تأخذك إلى أعماق الفكر

قراءة نقدية لاستراتيجية التنمية المستدامة مصر 2030

مقدمة: تستمد خطة التنمية المستدامة أهميتها في ظل الظروف الراهنة التي تعيشها مصر من حالة عدم الاستقرار الاقتصادي التي تبعتها حالة فوضى سياسية واجتماعية. الأمر الذي تطلّـب إعـادة النظـر في الرؤيـة التنمويـة لمواكبـة هـذه التطـورات ووضـع أفضـل السُبل للتعامل معهـا بمـا يمكـن المجتمـع المصـري مـن النهـوض مـن عثرتـه والانتقـال إلى مصـافّ الـدول المتقدمـة وتحقيـق الغايـات التنمويـة المنشـودة للبـلاد.

ووفق ما أعلنته الحكومة المصرية من أن استراتيجيتها تبنّت مفهوم التنمية المستدامة كإطار عام يُقصد به تحسين جودة الحياة في الوقت الحاضر بما لا يخل بحقوق الأجيال القادمة في حياة أفضل، ومن ثم يرتكز مفهوم التنمية الذي تتبنّاه الاستراتيجية على ثلاثة أبعاد رئيسية تشمل البعد الاقتصادي والبعد الاجتماعي والبعد البيئي. كما ترتكز الاستراتيجية على مفاهيم «النمو الاحتوائي والمستدام والتنمية الإقليمية المتوازنة» بما يؤكد مشاركة الجميع في عملية البناء والتنمية، ويضمن في الوقت ذاته استفادة كافة الأطراف من ثمار هذه التنمية. وتراعي الاستراتيجية مبدأ تكافؤ الفرص وسد الفجوات التنموية والاستخدام الأمثل للموارد ودعم عدالة استخدامها بما يضمن حقوق الأجيال القادمة.

وعلى ضوء ما تقدم، سيتم عرض عدد من النقاط التي تهدف إلى توضيح التنمية المستدامة عالميًا من حيث الأهداف التي تبنتها الأمم المتحدة ثم العروج إلى بيان أهم محاور الخطة المصرية. يليها في ذلك عرض الموقف الراهن لأهداف التنمية المستدامة في مصر. ثم إنتهاءً بتقديم قراءة نقدية لتلك الخطة مستندة إلى التعريف بإيجابياتها وما عليها أن تتضمن حتى ترصد الجوانب الحيوية في خلل المنظومة الاقتصادية للدول المصرية.

أولًا: التنمية المستدامة عالميًا:

أصدر في 1 يناير 2016 أهداف التنمية المستدامة الـ17 لخطة التنمية المستدامة لعام 2030، التي اعتمدها قادة العالم في سبتمبر 2015. وتعمل البلدان خلال السنوات الخمس عشرة المقبلة —واضعة نصب أعينها هذه الأهداف الجديدة التي تنطبق عالميًا على الجميع — على حشد الجهود للقضاء على الفقر بجميع أشكاله ومكافحة عدم المساواة ومعالجة تغير المناخ، مع مرعاة أن الجميع يجب أن يحظى بتلك الجهود. وبالرغم من أن هذه الأهداف ليست ملزمة لأحد إلا أنها تعد أهدافًا مثلى سرعان ما جذبت انتباه الحكومات سعيًا وراء تحقيقها. وتصل هذه الأهداف إلى سبعة عشر هدفًا يحوي بين طياته 169 غاية.

وتتعدد هذه الأهداف وفق ما يعرضه الجدول رقم (1)

