تأخذك إلى أعماق الفكر

ما معنى الخير والشر؟: النسبية الأخلاقية في الثقافة الشعبية

مقال مترجم عن الألمانية عن مسلسل الإنمي الشهير Death note.

تعد قضية الأخلاق موضوعًا منتشرًا وشائعًا بالأساطير القديمة، والوثائقيات التليفزيونية، والأفلام السينمائية، وبتوبيخات الوالدين، ومسلسلات الإنمي، ومجلات المانجا… إلخ، ويبقى السؤال هنا: هل هناك حقًّا خير وشر يمكننا الحكم على مصداقية كلٍّ منهما؟! ولأنه ليس من السهل الإجابة عن ذلك السؤال بشكل قاطع، فإن تلك القضية تجذبنا على نحو واسع.

لهذا سوف أوضح فيما يلي إشكالية الأخلاق استنادًا إلى مسلسل الإنمي: Death note.

سأشرح في البداية حبكة مسلسل Death note بإيجاز لمن لم يشاهدوه. تدور أحداث المسلسل في مجتمع بديل ومعاصر، حيث تقع الأحداث مابين عامي 2008 و2013. يجد بطل المسلسل “ياغامي لايت“، الطالب العبقري الذي يشعر بضجر شديد ومتواصل، في إحدى الأيام مفكرةً سوداء، “مفكرة الموت”، والتي أسقطها أحد الشينيغامي، “إله للموت”.

أي إنسان يوضع اسمه بتلك المفكرة.. يموت!

انطلاقًا من هنا، يُقسِم ياغامي لايت على إحلال العدالة في عالم يقضي فيه على جميع المجرمين. بعد فترة قصيرة، يظهر المحقق العظيم “إل” ليحاول اعتقال ياغامي لايت؛ حيث أن أفكار لايت عن العدالة لا تتوافق مع المحقق “إل”، وبالتالي، تغدو الإنسانية ساحةً للقتال حول مفهوم العدالة الذي بإمكانه أن يسود.

وفقًا لذلك الملخص، فإن المعضلة الأخلاقية قد باتت أوضح. إن رؤية البشر- بخصوص أي جريمة- تتعلق بالمجتمع حيث يعيشون وبالقيم التي تلقوها منذ الصغر، وللأسف، فإن الكثير من البشر يتصرفون بشكلٍ عنيفٍ ومؤذٍ، ولكن من العسير بشدة أن يعتبر أحدهم نفسه شريرًا! ومايبعث على السخرية أن العديد من البشر يقومون بأقسى الأفعال وذلك من أجل الوصول إلى شيء صالح.

إعلان

من خلال التمعن في الخبث والعنف، يجب على الإنسان فهم المناظير المختلفة لكِلا المذنب والضحية. وانطلاقًا من هذا المفهوم، سأقوم بربط التحليل الخاص بالمسلسل بكتاب “هل القتل خطأ؟: دراسة في علم الاجتماع النقي” للكاتب مارك كوني، حيث يشير هنا إلى إحدى جذور الخبث على أنها المذهب المثالي الذي يقول: القيام بما هو صالح عبر القيام بما هو فاسد؛ فالعنف بالنسبة للمذنب لهو تدبير ضروري من الأجل الوصول إلى ما هو صالح، ويمكننا أن نلحظ طريقة التفكير تلك بكثرة على مر التاريخ، ومن أبرز أمثلتها التطهيرات الستالينية، والتي أدت إلى مقتل حوالي 20 مليونَ بشريٍّ من أجل تأسيس يوتوبيا شيوعية.

في إحدى المشاهد الافتتاحية بالمسلسل، يمر ياغامي لايت على التلفاز حيث كان يعرض تقارير عن حوادث قتل وجرائم عنف، وتمر تلك الأحداث على معظم الناس دون أن تسبب لهم أي انزعاج يُذكر، ويتكرر ذلك المشهد عدة مرات؛ مؤكدًا على مدى ضخامة معدل الجريمة، وأيضًا على حس ياغامي لايت القوي بالعدالة.

بعدما اقتنى ياغامي لايت مفكرة الموت، شعر بالتردد لفترة وجيزة بالفعل، ولكنه قرر في نهاية الأمر تأسيس يوتوبيا جديدة يقضي فيها على جميع المجرمين، وقد رأى أن الأمر يقتضي العنف من أجل تحقيق ما هو صالح، وبهذا فقد افترض أنه الشخص المناسب ليحكم على الآخرين.

