تأخذك إلى أعماق الفكر

من الإيمان الفاسد إلى الأصالة: كيف تجد المعنى في عالمٍ بلا معنى

في خِضم هذا الإيقاع المُتسارع والمحموم من الأحداث، ووسط ثورة الأسئلة المُزدحمة، التي وجدت طريقها إلينا بمساعدة الحَجر المفروض للوقاية من كورونا وفراغ الوقت. من الممكن جداً أن تُباغتك تلك اللّحظة في منتصف الليل و سط وجبتك  التاسعة –رُبما – أو العاشرة من البطاطا المقلية.  حين تُدرك ولأول مرة على الإطلاق، أنّك حرٌ حرية مطلقة في أن تكون أي شيء تريد. وأنك أفنيت عمرك هباءً في تصديق أنك لا تملك من أمرك شيئاً. تلك هي  لحظة الحقيقة المؤلمة،  أو بالأحرى، وكما يُسميها جان بول سارتر، لحظة النَّشوة السلبية -Negative Ecstasy. في تلك اللّحظة تُبصر حقيقة خِداعك لنفسِك وتُدرك حريتك  في أن تكون ما تريد، في تلك اللحظة  عليك أن تتخلى عن إيمانِك الفاسد – لتُمَهِد طريقك نحو الأصالة.

ساق لنا سارتر، الفيلسوف  والروائي الوجودي، مصطلح الإيمان الفاسد لأول مرة  كمفهوم لخداع الذات،  وفي الحقيقة، فإنَّ مفهومَ الإيمان الفاسد مركزيٌّ في فِكر سارتر، وقد ظهر جليّاً تناولهُ المُتكرر في عملهِ الفلسفيّ من ناحية، ومعالجتهِ  في كتاباتهِ الأدبية  طوال مسيرته المهنية من ناحية أخرى [1].

الإيمانُ الفاسد – Bad Faith

يُعتبر مُصطَلَحُ الإيمان الفاسد مُقاربة لمفهومِ الخداع النفسيّ أو الذاتيّ. ورغم أنَّ الكذبَ على النفس يُمكن أن يكون المفهوم الأقرب لشرح الإيمان الفاسد، إلا أن الأمثلة التي يطرحها سارتر في هذا السياق تتضمن آليات أكثرَ خداعاً من الكذب الواضح، وقد يكون من الأفضل وصفها بمحاولات للتهرب من مواجهة النفس بالحقيقة،  والإبقاء عليها غائرة ومستترة في براثنها.

ووفقاً لسارتر، فإنَّ مثل هذا السلوك شائعٌ وواسعُ الإنتشارِ، خاصة عندما تتعلق تلك الحقيقة المُتجنبة بحريةِ الفرد ومايترتبُ عليها من مسؤولية. ونَرى أنَّ سارتر – نصيرُ الحريةِ والحقيقة –  قد كرَّس قدراً عظيماً من الاهتمام لتوصيف وتفسير وتفنيد الإيمان الفاسد.

إن وجود “الإيمانُ الفاسد – خداعُ الذات”  بحدِ ذاتِه يُشكلُ تحدياً لسارتر، حيثُ أنَّه يبدو مُعضلة في ظاهره. ويكمنُ السبب في أنَّ خداع الذات  ينطوي على تناقض؛ فإذا قُمتُ بخداع نفسي،  فيلزم ذلك أن أكون واعياً بالحقيقة في قرارة نفسي، بصفتي مُخادعاً، والتي بدورها محجوبة عني في قرارة نفسي- بصفتي مَخدوعاً.

إعلان

وبهذه الطريقة فإنَّ مفهوم الإيمان الفاسد يُميز حالات  الخطأ الفكريّ البسيط،  عن تلك الحالات التي يُوجَّه فيها  الخداع من شخص لشخص آخر. لأنَّه عندما أرتكب خطأً ما، لا يكون هناك وجود لحالة عدم الأتساق في  دمج  المعتقدين، الحق والباطل؛ فأنا ببساطة أؤمن بالباطل. ولكن عندما أقوم بخداع شخصاً آخر، فإن الحق والباطل يكونان موزعان بين وعيين، أنا أعرف الحقيقة ولكني أقود الآخر إلى تصديق الباطل، الذي لا أصدقه بدوري. ولكن، إذا نجحت في خداع  ذاتي، فيبدو أنه من الواجب علي أن أعرف الحقيقة  (حتى يمكن وصف إنكاري لها خداعاً وليس مجرد خطأ) ولا أعرفها  (كي أُعتبَر مخدوعاً)  في ذات الوقت.  ولكن كيف يمكنني معرفة شيء وعدم معرفته في ذات الوقت؟ [1,2]

