تأخذك إلى أعماق الفكر

من اللا معنى إلى المعنى، مقدمة قصيرة جدًا

هل كانت الفلسفة تستحق منّا عناء ساعة واحدة، إن هي لم تساعدنا على أن نكون سعداء؟ لقد تفشّت كراهية، صوّرت لنا الفلسفة على أنها محض نظريّة مجرّدة وعويصة، لا صلة لها بالحياة العمليّة، في حين أنّ معظم الفلاسفة، إن لم يكونوا كلّهم، فهموها وفكّروا فيها على أنّها فنّ حياة، وحكمة بالفعل. وهي لا تكتفي بتنمية النظر المتبصّر للعالم والفعل، بل تضطر إلى ضرب من ضروب التّصرف، لكي تترجم ذلك عمليًّا.

لقد اضطررت إلى اقتباس هذا النص من كِتاب ” دروسٌ في السعادة ” لأني وجدتُ فيه استهلالًا لا بأس بهِ في سبيلِ المسألة التي أنا في صدد الحديث عنها الآن. ولكن حقًا هل استحقت مِنا الفلسفة كل هذا العناء؟ وهل نتائجها كانت ضرورية لكي نصل اليوم إلى عصر ما بعد الحداثة وبمعنى آخر لو أجتثثنا الإسهامات الفلسفية من تاريخ الإنسانية فعلامَ نحصل؟ والسؤال الأخير الذي أود طرحه هو في ما يتعلق بنقيض الفلسفة، ما هو؟ إلى ما يؤدي ؟ وما هي نتائجه ؟ لقد أقر نيتشه أن نقيض المسيح هو زرادشت لكن هل للفلسفة حقًا من نقيض؟

لقد مرَت على التأريخ الإنساني ظروف لم تكن لتخطر لنا لولا أننا حقًا عرفناها من نصوص التاريخ لما فيها من الدهشة والغرابة ما يثير معه حفيظة الجنس البشري على تأريخ أسلافهِ السابقين ورُبما يثير كراهيتُه لهُم على نحوٍ ما، وكل هذا يعود إلى التحول الحاصل في الأخلاقيات والأدبيات الإنسانية على مر القرون، هذا التحول قد استهلك بالفعل حياة الأسلاف لأجيالٍ عدة إلى درجة يمكننا معها أن نعتبرهم غير محظوظين – إذا أردنا استعمال ألطف تعبير ممكن – مقارنةً مع من عاش في عصر النهضة على سبيل المثال، لكن كيف حصل هذا التحول؟ أراني قادرًا على حل هذه المشكلة.

لو أردنا وضع الخطوط العريضة للجنس البشري فيمكننا أن نضعها ضمن إطارين يكمل أحدهما الآخر ولم يكن الثاني ليوجد لولا نتائج الأول وآثاره على استمرار الجنس البشري. ففي الحالة الأولى أو الطبيعية كان الإنسان يعيش في جماعات صغيرة لا تعرِفُ نظامًا أو قانونًا يعمل على تأصيل علاقتها مع بعض من ناحية وتجاه سيّدٍ لها من ناحية أخرى، فلم توجد والحالة هذه أي أخلاقيات – بالمعنى الحديث لهذه الكلمة – لتلك العصور وكان الشغل الشاغل للإنسان هو البقاء قدر الإمكان حيًّا ويتيح له هذا الهدف فعل ما يمكن أن يفعل طالما كان بحدود قوته لكي يضمن الاستمرارية وتمرير الجينات نحو الجيل القادم. وفي اللحظة التي أدرك فيها الإنسان أن مساوئ هذا النظام تتخطى إيجابياته انتقل إلى المرحلة الثانية أو مرحلة الميثاق الاجتماعي الذي يحدد علاقات الجماعة ويضمن لها بعد أن يتخلى كل فردٍ عن جزء من حريته في استعمال حقوقه الطبيعية إلى هيئة سياسية تتولى إدارة الشؤون العامة، أقول يضمن لها ما كان يعوزها سابقًا وأعني هُنا الحرية أولًا، وهذه تشتمل على ما تشتمل من حقوق بالإضافة الى حرية التملك، تملك الأرض، العبيد، وسائل الإنتاج التي كان لها الدور الأكبر في بناء المدنية الحديثة ولاحقًا تطورت منها البورجوازية التي أقامت أوروبا ولم تقعدها في مرحلةٍ ما. كما ضمن هذا النظام الجديد أيضًا للإنسان الحماية اللازمة لكي يمارس حياته، إذ لا يسطو أحدٌ على الآخر ولا تُزهق الأنفس لأتفه الأسباب التي يبيحها الحق الطبيعي ويعيش الإنسان في مأمن نسبيًا مما كان يخشاه سابقًا. لكي لا نبتعد عن الإطار الذي حددناه لموضوع البحث ولا نُسهب في السرد، يمكننا الآن أن نتساءل هل هذا هو ما حصل حقًا أو هل ساهم النظام الاجتماعي وحده في التطور الذي نعيشه في الحاضر؟