الهدف 1 – القضاء على الفقر بجميع أشكاله في كل مكان.
الهدف 2 – القضاء على الجوع وتوفير الأمن الغذائي والتغذية المحسّنة وتعزيز الزراعة المستدامة.
الهدف 3 – ضمان تمتّع الجميع بأنماط عيش صحية وبالرفاهية في جميع الأعمار.
الهدف 4 – ضمان التعليم الجيد المنصف والشامل للجميع وتعزيز فرص التعلّم مدى الحياة للجميع.
الهدف 5 – تحقيق المساواة بين الجنسين والتمكين لجميع النساء والفتيات.
الهدف 6 – ضمان توافر المياه وخدمات الصرف الصحي للجميع وإدارتهما إدارة مستدامة.
الهدف 7 – ضمان حصول الجميع بتكلفة ميسورة على خدمات الطاقة الحديثة الموثوقة والمستدامة.
الهدف 8 – تعزيز النمو الاقتصادي المطّرد والشامل للجميع والمستدام، والعمالة الكاملة والمنتجة، وتوفير العمل اللائق للجميع.
الهدف 9 – إقامة بُنى أساسية قادرة على الصمود، وتحفيز التصنيع الشامل للجميع، وتشجيع الابتكار.
الهدف 10 – الحد من التباين داخل البلدان وفيما بينها.
الهدف 11 – جعْل المدن والمستوطنات البشرية شاملة للجميع وآمنة وقادرة على الصمود ومستدامة.
الهدف 12 – ضمان وجود أنماط استهلاك وإنتاج مستدامة.
الهدف 13 – اتخاذ إجراءات عاجلة للتصدي لتغيّر المناخ وآثاره (مع الإحاطة علمًا بالاتفاقات التي أبرمها منتدى اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ).
الهدف 14 – حفظ المحيطات والبحار والموارد البحرية واستخدامها على نحو مستدام لتحقيق التنمية المستدامة.
الهدف 15 – حماية النظم الإيكولوجية البرّية وإعادتها إلى حالتها وتعزيز استخدامها على نحو مستدام، وإدارة الغابات على نحو مستدام، ومكافحة التصحر، ووقف تدهور الأراضي وعكس مساره، ووقف فقدان التنوع البيولوجي.
الهدف 16 – التشجيع على إقامة مجتمعات مسالمة لا يُهمّش فيها أحد من أجل تحقيق التنمية المستدامة، وإتاحة إمكانية لجوء الجميع إلى القضاء، وبناء مؤسسات فعالة وخاضعة للمساءلة وشاملة للجميع على جميع المستويات.
الهدف 17 – تعزيز وسائل التنفيذ وتنشيط الشراكة العالمية من أجل تحقيق التنمية المستدامة.

 

ثانيًا: أهداف التنمية المستدامة وفق رؤية مصر 2030 (الأبعاد والمحاور).

تتمثل رؤية الدولة المصرية من قيامها بخطة التنمية المستدامة في أن تصبح ذات اقتصاد تنافسي ومتوازن ومتنوع يعتمد على الابتكار والمعرفة، قائمة على العدالة والإندماج الاجتماعي والمشاركة، ذات نظام إيكولوجي متزن ومتنوع تستثمر عبقرية المكان والإنسان لتحقق التنمية المستدامة وترتقي بجودة حياة المصريين.

إعلان

وتتعد الأبعاد والمحاور التي تقوم عليها هذه الخطة كما يوضحها الشكل رقم (1) والشكل رقم (2). وتتضمن فيما بينها عدة محاور في داخل كل بعد، وفي مقدمتها البعد الاقتصادي.

المحور الأول: التنمية الاقتصادية فبحلول عـام 2030 يكـون الاقتصـاد المـصري اقتصـاد سـوق منضبـط يتميـز باسـتقرار أوضـاع الاقتصـاد الـكلي، وقـادر عـى تحقيـق نمـو احتـوائي مســتدام، ويتميــز بالتنافســية والتنــوع ويعتمــد عــى المعرفــة، ويكــون لاعبًـا فاعـلًا في الاقتصــاد العالمــي، قــادرًا عــى التكيــف مــع المتغــرات العالميـة، وتعظيـم القيمـة المضافـة، وتوفـر فـرص عمـل لائـق ومنتـج، ويصـل نصيـب الفـرد مـن الناتـج المحلـي الإجـمالي الحقيقـي إلى مصـافّ الـدول ذات الدخـل المتوسـط المرتفـع.

ويختص المحور الثاني بالطاقة ليصبح قطـاع الطاقـة قـادرًا عـى تلبيـة كافـة متطلبـات التنميـة الوطنيـة المسـتدامة مـن مـوارد الطاقـة وتعظيـم الاسـتفادة الكفؤة مـن مصادرهـا المتنوعـة (تقليديـة ومتجـددة) بمـا يـؤدي إلى المسـاهمة الفعالـة في تعزيـز النمـو الاقتصـادي والتنافسـية الوطنيـة والعدالـة الاجتماعيـة والحفـاظ عـى البيئـة مـع تحقيـق ريـادة في مجـالات الطاقـة المتجـددة والإدارة الرشـيدة المسـتدامة للمـوارد، ويتميّـز بالقـدرة عـلى الابتـكار والتنبـؤ والتأقلـم مـع المتغيـرات المحليـة والإقليميـة والدوليـة في مجـال الطاقـة وذلـك في إطـار مواكبـة تحقيـق الأهـداف الدوليـة للتنميـة المستدامة.

فيما ينصرف المحور الثالث: المعرفة والابتكار والبحث العلمي لأن تصبح مصـر مجتمـع مبـدع ومبتكـر ومنتـج للعلـوم والتكنولوجيـا والمعـارف، يتميـز بوجـود نظـام متكامـل يضمـن القيمـة التنمويـة لابتـكار والمعرفـة، ويربـط تطبيقـات المعرفـة ومخرجـات الابتـكار بالأهـداف والتحديـات الوطنيـة.

