تأخذك إلى أعماق الفكر

هل نعيش فعلًا في أكوانٍ متعددة؟

حوار مع شون كارول

في الستّينات، كتب الفيزيائي ريتشارد فاينمان: “أعتقد أنني يمكن أن أقول بأمانٍ أنه لا أحد يفهم ميكانيكا الكم”. وحتى اليوم، ما زال الوضعُ على ما هو عليه، علماء الفيزياء يستخدمون ميكانيكا الكم يوميًا في تحقيق إنجازاتٍ ملموسةٍ على أرضِ الواقع، من قبيل اكتشاف بوزون هيغز، وفي الطريق هناك أجهزة الكمبيوتر الكمومية. بالرغم من ذلك، فإنّه لو صادفت يومًا أحدَ هؤلاء العلماء وخطر ببالك أن تسألَه عمّا تخبرنا تلك المعادلات الكمية عن واقعنا الذي نعيش فيه؟ أعدك عزيزي القارئ أنّك حينها لن تحصل على إجابةٍ قاطعةٍ تُرضي فضولك.

وبحسب اعتقاد عالم الفيزياء الشهير في جامعة كالتيك “شون كارول“، فإن زملاءه قد بالغوا كثيرًا في تأجيل التفكير المنطقي في المعنى الحقيقي لميكانيكا الكم، وبحسب ما سطره في مقدمة أحدث كتبه “شيء مخفي بعمق“: “يميل الفيزيائيون إلى التعامل مع ميكانيكا الكم كما لو أننا بصدد روبوت طائش، يؤدّي مهامًا معينة، من دون أن يحظى بالحبِّ والعناية كفردٍ من أفراد الأسرة”.

على وجه الخصوص، يعترض كارول على النهج السائد لميكانيكا الكم، الذي يعرف رسميًا باسم “تفسير كوبنهاجن”، وبشكلٍ غير رسمي باسم “اصمت واحسب”، وتستهويه فكرة قديمة يعود عمرها إلى خمسةِ عقودٍ مضت، ألا وهي الفكرة التي بلغت شهرتها الآفاق، فكرة “العوالم المتعددة“، والتي انطلقت من قاعات الدرس ومعامل الفيزياء إلى رحاب الخيال العلمي الواسع ثم إلى صميم الثقافة الشعبية. تفتّقت فكرة “العوالم المتعددة” لأول مرة في ذهن الفيزيائي “هيو ايفرت“، حين بدا له الكون وكأنه مجموعة متغيرة من الأرقام، تتطوّر وفقًا لمعادلةٍ واحدة يُطلَق عليها في عالم الفيزياء اسم “دالة الموجة“. وفقًا لفكرة العوالم  المتعددة، ينقسم الكون باستمرار إلى فروعٍ جديدة، تشمل إصدارات متعددة من أنفسنا، يعتقد “كارول” أنّ فكرة العوالم المتعددة لا تزال تمثل -حتى يومنا هذا- أبسط تفسير ممكن لميكانيكا الكم.

وفي الحوار التالي الذي نُشر على موقع “WIRED“، أجاب الرجلُ عن سلسلةٍ من الأسئلة المحورية حول طبيعة الواقع، كما يبدو من خلال فكرة العوالم المتعددة:

شون كارول

ما هو الواقع من وجه نظركم؟

كارول: أفضل إجابة يمكن أن نعطيها هي أن الواقع هو متّجه في “فضاء هيلبرت”، هذه هي الطريقة التقنية للقول بأن الواقع يوصف بدالّة موجة ميكانيكية كمية واحدة.

إعلان

حسنًا، هذا شيءٌ مجرّد، هل يمكنك إمدادنا بتصوّرٍ أقرب إلى أذهان القرّاء؟

أنا وأنت وجميعُنا نلاحظ الطاولات والكراسي والناس والكواكب وهي تتحرك في المكان والزمان، أو بحسب ما جاء به آينشتاين “هم يتحرّكون في نسيجِ الزمَكان”، تقول ميكانيكا الكم أنه لا توجد أشياء مثل الطاولات والكراسي، بل هناك شيء اسمه دالة الموجة. وصفنا الكلاسيكي للعالم هو مستوى أعلى، طريقة تقريبية للحديث عن دالة الموجة، ووظيفة الفيزيائيين والفلاسفة هي أن يجيبوا على السؤال التالي: “إذا كنا نعيش في عالمٍ هو مجرد دالة موجة، لماذا إذن يبدو أن هناك أشخاص وكواكب وطاولات وكراسي؟”، للأسف، لم يتّفقْ الجميعُ على تفسيرٍ واحدٍ لتلك المعضلة حتى اليوم.

إذاً، دعنا نتحدّث عن فكرة العوالم المتعددة، ماذا تعني؟

ما تدّعيه ميكانيكا الكم، أن الإلكترون يمكن أن يكون في تراكبٍ لجميع المواقع الممكنة؛ فلا يوجدُ شيء اسمه موضع الإلكترون، لكنّك عندما تراقب الإلكترون، تراه في موقعٍ واحد، هذا هو اللغز الأساسي لميكانيكا الكم، ما يحدث في غياب المراقب يختلف تمامًا عن الوضع القائم في وجوده.