وإجابة هذا السؤال وفقا لسارتر تتعلق بالطابع الغريب الذي يميز وجود الوعي، فالوجود  الواعي (حضور الذات) – وفقاً لسارتر – يختلف اختلافاً جوهرياً عن أنواع الوجود الأخرى في أنه يٌخفق تماماً في التطابق مع ذاته،  ولكن عوضاً عن ذلك فإنه  دائماً ما يقف على مسافة من ذاته. إنَّ شكل  وجوده  يعتمد على الإنكار، والازدواجية والغموض؛ وتلك الأشياء هي ما يُسهل ما يُعرف بخداع الذات. ويذهب سارتر إلى حد القول بأنَّ الوعي – أو بصيغة أخرى – الواقع الإنساني الذي «هو ما  ليس هو عليه». وإضافة إلى ذلك، فهو يُصِّر أن تلك الحقيقة المُتناقضة هي بالتحديد ما يُعتبر بمثابة «شرط إماكنية خداع الذات» [3,4].

وتأتي هنا فكرة الحكم الذاتي أو الاستقلالية، كطريقةٍ للتخلص  من أنياب الإيمان الفاسد. و الاستقلالية هي الفكرة القائلة بأنه يجب على كلِّ إنسان أن يتحرر من أي معايير للتصرف قد فُرضَت عليه مسبقاً، و يُقرر كيف يحذو ويتصرف استنادا إلى ما اهتدى إليه عقله لتحديد الطريقة المُثلى  للفعل [5].  والاستقلالية أو كما يمكن تسميتها قبول العبث Accepting the Absurd، تهدف إلى تحمل مسئولية تقرير مساراتنا واعتماد آراء نابعة من ذواتنا، وليست نتاج تأثر بحكومات أو مجتمعات أو ديانات أو حتى أشخاص مميزين في دوائرنا. وقد مهدت تلك الفكرة الطريق للوصول إلى ما نصفه بـ الأصالة – Authenticity.

ماذا يُعنى بالأصالة؟

الأصالة هي الدرجة التي تتوافق فيها أفعال الفرد مع معتقداته ورغباته الذاتية، على الرغم من الضغوط السلطوية الأخرى، حيث تكون الذات الواعية في حالة تصالح مع الوجود في عالم مادي عبثي، وقبول مواجهة الضغوط الخارجية ورفض أي قيم أو معتقدات ليست نابعة من ذاتها. وتعتبر الأصالة  في الوجودية مقابل  لمفهوم “الإيمان الفاسد”. بل ويذهب سارتر إلى اعتبارها الفضيلة الوجودية الكبرى.

و إذا ما نظرنا في مفهوم الأصالة عند كيركغارد،  فسنجدها تعتمد على أن يجد الإنسان إيمانًا حقيقيًا ويصبح صادقًا مع نفسه. ويرى كيركغارد أن وسائل الإعلام الإخبارية والسلطة الدينية  تشكل تحديات كبيرة للإنسان إذا ما أراد العيش بأصالة في المجتمع.  وينظر كيركغارد إلى وسائل الإعلام على أنها تدعم مجتمعًا لا يُشكل آرائه الخاصة النابعة منه ولكنها تجبره على تبني تلك الآراء التي تفرضها عليه. بالمثل، يُفسر الدين على أنه تقليد يقبله الأفراد دون إعمال للفكر فيه. ويعتقد كيركغارد أنه يمكن تحقيق الإيمان الأصيل من خلال «مواجهة الواقع، واتخاذ قرار ذاتي، ثم التمسك به بشغف». إذا فالهدف من فلسفة كيركغارد الوجودية هو إظهار أنه من أجل تحقيق الأصالة، يجب على المرء أن يواجه الواقع، ويشكل آرائه الخاصة في الوجود. ويقترح كيركغارد أنه «يجب على المرء أن يتخذ خيارًا حقيقياً للاستسلام لشيء يتجاوز الفهم، أي وثبة إيمان». حتى لو لم يرغب الفرد في بذل جهد لاستحداث آرائه الخاصة، يجب عليه أن يفعل ذلك في مهمة بحثه عن الإيمان الأصيل.

ويمكننا رؤية تلك التجربة الروحانية في تحقيق الإيمان الأصيل تظهر جليَّة في تطور شخصية ماني الرسول في رواية حدائق النور لأمين معلوف، حيث يحاكي معلوف على لسان ماني الحكيم   ما قاله كيركغارد وسبق أن أشرنا إليه:

«الحكيم لا يصوم إلا لأن يكون أكثر قرباً من ذاته، وهو وحده الحكم، وهو وحده الشاهد. وإذا ما حرمت نفسك، فلا تفعل ذلك امتثالًا لمتطلبات جماعة ما، ولا خوفاً من العقاب، ولا حتى رجاء تكديس فضائل تباهي بها في عالمٍ آخر. إن مثل هذه الحسابات تثير في نفسي الاشمئزاز.»