ويهتم المحور الرابع بالشفافية وكفاءة المؤسسات الحكومية: حيث التركيز على رفع كفاءة الجهــاز الإداري وتعظيم فعاليته بما يحســن إدارة مــوارد الدولــة ويتســم بالشــفافية والنزاهــة والمرونــة ويخضــع للمســاءلة ويعــي مــن رضــاء المواطــن ويتفاعــل معــه ويســتجيب لــه.

ويتضمن البعد الاجتماعي عدة محاور أيضًا في مقدمتها المحور الخامس الخاص بالعدالة الاجتماعية، الذي يستهدف بنــاء مجتمــع عــادل متكاتــف يتميــز بالمســاواة في الحقــوق والفــرص الاقتصاديــة والاجتماعيــة والسياســية وبأعـلـى درجــة مــن الاندمــاج المجتمعــي، مجتمــع قــادر عــى كفالــة حــق المواطنـين في المشــاركة والتوزيــع العــادل في ضــوء معاييــر الكفــاءة والإنجـاز وسـيادة القانـون، ويحفـز فـرص الحـراك الاجتماعـي المبنـي علـى القـدرات، ويوفّـر آليـات الحمايـة مـن مخاطـر الحيـاة، ويقـوم عـلى التــوازي بمســاندة شرائــح المجتمــع المهمشــة ويحقــق الحمايــة للفئــات الأولى بالرعايــة.

كما يُعنى المحور السادس بالصحة ليكفل لكافة المصرييـن الحـق في حيـاة صحيـة سـليمة آمنـة مـن خـلال تطبيـق نظـام صحـي متكامـل يتميـز بالإتاحـة والجـودة وعــدم التمييــز، وقــادر عـلـى تحســين المــؤشرات الصحيــة عــن طريــق تحقيــق التغطيــة الصحيــة والوقائيــة الشــاملة والتدخــل المبكــر لكافــة المواطنـين بمـا يكفـل الحمايـة الماليـة لغيـر القادريـن ويحقـق رضـا المواطنيـن والعامليـن في قطـاع الصحـة لتحقيـق الرخـاء والرفاهيـة والسـعادة والتنميـة الاجتماعيـة والاقتصاديـة ولتكـون مـصر رائـدة في مجـال الخدمـات والبحـوث الصحيـة والوقائيـة عربيًا وإفريقيًّـا.

شكل رقم (1) أهداف التنمية المستدامة في مصر

ويسعى المحور السابع (التعليم والتدريب) إتاحــة التعليــم والتدريــب للجميــع بجــودة عاليــة دون تمييــز، وذلك في إطــار نظــام مؤسسي، كــفء وعــادل، ومسـتدام، ومـرن. وأن يكـون مرتكـزًا عـلى المتعلـم والمتـدرب القـادر عـلى التفكـر والمتمكـن فنيًا وتقنيًا وتكنولوجيًا، وأن يسـاهم أيضًا في بنـاء الشـخصية المتكاملـة وإطـلاق إمكاناتهـا إلى أقصـى مـدى لمواطـن معتـز بذاتـه، ومسـتنر، ومبـدع، ومسـؤول، وقابـل للتعدديـة، يحـترم الاختلاف، وفخـور بتاريـخ بـلده، وشـغوف ببنـاء مسـتقبلها وقـادر عـى التعامـل تنافسـيًا مـع الكيانـات الإقليميـة والعالميـة.

ويعول على المحور الثامن (الثقافة) بنـاء منظومـة قيـم ثقافيـة إيجابيـة في المجتمـع المصـري، تحترم التنـوع والاختلاف وعـدم التمييـز. وتسـتهدف الرؤيـة تمكيـن المواطـن المصـري مـن الوصـول إلى وسـائل اكتسـاب المعرفـة وفتـح الآفـاق أمامـه للتفاعـل مـع معطيـات عالمـه المعـاصر، وإدراك تاريخـه وتراثـه الحضـاري المصري، وإكسـابه القـدرة على الاختيـار الحـر، وتأميـن حقـه في ممارسـة وإنتـاج الثقافـة. على أن تكـون العنـاصر الإيجابيـة في الثقافـة مصـدر قـوة لتحقيـق التنميـة، وقيمـة مضافـة للاقتصـاد القومـي، وأساسـًا لقـوة مصـر الناعمـة إقليميـًا وعالميـًا.

