستفيد والمعتمد من وزارة الصحة تثبت عدم قدرته على العمل. ويقدم برنامج كرامة 325 جنيهًا لكل فرد تنطبق عليه شروط البرنامج داخل الأسرة ومبلغ 425 جنيهًا للفردين داخل الأسرة الواحدة، و550 جنيهًا لثلاثة أفراد (وهو الحد الأقصى للبرنامج) داخل الأسرة الواحدة.

وقد قدرت التكلفة النهائية للمشروع 5.6 مليارات جنيه، وقام مجلس الوزراء باعتمادها بالفعل حيث سيتم التنفيذ على ثلاثة مراحل، ويهدف لتقديم دعم نقدي لثلاثة ملايين أسرة فقيرة على مدى أربع سنوات. وبحسب ( شحات، 2017)، فإن البعد النقدي، الذي تتخذه الحكومة المصرية مسلكًا، في الحماية الاجتماعية يعزز من فرص رفع الدخل وزيادة القوة الشرائية لدي الطبقات المعدمة، ولكنه لا يضمن آلية مستمرة للقضاء على الفقر، فالقضاء على الفقر يتطلب حاجه لحماية اجتماعية بمفهومها الشامل تتسق وسياسات العمل، فضلًا عن نظام تأميني وصحي قوي، وأن يرتكز النمو الاقتصادي على بنية تعليمة وتكنولوجية حديثة، وعدالة في التوزيع، علاوة على التنمية الريفية المستدامة لانتشال فقراء المزارعين من براثن الفقر. مما يعني أن استراتيجية التنمية المستدامة فيما يتعلق بالفقر لابد لها أن تتسم بالاستدامة والشمولية.

وفي ظل تفاقم الأبعاد المعيشية سوءًا وتوالي ارتفاعات الأسعار، فإن نسبة الفقر ومحاولة تقليله، تقابلها سياسات أخرى تتعلق بالأجور والأسعار، والتي يمكن أن تكون ذات أثر إيجابي يتمثل في تفاقم نسبة الفقر واتساع رقعته.

3-3 البنية التحتية والمدن المستدامة

فمما لا شك فيه أن تطوير البنية التحتية هو أمر ضروري لا يمكن التخلي عنه أو إرجاءه بأي حال من الأحوال. إلّا أن توجيه كل طاقة الاقتصاد إلى تلك المشروعات ذات العائد طويل المدى وغير المباشر، خاصة في أوقات الأزمات، لا يعني إلا كما يعني الحرث في المياه. وفيما يتعلق بالرأي الذي يذهب إلى أنَّها ضرورة لجذب الاستثمارات الأجنبية، فإنه يوجد رؤى أخرى تذهب إلى أن الإصلاح التشريعي والمؤسسي لجوانب الاستثمار القانونية والإدارية يمكن أن يسبق وجود بنية تحتية توجه لها كل طاقة الدولة. مما يعني أن البنية التحتية ضرورة من ضرورات التنمية المستدامة، لكنَّها قد يسبقها أهداف أخرى تتعلق بأمور العدالة والتوزيع.

3-4 المساوة بين الجنسين

تكاد تكون مصر وصلت إلى نسبة التكافؤ في فرص الحصول على التعليم بين الجنسين، إلا أنَّها لا زالت على صعيد العمل تعاني من فجوة فيما يتعلق بتوظيف النساء بنسبة تقدر بـ 22.3% من قوة العمل. أيّ توظيف ما يقارب امرأة واحدة من كل أربع نساء تعمل أو تبحث عن عمل. وتقبع مصر في المركز رقم 132 طبقًا للتقرير العالمي للفجوة بين الجنسين في عام 2016. ومن ثم فلا تظهر خطة التنمية المستدامة أي آلية للتعامل مع تلك الفجوة، مما يعني حاجتها إلى رصد تلك الجزئية والعمل على إيجاد السبل لمواجهتها أو على الأقل التقليل منها.

3-5 الصرف الصحي ومياه الشرب

تقوم الدولة المصرية بتنفيذ مشروعات هامة وبجذب استثمارات جديدة لتطوير قطاع مياه الشرب والصرف الصحي بالإضافة إلى تقديم الدعم المؤسسي اللازم لرفع كفاءة العاملين بالشركة القابضة وشركاتها التابعة وذلك من خلال توقيع الاتفاقيات والبرامج الدولية مع العديد من الجهات المانحة. وقد بلغت حجم الاستثمارات التي تم ضخها خلال الأربعة أعوام الماضية في قطاع مياه الشرب والصرف الصحي 124 مليار جنيه، موضحًا التحدي الذي تواجهه الدولة في هذا القطاع، والمتمثل في تلبية الطلب المجتمعي المتزايد على خدمات مياه الشرب والصرف الصحي، بسبب الزيادة السكانية في ظل ضغط الأولويات المختلفة على التمويل الحكومي.