وفي ضوء هذا المفهوم  الوجودي للأصالة، يمكننا رؤية شخصية جوكر في فيلم نولان The Dark Knight 2008 أو  فيلم  Joker 2019  لتود فيلبس كمثال للأصالة. ولا شك أن ثانوث Thanos الشخصية المثيرة للاهتمام ذات البُعد الفلسفي في شخصيات عالم مارفل يمكن اعتبارها أيضاً أصيلة بشكل ما.

هناك الكثير من النقد الموجه لذلك المفهوم للأصالة ولكن لا يسعنا مناقشته في هذا المقال.

لا يمكننا الزعم بسهولة الطريق إلى الأصالة، حيث أنَّه طريقٌ غير مُمَهد ومحفوف بضرورةِ الوعي والترقب والألم. وهذا الترقب المستمر، ومحاولة الفرار من خداع الذات، يولد قلقاً مستمراً أيضاً، و يصفُ سارتر ذلك القلق أو الكرب بأنه نتيجة حتمية لقبول الطبيعة الغامضة للوجود الإنساني (العبث) وتحمل مسئولية كوننا أحراراً. وهذه معاناة، معاناة مستمرة لا يمكن التخلص منها، ولكن هناك محاولات للتعايش معها من خلال البحث عن معنى. فهل يمكن اكتشاف أو إيجاد معنى للعبث؟ أم هو خداع نفسي آخر؟.

البحث عن المَعنى في عالمٍ بلا مَعنى

يُخبرنا الطبيب النفسي والمتخصص في علم الأعصاب فيكتور فرانكل في كتابه الإنسان يبحث عن معنى، أنّ الطريقة المُثلى للتخلص من تلك المُعاناة والقلق الوجودي هي البحث عن معنى.  إن رسالة فرانكل هي رسالة أمل، بأنه حتى في أصعب الظروف وأكثرها عبثاً على الإطلاق يمكن إعطاء حياتنا ومعاناتنا معنى [6]. فنستطيع التقدم في الحياة برغم المعاناة والوعي بطبيعتها العبثية. فقد علّمت الحياة في المعسكر فرانكل، أنَّ المُحرك الأساسي والدافع للاستمرار في الحياة بالنسبة للإنسان، ليس اللّذة كما يدعي فرويد ولا حتى القوة كما كان يقول إدلر، وإنما هو المعنى. فابتكر فرانكل “العلاج بالمعنىLogotherapy”  والذي ساعد الكثير من مرضى العُصاب والاكتئاب حول العالم لتقبل معاناتهم والعيش معها.

العلاج بالمعنى – Logotherapy 

إن هدف العلاج بالمعنى، هو إجراء تحليلٌ نفسي وجودي – Existential Analysis للشخص ليساعده على اكتشاف أو إيجاد معنىً لحياته. وهذا المعنى هو ما يجعل المرء يقبل معاناته ويتصالح معها. ويرى فرانكل أنه يمكننا إيجاد ذلك المعنى في اختبار الواقع، من خلال التعامل بصدق مع محيطنا والناس ومحاولة الإبداع والتعبير عن الذات لمنح شيئاً ما للعالم. ومن خلال هذه الأشياء يمكننا اكتشاف ذواتنا الأصيلة، وبمواجهة هذا التحدي، يمكننا الخروج من الإطار المفروض علينا مسبقاً، واكتشاف حقيقتنا، والقيام بذلك يمكننا من  إعطاء معنى عميق لحياتنا. ويتتطلب ذلك الإخلاص في فحص دوافعنا جيداً لاكتشاف حقيقتنا وقبولها ومن ثم اكتشاف المعنى الحقيقي الخاص بنا. وهذا ما يسميه سارتر بطريقة أخرى ب الإيمان الجيد. لا أنكر أن مفهوم البحث عن المعنى الذي يسوقه فرانكل في كتابه أو الإيمان الجيد لا يختلف بالنسبة لي عن مجرد خداع آخر للذات ينتهي إلى كونه إيمان فاسد. ويمكنني فهم ذلك إذا ما سألت نفسي، كيف أستطيع أن أعرف أنني وجدت ذاتي الحقيقية؟ هل مروري بلحظة نشوى سلبية إضافية كما يصفها سارتر أو بأحساس مشابه لعُصاب الأحد كما يُحب أن يصفه فرانكل، يعني أنني لم أجد المعنى الحقيقي، لأنني ربما فشلت في اكتشاف ذاتي الحقيقية؟ هل يعني ذلك أنه ربما كانت هناك طبقة أو اثنتان لم أقم بنزعهما بعد لتتكشف حقيقتي؟ بهذه الطريقة سوف نصبح كفئران تجارب تدور في عجلة لا نهائية للبحث  عن معنى، ثم تتغير الظروف ويكتشف كلاً منا  أن هذا المعنى لم يكن معناه الحقيقي  إذ أنه مازال يعاني، وهلم جرا، سلسلة من المعاناة الغير منتهية. ويمكننا فهم سارتر عندما يصف فكرة “أن علينا قبول دوافعنا بدلاً من السعي لتشكيلها”  أنها من وجهة نظره  في جوهرها “إيمان الفاسد”.  ولكنه يعود ويضيف «أنه لا فرق بين وجود المرء في حالة إيمان فاسد أو جيد» مما يعني أنه لا يمكننا الفرار أبداً من حالة الإيمان الفاسد.  فما الجدوى إذن؟