شكل رقم (2) أبعاد إستراتيجية مصر للتنمية المستدامة 2030

ويأتي البعد البيئي ثالثًا متضمنًا المحور التاسع (البيئة) ليكون محـورًا أساسـيًا في كافـة القطاعـات التنمويـة والاقتصاديـة بشـكل يحقـق أمـن المـوارد الطبيعيـة ويدعـم عدالـة اسـتخدامها والاسـتغلال الأمثـل لهـا والاسـتثمار فيهـا وبمـا يضمـن حقـوق الأجيـال القادمـة فيهـا، ويعمـل عـى تنويـع مصـادر الإنتـاج والأنشـطة الاقتصاديـة، ويسـاهم في دعـم التنافسـيّة، وتوفيـر فـرص عمـل جديـدة، والقضـاء عـلى الفقـر، وتحقيـق عدالـة إجتماعيـة مـع توفير بيئـة نظيفـة وصحيـة وآمنـة للإنسـان المصـري.

ويشتمل المحور العاشر (التنمية العمرانية): حيث تتمتع مصر بمسـاحة أرضهـا وحضارتهـا وخصوصيـة موقعهـا قـادرة عـلى اسـتيعاب سـكانها ومواردهـا في ظـل إدارة تنميـة مكانيـة أكـثر توازنـًا وتلبـي طموحـات المصرييـن وترتقـي بجـودة حياتهـم.
ويوضح الجدول رقم (2) الأهداف التي تسعى إليها الدولة المصرية على صعيد كل متغير من متغيرات التنمية وفي مقدمتها النمو الاقتصادي والفقر والتضخم والبطالة والتنافسية، وغيرها.

جدول رقم (2)

ثالثًا: قراءة نقدية في بعض أهداف التنمية المستدامة مصر 2030.

3-1 على صعيد النمو الاقتصادي

قد شهد عام 2015 تحسن في معدل النمو الاقتصادي وصل إلى 4.2% ثم إلى 4.37 و4.5 عامي 2016 و2017 على الترتيب بحسب بيانات البنك الدولي. وذلك بعد سنوات من تراجع النمو الاقتصادي نتيجة للظروف السياسية الداخلية، التي تراجع على أثرها النشاط الاقتصادي في القطاعات الرائدة والمحركة له خاصة الصناعي منها وعدم عودة السياحة للوضع المأمول قبل الثورة، وكذلك عدم الثقة في المناخ الاستثماريّ على الرغم من توجه الدولة نحو مشروعات البنية التحيتة ذات العائد طويل الأجل. إضافة إلى أزمة تحرير العملة في الآونة الأخيرة وما استتبعها من ارتفاع تكلفة الإنتاج وإحجام بعض الإستثمارات المحلية عن الدخول في السوق حاليًا، والظروف الإقليمية غير المواتية.

من هنا تهدف استراتيجية التنمية المستدامة وبحسب الجدول رقم (2) إلى الوصول بمعدل النمو الاقتصادي إلى 105 عام 2020 ثم إلى 12% عام 2030. إلا أن هذه الاستراتيجية لم تُفصح عن كيفية تكوين هذا النمو، خاصة وأن الاقتصاد المصري يعاني خلالًا هيكليًّا مزمنًا، جعله يترنح تارة أمام تلك الإختلالات، وتارة أخرى تأثره بالانكشاف على الاقتصادات الإقليمية والدولية التي كان لازماتها وقع شديد على النمو في مصر. وعليه، فإن هذه الاستراتيجية لم تفصح عن آليات علاج الخلل الهيكلي المزمن. وكذلك لم تبين سبل الحد من درجة الانكشاف على العالم الخارجي سواء على مستوى تقليل أثر صدماته أو الحد من التبعية له.

3-2 نسبة الفقر والفقر المدقع

والذي سجل 26.3 % عام 2015 وتستهدف الخطة ارجاعه إلى 23% عام 2020، ثم إلى 15 % عام 2030. بينما سجلت نسبة الفقر المدقع 4.4% عام 2015 ثم إلى 2.5 عام 2020 وصولًا إلى الصفر بحلول عام 2030. إلّا أن الدلائل تشير إلى السير في الطريق المعاكس ولا تنذر بالسير في اتجاه تحقيق أهداف الخطة الموضوعة. فقد وصل الفقر في مصر عام 2017 إلى ما يزيد عن 27%. إلا أنّه يوجد جهود أولية مثل “برنامج تكافل وكرامة” الذي يعد من البرامج المهمة التى تستهدف مكافحة الفقر، حيث يعالج برنامج تكافل الجوانب الصحية والتعليمية لتلك الأسر، بينما يُقدم برنامج كرامة مساعدات مالية للفئات الفقيرة من كبار السن والمعاقين.

إعلان

أفادك المقال؟ شاركنا رأيك في التعليقات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.

فريق الإعداد

إعداد: حازم حسانين

تدقيق لغوي: بتول سعادة

تعليقات
جاري التحميل...