وتعتبر هذه خطوة جيدة جدًا لصالح المواطنين في الارتقاء بمياه جيدة وصرف صحي جيد يساعد في تحسين سبل المعيشة وتحسين درجة رضا المواطنين عن أداء الحكومات بعد عقود من الإهمال وعدم العناية بقضاياهم ذات الأولوية.

3-6 التعليم والبحث العلمي

إذ اعتبرت مصر قطاع التعليم قطاعًا ذا أولوية، وبذلت من هذا المنطلق جهودًا كبيرة لتطويره وقد ارتفع إجمالي الإنفاق العام على قطاع التعليم إلى 474.986 مليار جنيه خلال 5 سنوات وذلك تنفيذًا للاستحقاقات الدستورية بعد اعتماد مخصصات مالية للقطاع بموازنة العام المالي الحالي 2017/2018 بنحو 129.6 مليار جنيه بنسبة نمو 54% عن الإنفاق الفعلي على القطاع عام 2013/2014 والذي بلغ نحو 84.067 مليار جنيه. ويبقى الإنفاق مهم إلّا أن الأهم منه برأي الباحث هو مكونات هذا الإنفاق، والتي يجب التعامل معها بتوجيه الجزء الأكبر منها إلى تنمية قدارت ومهارات أطراف العملية التعليمية برمتها. مما يعني إتاحة المزيد من المرونة فيما يتعلق بالمهارات المستدامة وتطوير العنصر البشري.

3-7 التغير المناخي

لمواجهة تحديات التغير المناخي، بذلت مصر جهودًا مضنية دبلوماسيًا على المستويات الدولية، والإقليمية، والقومية. فعلى المستوى الدولي، وقّعت مصر على الاتفاق الإطاري للأمم المتحدة بشأن التغير المناخي بتاريخ 9 يونيو 1992 وصدّق البرلمان عليه في 5 ديسمبر 1994. كما وقّعت مصر على بروتوكول كيوتو في عام 1999 والذي دخل حيز النفاذ بتاريخ 12 أبريل 2005. وأخيرًا، وافقت مصر على اتفاق باريس للمناخ الذي وُقِّع في 22 أبريل 2016 في المؤتمر العام بمقر الأمم المتحدة بنيويورك، والذي ينتظر تصديق البرلمان المصري عليه، وقدمت مصر أيضًا المساهمات القومية المحددة لها في نوفمبر 2015.

إلّا أن ما يوجه من نقد لهذا الأمر هو عدم دخول إجراءات التصدي لتلك التغيرات حيز التنفيذ، وهو ما يفصل بين ما يُود القيام به وما يقام به حاليًا. وانطلاقًا من أن التغيرات المناخية وتأثيراتها السلبية هي نتاج للقوى الكبرى في العالم فعلى مصر أن تجعل العالم يتحمل أي تكلفة خاصة بالتغيرات المناخية التي تقع على أرضه، باعتباره المسؤول الأول عنها. إضافة إلى تحمل مسؤولياتها تجاه المناطق المتوقع تضررها من تلك التغيرات بإتخاذ الإجراءات اللازمة للتصدي لها.

وخلال اتفاق باريس بشأن التغيرات المناخية، تم توضيح أن احتياجات مصر المالية للتغلب على مخاطر التغيرات المناخية والمساهمة في الحد من انبعاثات الغازات الدفيئة تتجاوز 70 مليار دولار، بالإضافة إلى الحاجة لتنمية وتعزيز نظم الإدارة والمتابعة والحكم. وبالرغم من مسايرة ومواكبة مصر لجلّ المؤتمرات الدولية الخاصة بالتغيرات المناخية وفي ضوء تأكيد تقارير المنظمات الدولية أن مصر ستكون من أكثر الدول تضررًا من هذا التدهور المناخي، وأن هذه الأضرار يمكن أن تصل إلى غرق أكثر من ثلث دلتا النيل نتيجة ذوبان جليد القطبين الشمالي والجنوبي ونحو مياه البحر الأبيض المتوسط، وفى حالة حدوث هذا السيناريو الكارثي سيتعين على مصر تهجير عدد يتراوح بين 15 و20 مليون نسمة، كما سيتعين عليها مواجهة تبعات فقْد أكثر من 15% من أخصب أراضيها ومنتجاتها الزراعية، إلا أن كل تلك الجهود غير ملموسة على أرض الواقع.

