نجيب محفوظ بعد رواية “أولاد حارتنا” ملحد أم مبدع؟

رواية “أولاد حارتنا” تلك الرواية التي جلبت لنجيب محفوظ الهجوم عليه من كل الجهات صحافة وأزهر، ومُنِع من رقابة الدولة والحكومة والتي وصل فيها الأمر إلي هدر دمائه وتحليل قتله ليتعرض في العام 1994 لمحاولة اغتيال أمام باب العقار الذي كان يسكن فيه علي يد إحدى الجماعات المتطرفة والذي اعترف أحد منفذيها بعد القبض عليه والتحقيق معه بأنه لم يقرأ حرفًا واحدًا بها حتى ولا يعرف ما تحويه تلك الصفحات وإنما كان ينفذ فقط ما أمره به قائده، وكما جلبت له كل هذا السخط والاتهامات بالإلحاد جلبت له مع مجموعة أخري من أهم أعماله جائزة نوبل للأدب التي أعلنت قائمة تلك الأعمال التي تمت مراجعتها لجنة الجائزة وقد تسلمتها ابنته بدلًا عنه قبل محاولة اغتياله ليصبح أول روائي عربي يحصل عليها حتى يومنا هذا .

لكننا اليوم لن نتحدث عن كل تلك الأشياء التي ملأت الصحف والجرائد لسنوات وحلقات النقاش في التلفاز والندوات ولا عن منعها للنشر في مصر لتقوم بنشرها دار الآداب اللبنانية ببيروت وتعود الرواية إلي وطن صاحبها بعد أربعين عامًا من المنع علي صفحات دار الشروق عام 2006، بل سنتحدث عن الرواية نفسها التي لم يقرأها الذي حاول اغتيال محفوظ لنري إذا كانت تستحق كل تلك الضجة أم لا والتي ما زالت مستمرة حتى بعد موت صاحبها بأكثر من اثني عشر عامًا ، حيث السؤال الأزلي للبعض

هل نجيب محفوظ في رواية “أولاد حارتنا” ملحد أم مبدع ؟

الأسلوب

في رواية أولاد حارتنا يستخدم محفوظ أسلوب العربية الفصحى البسيطة الممزوجة بكلمات وتعبيرات من العامية التي سمي بها معظم شخصيات روايته لتعيش معه تفاصيل الحارة الشعبية والذي تتواجد في معظم رواياته وأعماله بعيدًا عن الإسفاف الذى يستخدمه بعض الكتاب هذه الأيام من ألفاظ عامية غير مناسبة، ولقد تميز محفوظ بذلك الأسلوب ليس فقط علي أبناء جيله ولكن حتى على أولئك الكتاب الذين أتوا من بعده ولم يستطيعوا نسخ هذا الأسلوب بطريقته المميزة دون تشويه.

أولاد حارتنا

شخصيات أولاد حارتنا

الجزء الأول:

في هذا الجزء يطل علينا بشخصية “الجبلاوي” الذي لا يعلم أحد كيف أتى ولا متى إلى هذا المكان الذي تواجد فيه أول واحد قبل أي شخص آخر وهو أيضًا الأب صاحب الوقف والبيت الكبير والحديقة التي فيها إسقاط على الجنة، يجمع أبناءه في أحد الأيام ليخبرهم عن وريثه في إدارة الوقف وأمواله والذي يعرف الجميع من قبل أن ابنه الأكبر “إدريس” هو الوحيد المستحق لهذا الشرف لكنه يخذلهم جميعًا ويختار “أدهم” ابن الجارية السمراء فيرفض إدريس ويقف عاصيًا أباه لأول مرة فيطرد من البيت ونعيمه؛ فيقرر الانتقام من أدهم ويظل يوسوس له حتى يطرد هو الآخر مع زوجته بعد أن يسقط في معصية لا تغتفر قد حذر الأب الجميع من الوقوع فيها، وتستمر حكاية “أولاد حارتنا” في سرد قصة سيدنا آدم لنهايتها في إسقاط واضح علي أدهم وإدريس كآدم وإبليس.

إعلان

الجزء الثاني:

هنا ينتقل بنا محفوظ إلى “حارة حمدان” والتي يحكمها الفتوات الذين يعملون لدى ناظر الوقف المعين من الجد الجبلاوي وتتتابع الأحداث شيئًا فشيئًا ليحن “جبل”، الطفل الذي أخذته زوجة الناظر وربته في بيتها بعد أن مات أبوه وأمه، إلي أصله وعائلته فتتابع الأحداث ويقتل فتوة كان يريد قتل أحد أبناء جلدته ومن ثم يهرب ويكمل محفوظ بقية قصة سيدنا موسى وفرعون ولكن باختلاف الأماكن والأسماء والمهن.

