معركة هاستينج: بداية العداء بين إنجلترا وفرنسا

تعد معركة هاستينج نقطة فاصلة في تاريخ أوروبا والعالم، فقد حملت في طياتها أبعادا سياسية وثقافية واجتماعية، وسبّبت تغيرات جذرية في إنجلترا بالأخص، على سبيل المثال، فإن ملوك إنجلترا لمدة300 عام  بعد المعركة لم ينطقوا الانجليزية، واعتمدوا الفرنسية لغةً رسمية في الحكم والقانون والكنيسة، وتسببت تبعات المعركة بعداوة تاريخية بين أكبر مملكتين في أوروبا قديما، وأهم قوتين في العالم حديثا حتى الحرب العالمية الأولى، خاض خلالها الطرفان عددًا مخيفًا من المعارك والحروب بشكل لا مثيل له، من حرب المائة عام للحروب الدينية أو حرب السبع سنوات إلى حروب نابليون، وحرب استقلال الولايات المتحدة أو الصراع على المستعمرات الخارجية، ليستمر العداء لما يزيد عن 800 عام، ونزاع مستمر على عرش فرنسا لم ينتهِ حتى 1932م.

حيث لم يكن هناك عمليًا أي عداوة بين البلدين قبل ذلك، حتي ولو كانت منافسة تجارية فقط، فكلا البلدين عانيا من هجمات الفايكينج، وتشاركا نفس المصير من الدمار الخراب، حتى بدأت العداوة رسميا في عام1066م، عندما صعد نبلاء فرنسيون على عرش إنجلترا، وسقط آخر الملوك الإنجليز.

أسباب المعركة باختصار تتمثل في حصول وليام الأول دوق نورماندي في جنوب فرنسا، على وعد شفوي من ملك إنجلترا آنذاك في عام1051م الملك إدوارد ‘المُعترف’، بأن يصبح الدوق وليّ العرش وملك انجلترا المستقبلي، ثم في 1062م حصل على وعد مماثل من الإيرل هارولد شقيق الملكة وأحد أهم رجال الملك، لكنه فوجئ بعدها بعامين في العام 1066م بعد وفاة الملك أن الإيرل هارولد ضرب بالوعود عرض الحائط، وتم تتويجه ملكا على انجلترا في يناير من العام نفسه، مما دعى وليام دوق نورماندي أن يأخذ عرشه بالقوة، فيما عُرف بعدها ب”غزو النورمان Norman Conquest”، نسبة لمحاربي الفايكينج الذين عاشوا في مقاطعة نورماندي بالماضي، واعتنقوا المسيحية، وأصبحوا جزءا من فرنسا مع الوقت، بالرغم من أنهم لم يعتبروا أنفسهم فرنسيين، ومن أحفادهم وليام الأول (الفاتح بعد ذلك).

الطريق إلى المعركة

عندما عرض وليام رغبته في غزو انجلترا في البداية، اعتبروه مجنونًا ورفض أغلب النبلاء مساعدته والقتال من أجله، بسبب صعوبة عبور البحر إلى انجلترا، وتقلبات الطقس الدائمة، كذلك إن الجيش الانجليزي سيكون بالانتظار على الساحل في معركة مفتوحة، لكن وليام كان مستعدا للمقامرة من أجل ما اعتبره حقه الشرعي، وبدأ استعداداته بأن أرسل للفاتيكان يطلب الموافقة والبركة الإلهية لغزو انجلترا في بداية العام، فأيده البابا “ألكساندر الثاني” وأرسل له راية مقدسة، مزينة بصليب القديس بيتر ليتم حملها في المعركة، ليعزز ادعائه للعرش بشرعية دينية من البابا.

على الجانب الآخر واجه ملك انجلترا تمردًا من شقيقه، سبب خلاله دمارًا وتخريبًا قبل أن ينسحب سريعًا إلى اسكتلندا، لم يكن هناك سبب واضح لهذا التمرد، ربما كان لإضعاف الدفاعات الإنجليزية قبل الغزو الفرنسي، كما اعتقد الملك، فقام بجمع أكبر أسطول بحري وأكبر عدد جنود قام به أي ملك من قبل في انجلترا، وانتشر على الساحل في انتظار الهجوم من فرنسا، لكنه تأخر.

إعلان

فشل وليام في تحضير جيشه قبل أغسطس، وجمع 7000 مقاتل و 700 سفينة حربية، لكنه تأخر مرة أخرى، بسبب موجة من الطقس السيئ والأمطار الغزيرة مما جعل عبور البحر مستحيلا، ووقع الدوق وليام في موجة من اليأس بانتظار غزوه الميمون.