وتعد مصر من أولى بلدان العالم في التوقيع على الإتفاقيات الدولية الخاصة بحماية البيئة، إلا أن الواقع يشير إلى عكس ذلك فالتزام الدولة في جانب والأفراد في جانب آخر، فلم ينعكس على أرض الواقع، مما جعل مصر واحدة من أكثر دول العالم التي تعاني من التلوث بكافة أشكاله.

3-8 مجال الشراكة العالمية

تعد مصر واحدة من أهم وأقدم دول العالم في مجال الشراكة العالمية، حيث أنّها تمتلك ترسانة دبلوماسية في غالبية دول العالم. وتمتلك مصر شراكات مميزة سواء على الصعيد العالمي أو الإقليمي أو الثنائي. وبالرغم من ذلك فالأوضاع الداخلية من عدم الإستقرار السياسي والإقتصادي في فترات كثيرة أثرت سلبا على قدرة مصر على أن تكون هي الطرف الأقوى في تلك الشراكات.

وهنا يمكن القول، أن الشراكة العالمية تهدف إلى تحقيق التكامل الاقتصادي الذي يساعد البلدان على تدعيم قدرتها الإنتاجية، وتحسين قدرتها التنافسية، وتحقيقها وفورات الحجم، واندماجها في الاقتصاد العالمي. وكذلك تعزيز الشراكات بين القطاع الحكومي والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني، إضافة إلى منح أولوية عالية لدعم الجهود التنموية للدول النامية على أجندة السياسات الوطنية والجهود الدولية، على نحو يسهم فى تعبئة موارد إضافية دعمًا لتمويل التنمية ولمواجهة التحديات الناشئة فى مجالات الطاقة والأمن الغذائي وتغير المناخ وغيرها.

خاتمة

وخلاصة القول، فإن وجود استراتيجية للتنمية المستدامة تتخللها أبعاد ومحاور متنوعة بين الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، يعد أمرًا ضروريًا وحيويًا، حتى تقوم الدولة المصرية بوضع مسطرة تسير عليها ولا تحيد عنها مطلقًا. وكذلك فإنّها تساير التطورات الدولية فيما يتعلق بأهداف التنمية المستدامة التي وضعتها الأمم المتحدة. وثمة نقطة وجب التذكير بها، وهي أن وضع استراتيجية يعد أمرًا مهمًا زلكن الأهم هو تنفيذ هذه الاستراتيجية ومتابعة سيرها بطريقة تضمن تحقيق أهدافها. ولأن السير بطرق متوازية في أهدافًا شتى هو أمر بالغ التعقيد، فإن وجود مثل هذه الاستراتيجة وضمان تنفيذها، من الممكن أن يساعد الدولة على النهوض في أسرع وقت. وفي نفس السياق، وجب على القائمين عليها جعل هذه الاستراتيجية أمرًا واقعًا يتأثر به ويؤثر فيه كل أفراد المجتمع سواء بالمشاركة الفعالة أو الدعم المستمر. ومن باب نقد الذات فإن وجود مثل هذه الاستراتيجيات أمر يحتاج للتدقيق والمراجعة المستمرة من قبل الجميع حكامًا ومحكومين -خاصة على مستوى التنفيذ- بهدف التطوير وتعظيم الاستفادة وتحقيق أهدافها بالشكل الأمثل.

المراجع.
إيمان عراقي، ارتفاع الإنفاق العام على التعليم إلى 475 مليار جنيه خلال 5 سنوات، الأهرام، 8 أكتوبر 2017، 
الأمم المتحدة، (2017)، أهداف التنمـية المستدامة، جنيف 
الهيئة العامة للإستعلامات، برنامج تكافل وكرامة، القاهرة 
حساني شحات،(2017)، هل تخفض برامج الحكومة للحماية الاجتماعية من معدلات الفقر، دراسات بحثية، مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية، 19 أغسطس. 
رئاسة مجلس الوزراء (2016) ، استراتيجية التنـمية المستدامة - مصر 2030، القاهرة، متاح على الرابط 
سليمان سرحان ومحمود محمد فواز ، دراسة اقتصادية للتغيرات المناخية وآثارها على التنمية المـستدامة في مصر، المجلة المصرية للإقتصاد الزراعي عدد يونيو القاهرة ، -سبتمبر 2015 
وزارة التخطيط والمتابعة والإصلاح الإدراري، ( بدون تاريخ نشر) ، رؤية مصر 2030، جمهورية مصر العربية.
فريق الإعداد

إعداد: حازم حسانين

تدقيق لغوي: بتول سعادة

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.
تعليقات
جاري التحميل...