يسلط مسلسل Death note بأكمله الضوء على لايت عبر موقفه الحانق على البشر؛ فهو لا يقيم علاقات عميقة مع أحد، ويشعر بالازدراء والكراهية تجاه البشر. يتساءل ياغامي لايت في البداية إن كانت الرغبة في تغيير العالم تمثل شيئًا من المنطق على أية حال، وفي هذا المشهد يرى طفلًا تهينه والدته، وفتياتٍ يثرثرن حول أحاديث تافهة، وعصابةً من سائقي الدراجات النارية يتحرشون بشابة صغيرة؛ وتمثل كلُّ تلك الشخصيات لياغامي لايت جزءًا كبيرًا من المجتمعَ المنهار أخلاقيًّا. لذا، هل من الممكن أن يُمثل المجتمع الخاص بمسلسل Death note نقدًا لاذعًا لمجتمعاتنا الاستهلاكية حيث نغدو متبلدي الحس تجاه العنف الجاري حولنا؟ هل نحن بحاجة إلى “قاضٍ”؟

وكما ذكرنا بالفعل أن الأخلاق هي مسألة متغيرة بشكل مستمر؛ فما هو غير قانوني اليوم كان منذ عدة عقود أمرًا طبيعيًّا، وحتى في عصرنا الحديث يمكن للمرء أن يحظى بالاحترام والامتنان من خلال القيام بالقتل! فإن قام أحد أفراد الشرطة بإطلاق الرصاص على قاتل مشبوه والتمكن منه، فبكل تأكيد سيغدو ذلك الشرطي بطلًا في أنظار الجميع؛ وبالتالي، فمن الممكن أن يصير القاتل بطلًا، ومن المحتمل كذلك أن يغدو بطلًا مخالفًا للعرف. وفي مسلسل Death note، يوجد أشخاصٌ يؤيدون أفعال ياغامي لايت وآخرون يزدرونها، والحقيقة أنه عندما لاحظ الناس بالمسلسل أن المجرمين يلقون حتفهم انخفض معدل الجريمة بشكل ضخم، فهل من المقبول أن يصبح الناس مُجبرين على الامتثال للقوانين بسبب الخوف من العقاب فقط؟!

وكأي قاتل بحق، فإن لايت لا يعتبر نفسه شريرًا، وهو على علم بأن أفعاله بالفعل شريرة؛ ولكن بما أنها تصبو للوصول إلى الصلاح فهي بذلك مُبررة بالنسبة إليه. يطرأ على لايت شعورٌ بالذنب بعد القضاء على ضحيته الثانية، ويدرك تمامًا أن أفعاله ستأتي بعواقب شديدة؛ سواءٌ كانت عواقب بموجب القانون أو بسبب شعوره العميق بالذنب، ولكنه يقرر في النهاية أن يضحي بروحه من أجل البشرية، ويتضح سريعًا أن لايت يشعر بتفوقه على سائر البشر من خلال مهمته.

حتى أنه يقرأ في إحدى المشاهد فقرةً عن الإنسان الأعلى لنيتشه، ومن خلال ذلك يتم إبراز المعضلة الأخلاقية مرارًا؛ فقديمًا كان يتم تفسير القيم الأخلاقية من خلال الأديان، غير أنه مع تطور العلوم الطبيعية وزيادة الادعاء بعدم وجود إله، في النهاية أصبح هناك مشكلة؛ فإن لم يكن الإله هو من يُفرق بين الخير والشر، فما هي الأخلاق بنهاية المطاف؟!

يتعلق تحديد ما إن كان الشخص خيّرًا أو شريرًا، مذنبًا أو بريئًا، على هوية من يصدر الأحكام؛ فكل من ياغامي لايت وإل يسعون خلف الهدف ذاته، ولكن بالرغم من ذلك، فهم أعداء؛ ويرجع ذلك إلى وجهات نظرهم المتباينة بشدة حيال ما هو صواب وما هو خطأ؛ فياغامي لايت يمثل المذهب النفعي (حيث تكون الأفعال الشريرة مُبررة طالما أنها تحقق أقصى قدر ممكن من السعادة)، في حين أن إل يمتثل لمذهب الواجب (حيث أن ما هو صواب وما هو خطأ يتم تقديره من خلال الفعل نفسه دون أن يكون مرتبطًا بعواقبه)، فأي من تلك الأراء هي الأصح وحدها؟

هناك شيءٌ واحد مؤكد: وهو أنك إن أردت النجاة من جريمة قمت بارتكابها فعليك أن تفكر مليًّا حول من ستقتله؛ فإن كان الضحية يعاني من حالة اجتماعية سيئة أو فقيرًا أو عاطلًا عن العمل أو له سجل إجرامي أو لا يملك عائلة، وكان القاتل منخرطًا بالاجتماعيات ومتزوجًا ولديه أطفال ويتمتع بوظيفة رائعة، فإن ذلك القاتل سينجو بسهولة بفعلته؛ فسواءٌ كان ذلك أخلاقيًّا أم لم يكن، فإن تلك هي الحقائق الإحصائية.

لذا ما رأيكم حيال تلك المسألة؟ هل حقًّا توجد إجابة محددة على السؤال عن ما هو صواب وما هو خطأ؟ وإن سنحت لكم فرصة القضاء على آلاف المجرمين من خلال الكتابة بمفكرة وخلق عالم خالٍ من القتل والاغتصاب وغيرهم من الجرائم.. هل ستقومون بذلك؟ وهل غير مسلسل الإنمى Death note من وجهات نظركم؟

المصدر:
http://popyura.phil.hhu.de/?p=830

نرشح لك: كيف منحني الإنمى منظارًا أرى حقيقة العالم من خلاله!

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.