الجواب سيكون واضحًا للجميع على أنه لا، لقد ساهم هذا النظام وأسس للظلم والطغيان في أغلب الأحيان وإن وجدت دول هنا وهناك التزمت بمواثيقها مع أبناء جلدتها ولم تتحول إلى وسائل للبطش والطغيان فهذه لا تعد إلا حالات نادرة في ظل التاريخ الذي شهد ما شهد من شتى أنواع الاستبداد الذي رافق بداية المدنية وحتى عصرنا الحالي. لِم حصَل هذا ؟ الإجابة على هكذا سؤال تؤدي بِنا إلى مغادرة سياق الموضوع الذي أُلزمنا به، لذلك سننتقل إلى ما عهدت إلى نفسي أن اتكلم عنه، ألا وهو النقطة المشرقة في تاريخ البشرية، والمسيح المخلص للحضارة في ظل هكذا ظروف.

إعلان

لقد مرّ على الإنسان حينٌ من الدهرِ لم يعرف فيهِ سبيلًا إلى الحكمة ولا دليلًا إلى التنوير ولم يكُ هناك بدٌ من الطرق البدائية والصدامات الدموية للتعبير عن النفس في ظل عصورٍ عُرِفت في أوروبا على أنها مظلمة. ولم يكن هذا نتيجة لشيء إلا نتيجةً للسيطرة الكنسية على نواحي الحياة بشقيها الشخصي والاجتماعي، إذ إن الناس لم يكونوا ليعرفوا أنفسهم أو يفعلوا أدنى ما يمكنهم فعله دون استشارة الكاهن، وهذا بدوره قد وضَع نفسه في كل نواحي الحياة، فلا غرابة أن تجده يتدخل في عقد القران، الولادة، الوفاة، البيع والشراء وحتى في الممارسات الجنسية.

إن السيطرة الكنسية حاربت بكل قوة كل منتج عقلي وكل دعوة إلى تحرير الفكر من براثن الدوغمائية ونيل الإنسان استقلاليته بما يضمن كرامته كإنسان، فهو -الكاهن- يخسر بذلك وجوده اللا متناهي في المجتمع ويصبح شخصية ثانوية غير ذات أهمية، لذلك والحالة هذه كانت كل دعوات تحرير العقل تقابل بالمعارضة، لكن أي معارضة؟ إنها بالتأكيد ليست من طراز المعارضة الديمقراطية التي نعرفها هذه الأيام، فقد كان الفلاسفة يُقتلون ويُحرقون ويُسجنون وفي أفضل الأحوال يجبرون على التخلي عن أفكارهم ويوضعون تحت المراقبة والإقامة الجبرية.