الجزء الثالث:

الآن توقعت منه أن يكون الإسقاط على قصة سيدنا عيسى ابن مريم؛ فإذا فعلت ذلك فأنت محق. يتعمق هنا محفوظ في شخصية المسيح لتتعرف على جوانب جديدة تجعلك تحب “علي” الرسول المسالم والمحب وتحترمه وتظل وتيرة الأحداث تتسارع وتجذبك معها برغم علمك بحبكة القصة وأصلها.

الجزء الرابع :

“قاسم” وهنا تبدأ الوتيرة في خفوت حدتها قليلًا فقصر الصفحات والمساحة لم تسعف محفوظ في الإلمام الكامل لأحداث حياة سيدنا محمد على عكس ما حدث في الأجزاء الأخرى ولكنه استطاع بقدر الإمكان المرور على أهمها وتوضح فكرته في اختلاف الشخصيات بين سيدنا موسى وعيسى ومحمد وكيف أن أسلوب سيدنا محمد هو الأنسب للجميع فلا يمكن أن يسود العدل دون وجود القوة التي تحميه والمبادئ التي تحصنه من الزوال.

الجزء الخامس والأخير:

يظل الجميع يتساءل أين الجد الجبلاوي وهل مات وهل ظهر فعلًا لجبل وحدثه وهل أمر خدمه بإعادة جثة رفاعة ودفنها داخل حديقة البيت الكبير وهل هو حقًا من أمر قاسم ليحارب الظلم ويسترد حق أهل الحارة جميعًا دون أي استثناء لأحد وإذا كان كذلك فلماذا لم يأمر هو الناظر ويرد كل تلك المظالم بكلمة واحدة منه؟ الكثير والكثير من الأسئلة التي تمر على مسامع عرفة ذاك الساحر العائد إلى الحارة جديدًا ليحل مشاكل الجميع بسحره ولكنه من دون قصد منه يقتل الجد الجبلاوي وتتابع الأحداث لتجبره الظروف للتحالف مع الناظر لحمايته من أهل الحارة الذين ظنوا به السوء فيصنع له السلاح الذي يقتل به الفتوات ويخضع أهل الحارة جميعًا لأمره وحكمه خوفًا وذلًا .

قد يُعجبك: أولاد حارتنا .. الرواية المُحرمة وإشكاليات القراءة

الحبكة والنهاية

لا شك أن محفوظ أتقن الإمساك بأحداث روايته واستطاع بأدواته اللغوية والأدبية أن يجعل من حكايات العالم الكبير الذي نعيش به حكاية صغيرة لحارة واحدة تمتد بين أجيال مختلفة ومتتابعة تجعلنا نفكر كثيرًا وطويلًا وراء تلك الكلمات الصغيرة والبسيطة التي تمس أكبر مشكلاتنا وهمومنا، والتي جعلت من حبكته متقنة ومتماسكة ومتوازنة في بداياتها وخفت وتيرة أحداثها في المنتصف ومن ثم النهاية التي صدم بها قارئه فجعله يفكر حتى بعد إغلاق وإنهاء صفحاتها.

ملحد أم مبدع

إذا نظرت إلى شخصية الجبلاوي على أنها رمز للإله فأنت بالتأكيد لن تري نجيب محفوظ سوى ملحد قد تطاول إلى الحد الذي لا يمكن السماح به أو الغفران معه، أما إذا نظرت لشخصية الجبلاوي على أنها رمز للدين كما أكد محفوظ نفسه خلال العديد من اللقاءات فأنك ستراه مبدعًا حاول أن يناقش قضايا خطيرة ومحرمة بطريقة مبسطة وعميقة يفهمها العامة البسطاء قبل النخب المثقفة والمتعمقة.

وبعيداً عن هذا وذاك يجب عليك أولًا أن تقرأ قبل أن تطلق أحكامًا بناءً على ما هو منتشر بين المجتمع. ليس فقط فيما يخص تلك الرواية ولكن أيضًا في كل شيء من حولك فلا تقتل شيئًا لم تقرأه أو تقربه وإلا أصبحت لعبة لا أكثر في يد الآخرين. كن حرًا في آرائك حتى وإن خالفت الجميع طالما أنت مؤمن بها ولا تؤذي بها أحدًا.

اقرأ أيضًا: ملحمةالحرافيش: نجيب محفوظ عن المهدي المنتظر

إعلان

فريق الإعداد

تدقيق لغوي: ندى حمدي

تدقيق علمي: دينا سعد

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

اترك تعليقا