كلما تأخر وصول العدو كلما عانى الجيش الانجليزي من صعوبات في توفير الغذاء، ودفع مستحقات الجنود وتوقف الحصاد لانشغال المزارعين بالحرب، مما دعى ملك انجلترا لحل الجيش في سبتمبر/أيلول وإرسال الأسطول إلى لندن، وهنا استغل الدوق الفرصة ونزل بجيشه إلى البحر بعدها ب 4 أيام، لكنه تعرض إلى ضربه موجعة كادت تقضي على الحملة بأكملها، تقلبات الطقس سببت دمار السفن وغرق عدد من الجنود، وهبت الرياح في الاتجاه المعاكس، وما لبث أن عاد الجيش مرة أخرى إلى فرنسا، إلى ميناء القديس فاليري على نهر السوم، حينها ساءت أحوال الجنود وتملكهم اليأس وبدأ بعضهم في الانسحاب والهرب، حتى أنه تم حمل جسد القديس فاليري من مدفنه في الكنيسة المحلية، والطواف به على الجنود لرفع حالهتم المعنوية ودفعهم للصلاة والإيمان، ويبدو أن صلواتهم قد استجيبت، فقد فاجأ الإنجليز جيش من الفايكنيج، بقيادة ملك النرويج، بصحبة شقيق الملك المتمرد، وهاجموا انجلترا من الشمال، واحتلوا بعض المدن بها وأهمها مدينة “يورك” التي تعتبر عاصمة شمال انجلترا، واضطر الملك إلى إعادة تكوين جيشه على عجلة بعد أن كان قد حله قريباً، وأسرع باتجاه الغزو الشمالي، تاركا الوقت اللازم للغزو الفرنسي لتدارك أموره.

بعد أسبوعين تحديدًا من غزو الفاكيتيج، تحسن الطقس أخيرا، ودب النشاط وعمت الفرحة والبهجة في المعسكر الفرنسي، وهب الجنود لحمل السلاح وتجهيز السفن، وبنهاية سبتمبر/أيلول حط الأسطول الفرنسي على الساحل الجنوبي لانجلترا بلا مقاومة، وسارعت المدن والقلاع المحيطة بالاستسلام فورا، بينما واجهتهم مقاومة ضعيفة، حيث كانت القوات الانجليزية بأكملها في الشمال تواجه الغزو الآخر، حتى وصلت الأخبار أن الانجليز قد سحقوا الفايكينج وفي طريقهم لمواجهة جيش الدوق وليام.

معركة هاستينج

نجح الملك الانجليزي في مفاجأة الفايكينج وأوقع بهم شر هزيمة، بالرغم من تفوقهم عليه في العدد والقوة، وأراد استخدام نفس الاستراتيجية مع الفرنسيين، لذلك نصح بعض مؤيدو الدوق وليام بتفادي المعركة وكسب الوقت بالاحتماء خلف تحصينات وقلاع، خصوصًا وأن الانجليز قادمون بمعنويات عالية بعد الانتصار العظيم، لكن وليام أراد الانتهاء سريعًا من الحرب ولم يكن يملك ما يكفيه من العتاد والطعام والماء للانتظار، فقام باستفزاز الملك ليسرع من قدومه عن طريق تدمير أراضي الجنوب وتخريب الزراعات، وكان له ما أراد فقد رفض الملك التريث في لندن وأسرع بجيشه للمواجهة، برغبة مفاجأة العدو بالهجوم عليهم ليلا.

لكن وليام كان أذكى من عدوه، ولديه خبرة كبيرة في الحروب ومواجهة التمردات من قبل، فقد واجه العديد منها في بداية حكمه ك دوق نورماندي، فتمكن من قلب الطاولة على الملك، وفي 23 أكتوبر/تشرين الأول أمر جنوده بالاستعداد ليلا، وتحرك مع ضوء الفجر إلى موقع يبعد حوالي 10 كم عن مكان المعركة المفترض، وأذاق الانجليز من كأس المفاجأة، لكن الحظ عانده عندما اكتشف أن الانجليز كانوا على أرض مرتفعة من قواته، وبذلك كانت لهم اليد العليا، وكذلك أن الانجليز استخدموا تشكيل الدروع الذي اشتهر به محاربو الفايكينج من قبل.