أن هذا العنف الممنهج الذي كان ضد الفلاسفة والمفكرين الذي أرسته وأسست له الثيوقراطية التي كانت سائدة، لم يكن ليؤدي بالضرورة سوى إلى تعاظم نقيض العنف، فالعنف هو كما يقول اريك فايل هو خطاب اللا معنى، أما الفلسفة فإن وظيفتها نفي اللا معنى لإضفاء المعنى على الوجود الإنساني، مادام العنف قائما فإن الفلسفة ستبقى حاضرة لأن العدو اللدود للفلسفة هو العنف. إننا لا نستطيع أن نتصور مجتمعًا فاضلًا جُل سكانِه من الفلاسفة وقد درسوا المنطق وتجادلوا طويلًا في الإبستمولوجيا وسُبل المعرفة ولهم مواقف من الأنطولوجيا، لا أستيطع أن أتصورهم يملكون اليقين الكافي والمبررات التي تجعلهم يشنون حربًا على دولة مجاورة أو يعنفون مخالفًا لهم أو يسبون الجواري والأطفال، إن جُلَّ ما تعلمنا إياه الفلسفة هو أن كل شيء ضبابي ولا شيء واضح بدرجة كافية أو أننا لا نعلم شيئًا كما قال نبي الفلاسفة سقراط. إذ ليس هناك في الفلسفة أو في علم المنطق شيء اسمه عقيدة صحيحة وفكر صحيح وبمقابل ذلك عقيدة غير صحيحة وفكر غير صحيح، أو أناس على حق وأناس آخرون يبنون حياتهم على الخطأ. لا توجد سلوكيات أخلاقية سليمة وسلوكيات غير سليمة ذلك أن لكل مجتمع عادات وتقاليد مختلفة عن بعضها وما تراه عيبًا قد يراه غيرك شيئًا عاديًا وما تراه شيئًا عاديًا ربما يراه غيرك عيبًا.

وعلى العكس تمامًا فأن مصدر الشرور هم الحمقى الذين يعتقدون بدرجة كافية من اليقين أنهم على حق، الحق الذي يعطيهم الصلاحية لكي يمارسوا العُنف ويعتدوا على الآخرين، الحق الذي يعطيهم الأولوية على سائر المخلوقات، الحق الذي يعطيهم المُبررات الكافية للإدعاء بأنهم المختارون للسيادة على جنس البشر واستعباد الآخرين وهذا هو التمثل الحقيقي لغياب المعنى، أما الفلسفة فهي وإن كانت لا تؤدي دائمًا إلى إجابات يقينية للباحث الموضوعي المتجرد إلا أنها على النقيض من كل ذلك محاولة الحصول على المعنى، أو قل هي المحاولة الجادة ليرتقي الإنسان من مرحلة الخلافات البشرية إلى مصاف الإنسانية المتجسدة.

و التاريخ مليء بالأمثلة التي تبين أن نهضة الأمم وتقدم الشعوب لا تأتي إلا بعد حدوث ثورة فكرية قبل كل شيء، وأن الفلسفة والفكر بالتحديد عبارة عن محرك النهضة والتنوير. فلولا فلسفة كانط، وشك ديكارت، ومنهج فرانسيس بيكون العلمي لما وصلت أوروبا إلى ما وصلت إليه حاليًا من تقدم في جميع المجالات.

الفلسفة ترسم ملامح المنهج العلمي وتضع الأرضية الفكرية ثم تأتي العلوم الأخرى لكي تكمل مهمتها في الشق التطبيقي، فتقدم الشعوب ليس مرتبطًا فقط بعوامل اقتصادية وسياسية، بل ومرتبط أيضًا بمكانة الفلسفة في هذه الشعوب.

إن الدارس لتاريخ الأمم الحالية المتطورة يجد أن ما من عالم ساهم في نهضة هذه الأمم إلا وكان فيلسوفًا، لكن معضلة الشعوب العربية الحالية الغارقة في التخلف من أعلى الرأس إلى أسفل القدمين، ترى أن الفلسفة عبارة عن علم لا ينفع وجدالات عقيمة لا فائدة منها، ولذلك يتم مقارنة الثرثرة والكلام الفارغ في هذه المجتمعات بالتفلسف، فيكفي فقط إلقاء نظرة على حال «أم العلوم» في المجتمعات العربية لنجد أنها أصبحت مادة منسية قد أكلَ عليها التاريخ وشَرب وهي آخر مادة يمكن للطالب العربي أن يفكر فيها عوضا من أن تكون الأداة التي تمنحه الحس النقدي وطريقة التفكير.

خلاصة كتاب الحداثة مقدمة قصيرة جدًا، كريستوفر باتلر

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: القاسم محمد

تدقيق لغوي: بيسان صلاح

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.