وفكرة العوالم المتعددة تقوم على أننا يجب أن نتعاملَ معك، عزيزي المراقب، كنظام ٍميكانيكي كمّي متفرد. أنت مصنوع من جزيئات ميكانيكية كمية أيضًا، فما الذي يحدث عندما تكون أنت -عزيزي المراقب- باحثًا عن الإلكترون؟ حينها كان الإلكترون في حالة تراكب، يحتلّ العديد من المواقع الممكنة.

وفي اللحظة التي تنظُر فيها إلى ذلك الإلكترون المراوغ، تتطور أنت والإلكترون إلى نظامٍ مشترك، تصبح أنت والإلكترون في حالة تراكب، يتكوّن ذلك التراكب من: الإلكترون الموجود هنا، وأنت الذي تراه هنا، بالإضافة إلى ذلك الإلكترون الذي يجري هناك، وأنت الذي تراه هناك، وهلم جرًّا. كانت خطوة “هيو إيفريت” الرائعة هي القول بأن الأجزاء المختلفة من التراكب موجودة دومًا، الأمر المثير فقط أنّهم موجودون في عوالمٍ منفصلةٍ غير متفاعلة.

هيو ايفرت

كما لو أنّك ترمي بعملةٍ معدنيةٍ في الهواء، لو سقطت العملة على وجهها ستحصل على مليون دولار، وخلاف ذلك ستنال حُكمًا بالإعدام. فكرة “العوالم المتعددة” تقول أنه بمجرد أن تقذف العملةَ في الهواء وتبدأ في الدوران حول نفسها، فإن كلا العالمين موجودان.

أتّفق معك جزئيًا، تتفرّع العوالم وتتعدّد عندما تقوم بذلك على مقاييس الكم، وليس في حالة رمي العملات. لكن دعنا ننظر إلى روح السؤال، نعم، عندما يصبح المراقب العياني متشابكًا مع نظامٍ كميّ مجهريّ في تراكب، وحينها يتفرع العالم.

ولأنّ للكون فروعًا؛ فلابد أن هناك نسخ مختلفة مني ومنك، بعضها قد يكون ميتًا، هل هذا يزعجك؟

في طفولتي، كنت قلقًا، أسألُ نفسي باستمرار “ماذا لو لم يكن العالم موجودًا على الإطلاق؟” أصابني ذلك بالأرق، ولكن فكرة “العوالم المتعددة” لم تثر في نفسي مخاوفًا وجودية. في كتابي الأخير “شيء مخفي بعمق، أتحدّث عن الهوية، وكيف يمكننا أن نجعلَ وجود نسخٍ متعدّدة منّا أمرًا منطقيًا، هل “هم” حقًا “نحن”؟ هل يجب أن أهتم بهم؟ أعتقد دائمًا أن الجوابَ المناسبَ هو أنّه يجب علينا أن نتصرف في عالمنا تمامًا كما لو أن تلك العوالم ليست موجودة، متجاهلين بذلك ما لدينا من براهين رسمية تقوم على بعض الافتراضات التي تقول أن هذا صحيح.

حقًا، لا شيء من هذا يزعجك؟

انظر، نحن نعلم أن كوننا -القابل للملاحظة- يبدو  ممتدًّا إلى مليارات السنين الضوئية، بالطبع ذلك هو الحد الذي يمكننا رؤيته بوسائلنا الحالية، وربّما يكون الكون ممتدًا بلا حدود، فإذا كان كوننا كذلك، ويبدو متماثلًا في كلِّ مكان، أليس من شأن ذلك أن يضمن نسخًا لا نهائيّة من شيءٍ مثلك تمامًا موجودة هناك؟ هل يزعجني هذا؟ أنا لن أقابل هولاء الناس القاطنين في تلك العوالم، ولن أتحدّثَ إليهم، لدي أشياء أخرى لأقلق بشأنها. أقول لك مرةً أخرى هذه العوالم -أو بصورةٍ أخرى- تلك “الفروع الأخرى من دالة الموجة” لا أستطيعُ التفاعلَ معهم، أتمنى لهم الخير، هذا كل ما يمكنني قوله.

إذًا، ما الفائدة من فكرة العوالم المتعددة؟

هي فقط تعيننا على فهم الواقع، الأمرُ ليس شخصيًا، ولا يجب أن يكون كذلك. إن فكرة “العوالم المتعدّدة” تساعدنا على فهم الكيفية التي يعمل بها الواقع على مستوى عميق، ليس الأمر أننا نرى تلك العوالم الموجودة هناك، بل هي مجرّد طريقة بسيطة لفهم البيانات التي حصلنا عليها من تجارب عديدة.

أين هي تلك العوالم؟

لا يوجدُ شيءٌ اسمه “أين هي تلك العوالم”، بعض الأشياء ليس لها مواقع؛ مثلًا  أين يقع عالمنا؟ الكون ليس من النوع الذي له موقع، كأنني أسالك “أين تقع الصداقة؟”، أو “أين يوجد الرقم 5؟”، تلك العوالم موجودة في نفس الوقت مثل عالمنا.