بدأت المعركة سريعًا، وتمكن الرماة الفرنسيون من إرسال سيل من السهام أمطرت بالموت على التشكيل الانجليزي، ولكن فشلوا في اختراق الصفوف، تبع ذلك مواجهة مباشرة بالسيوف أوقعت خسائر كبيرة بالفرنسيين، فيما فشل الفرسان في التدخل بسبب الأرض غير المناسبة للأحصنة، فلحقت بهم خسائر كبيرة أيضا، ونجح الانجليز في تقييد حركة العدو وكسر شوكته، وبعد ساعات من القتال العنيف، بدأ التنظيم الفرنسي في الانحلال عندما ترك بعض فرسان الجيش الفرنسي القتال وانسحبوا من المعركة، تاركين الجانب الأيسر لأي هجوم وموقعين على وثيقة الهزيمة بأيديهم، حتى أن إشاعة داخل الجيش انتشرت أن الدوق وليام نفسه قد سقط في المعركة، بينما اختلف المؤرخون عن سبب انسحاب الفرسان، أما كان انسحابا حقيقيا أو مناورة تكتيكية، حينها استغل الانجليز الفرصة وهاجموا بكل قوتهم خلف الفرسان الهاربين، تاركين صفوفهم عرضة للهجوم، وكسروا تشكيل الدروع الذي أهدادهم التفوق، حينها استعاد الفرنسيون صفوفهم، وأمطروا الانجليز بوابل من الأسهم مرة اخرى.

وكان من بين القتلى ملك إنجلترا هارولد الثاني آخر ملوك انجلترا الانجليز، يُقال انه قد أصيب بسهم في عينه أرداه قتيلا، أو أن الدوق وليام قاد مجموعة من رجاله وقتل الملك بنفسه، وانتشر الصياح “مات هارولد” فهرب من تبقى من الجيش الإنجليزي، تاركين الأرض غارقة في نهر من دماء نبلاء وشباب الطرفين، ومن بين الجثث الملك وشقيقيه.

وليام الفاتح ملكًا على إنجلترا

بعد المعركة انتظر الدوق وليام ان يأتيه نبلاء انجلترا من كل حدب وصوب، رافعين رايات الاستسلام وخاضعين لملكهم الجديد، لكنه وجد أن معظمهم قرر المقاومة، فانطلق بجيشه من جديد حتى نجح في دخول لندن أخيرا بعد مقاومة شديدة، وتم تتويجه في يوم الكريسماس من عام 1066م، منهيا 500 عام من الحكم الذاتي للانجليز منذ سقوط الامبراطورية الرومانية، ومعلنا عصرا جديدا من الحكم الفرنسي، تم خلاله تغيير البناء الاجتماعي للبلدة، واستبدال الثقافة الانجليزية بالفرنسية، ونزع الأراضي من ملاكها ومنحها لرجال الملك الجديد من الفرنسيين النورمان، وتوسع في بناء القلاع في جميع أنحاء البلاد لقمع أي تمردات، مما أدى لفرض ضرائب باهظة على الناس.

لكن التمردات لم تتوقف، وظل التهديد حتى عام1071، وانتهى بواحدة من أبشع الجرائم في حق العامة، حين ثار أهل يورك عاصمة شمال انجلترا، وخرجوا على الملك الجديد ورفضوا سلطته، فراح الجيش الفرنسي يدمر القرى والمدن في طريقه حتى الوصول إلى يورك، حتى أن المدينة المتمردة استسلمت من الرعب الذي نشره الجيش في طريقه، وقام الملك ببناء قلعة هناك للسيطرة على المدينة، لكن الشمال بقيادة يورك ثار عدة مرات بعدها، وتعاونوا مع الفايكينج ضد الملك حتى أنه قام بدفع مبلغ كبير للفايكينج ليرحلوا عن انجلترا، ويتفرغ للثورة الداخلية، حتى قرر الحل النهائي والحاسم، والأكثر وحشية.

عُرفت الأحداث من 1069:1070 ب Harrying of the North أو خراب الشمال، حيث أصدر الملك أوامره بتدمير كل الأراضي الزراعية وحرق المحاصيل على نطاق واسع، وقتل الحيوانات والمواشي وتلويث المياه، لقطع الطريق أمام أي تمرد أو جيش أجنبي يدخل المنطقة، وبدأت المجاعة وانتشرت الأمراض، ومات الناس من الجوع والعطش، وعاش شمال إنجلترا مأساة لم تتكرر، ولكن كان للملك ما أراد، فقد انتهت التمرادت في الشمال للأبد واحكم سيطرته على المملكة بأكملها، وتعتبر هذه الحادثة نهاية المعركة المستمرة لأعوام، ونواة لعداوة سوف تدوم ل 800 عام، كره فيها الإنجليز والفرنسيون بعضهم، ودخلوا في تنافس مميت كاد أن يقضى على كلا الدولتين، ودفع العالم لقرون ثمن تلك الخلافات والنزاعات، حتى سقطت القوتان مع نهاية الحرب العالمية الثانية في عام1945م، تاركين تاريخًا خصبًا للعداوة الأشهر على الإطلاق.

المصادر:
Marc Morris, WILLIAM I :England’s-

Conqueror
Alan Eriera, Kings and queens of-

England
https://www.history.com/topics/british-history/battle-of-hastings

إعلان

أفادك المقال؟ شاركنا رأيك في التعليقات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.

فريق الإعداد

إعداد: عمرو عدوي

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

اترك تعليقا