ربما لم يقصد سارتر منذ البداية أنه علينا اكتشاف ذواتنا، وهو ليس مسئولاً أيضا عن محاولات التحرر من الإيمان الفاسد أو البحث عن الذات تلك أو المعنى أو أيا كان مسمَّاها. ربما كان خلاصة ما يقول-أو كما فهمت –  أنه علينا التخلي عن ذواتنا، أو بتعبيرٍ آخر، أن نعي أننا لا نملك ذاتاً في الأساس.

دعوني أوضح فكرتي تلك في ضوء عقيدة اللا-ذات البوذية. ولكن يجب أن أطرح هذا السؤال أولاً: ماهي الذات التي تُجادل حولها الأصالة؟ بغض النظر عن إن كانت  أصولية أو وجودية النَّزعة.  حسناً، إن الذات – وبشكل عام – هي الشيء البسيط المستمر الذي يتم تعريفه بـ أنا. وهذه الذات – التي ننظر إليها على أنها نحن – ليست موجودة على الإطلاق من وجهة نظر بوذية، فإذا نزعت العقل والجسد، لن يبقى شيء. لكن هل يعني هذا أننا لا شيء على الإطلاق؟ لكي نجيب عن ذلك يجب أن نميز جيداً بين مفهوم الذات كما تم توضيحه ومفهموم الشخص. فقد فهمنا أن الذات يُفترض أنها الشيء المستمر والمشار إليه بلفظة أنا. أما الشخص فهو عبارة عن شيء متصل من العمليات الجسدية  والنفسية المترابطة  سببياً. وهذا الشخص يؤدي دوراً ما في العالم. وإذا ما نظرنا إلى أصل كلمة شخص – person  نجد أنها مشتقة من الكلمة اللاتينية  persona، والتي تعني القناع أو الدور المسرحي. ولعلَّ تلك الفكرة – أي التمييز بين الذات والشخص – قد تمت معالجتها بشكل رائع وعميق في الفيلم السويدي 1966 Persona.  وعليه، فإن وُجدت الذوات، يمكننا القول بأنها كيانات ذات طبيعة ميتافيزيقية. أما الأشخاص فيتم تشكيلهم نفسياً واجتماعياً  تحت تأثير عوامل عديدة. ويعكسون الدور الذي نقوم به لبعضنا البعض في عالم نعيشه سوياً، عالم يتكون في تجاربنا وأفعالنا المشتركة كاستجابة لطبيعتنا النفسية  والإدراكية والإجتماعية. فالأشخاص معقدون واعتماديون في طبيعتهم وفانون ومتغيرون بشكل مستمر وتربطهم الأسباب بمحيطهم. وهكذا نحن أشخاص نعتبر أنفسنا  ذوات.  إذا يمكننا – وفقاً لجاي غارفيلد – استنتاج الخطأ في مفهوم الذات. فالخطأ في هذا المفهوم يكمن في «خلق نسخة مُشوهة من الواقع، تجعلنا نتعامل مع ذواتنا كمركزٍ للكون. وهذا يؤدي بنا إلى الأنانية التي تجعلنا  نتصرف وفقاً لمصالحنا والقلق دوماً حول سلامة وصحة ذواتنا، وكل هذا يؤدي إلى الخوف والطمع والغضب والصراع، ويؤول بشكلٍ حتميّ إلى التعاسة [7].» أو دعوني أقول إلى المعاناة.

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.