تتحدّث في كتابك عن نظرات التهوين والاستخفاف التي واجَهَتها فكرة العوالم المتعددة، خصوصًا من قِبَل المشرف على رسالة الدكتوراه الخاصّة بمؤسس الفكرة دكتور “ايفرت”؛ لأنها بدت حينها على خلافٍ مباشرٍ مع الفيزياء السائدة، هل شعرت أنت أيضًا من قَبل بالنبذ أو الرقابة من قِبَل بقيّة المجتمع الفيزيائي؟

“منبوذ”، و”خاضعٌ للرقابة”، تلك ليست الكلمات الصحيحة، ربما فقط بعضًا من التجاهل بالتأكيد. لقد قيل لي: “عندما تتقدّم بطلبٍ للحصول على مِنَح، لا تخبرهم بأنك تعمل على أسسِ ميكانيكا الكم”، البعض لا ينظُر إليها على أنها فيزياء ذات شأن، وهي أيضًا ليست شيئًا تريد الوكالات الحكومية أن تعطيك المال لتعمل عليه.

معظم الناس لا يقضون الكثير من الوقت في التفكير فيما هو الواقع، متى بدأتَ أنت في ذلك؟

استغرقَ الأمرُ منّي بعضَ الوقت لمعرفة أن الواقع -كما تصفه ميكانيكا الكم- هو أغرب بكثير من الانفجار الكبير والثقوب السوداء وأشياء من هذا القبيل، لم أبدأ في التفكير بهذه الطريقة إلا بعد دخولي إلى الجامعة، لكن اهتمامي بالفيزياء يعود إلى سنِّ العاشرة، حينها كنتُ منجذبًا باستمرارٍ لأكبرِ الأسئلة الممكنة، لا، لم أكن مهتمًا أبدًا بكيفيّة عمل الهاتف.

لِمَ لا؟

حين تفهم طريقة عمل الهواتف، فإنَّ ذلك لن يساعدَك كثيرًا -برأيي- في معرفة الكثير عن كيفية عمل أجهزة الراديو أو السيارات أو أشياء أخرى من هذا القبيل، في حين أن فهم الواقع ينطبق على كل شيء.

من هو شون كارول

شون مايكل كارول (المولود في 5 أكتوبر 1966) هو واحدٌ من أشهر علماء الفيزياء المعاصرين المتخصصين في ميكانيكا الكم والجاذبية وعلم الكونيات، لا سيما مع ظهورِه اللافت عبر العديد من البرامج التلفزيونية، وعبر وسائل التواصل الاجتماعي، يشغل كارول منصب أستاذ باحث في معهد والتر بيرك للفيزياء النظرية في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا، تتوزّع مقالاتُه التي تُعنى في المقام الأول بتبسيط العلوم على كبرى المجلّات العلمية مثل nature and New scientist، والصحف الشعبية مثل نيويورك تايمز، كما ألّفَ العديدَ من الكتب الشهيرة في مجال البوب ساينس مثل:

  • كتاب “من الخلود إلى هنا” From Eternity to Here عن سهم الزمن.
  • “الجسيمات في نهاية الكون” The Particle at the End of the Universe حول بوزون هيجز.
  • “الصورة الكبيرة: على أصول الحياة، والمعنى والكون نفسه”  The Big Picture: On the Origins of Life, Meaning, and the Universe Itself عن علم الوجود.
  • “شيء مخفي بعمق” حول أسس ميكانيكا الكم.

بالإضافة إلى كتاب “Spacetime and  Geometry”، وهو كتابٌ مدرسيّ على مستوى الدراسات العليا في النسبية العامة، ومجموعة من الدورات المتخصصة في علم الكونيات، وفيزياء الزمن، وبوزون هيجز.

كما ظهَرَ بشكلٍ لافتٍ على العديد من السلاسل التلفزيونية الوثائقية، مثل: “الكون” the universe، و”عبر الثقب الدودي” through the wormhole مع مورغان فريمان، والبرنامج التلفزيوني “أقرب إلى الحقيقة” closer to the truth . ومنذ عام 2018  بدأ كارول في بث البودكاست الشهير “Mindscape”، والذي يبثُّ من خلالِه بشكلٍ دوريّ العديدَ من المقابلات مع خبراءٍ ومفكرين آخرين من طيفٍ متنوعٍ من التخصصات، بما في ذلك علم الاجتماع، والفلسفة، والثقافة، والفنون، والأفكار بشكلٍ عام.

في النهاية، نترككم مع هذا الفيديو الذي يتحدث فيه شون كارول باستفاضةٍ عن مفهوم العوالم المتعددة:

المصادر
https://www.wired.com/story/sean-carroll-thinks-we-all-exist-on-multiple-worlds
https://en.wikipedia.org/wiki/Sean_M._Carroll

إعلان

أفادك المقال؟ شاركنا رأيك في التعليقات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.

فريق الإعداد

إعداد: زكريا أحمد عبد المطلب

تدقيق لغوي: سلمى عصام الدين