تأخذك إلى أعماق الفكر

مجموعة من المغالطات المنطقية يتعين عليك معرفتها قبل الخوض في أي نقاش

تُعرَفُ المغالطةُ المنطقية؛ بأنَّها خطأ في التفكير يكون شائعًا بما يكفي لتثبتَ صفةَ الوهم على صاحبها. تعتبر معرفة كيفية تمييز المغالطات المنطقية وتحديدها مهارةً لا تُقدَّر بثمن، فهي توفر الوقت، والجهد، وتصون الكرامة الشخصية. وتُسمّى المشاكل في طريقة قول الشيء: مغالطة صورية. ينتج عنها خلل في ترتيب الأفكار، ذلك أنّ صياغتها خاطئة. وأما المغالطات غير الصورية، فهي تتعلق بما يُقال، أي محتوى الحجة -مثل التي سنتحدث عنها- فربما تكون الأفكار مرتبة بطريقة سليمة، لكن فحوى ما قلتَ ربما لا يكون صحيحًا تمامًا. في هذه الحالة يكون المحتوى خاطئًا. وفيما يلي قائمة ب15 مغالطة غير صورية من المحتمل أن تواجهها عند الانخراط في حوار:

1-الشخصنة

عندما يُفكر الناس بالجدال، فإنّ أول ما يخطر في أذهانهم هو مشادّة كلامية مشوبة بالتهجّمات الشخصية. ومما يُثير السخرية؛ أنّ الهجوم الشخصيّ يناقضُ الجدال المنطقي، إذ يُسمَى الهجومُ الشخصيُّ في علمَي المنطق والبلاغة الشخصنة ad hominems وهي كلمة لاتينية تعني ضد الإنسان. فبدلًا من التقدُّم الصحيح في التفكير المنطقيّ الجيد، تستبدل الشخصنةُ الجدالاتِ المنطقيةََ بلغة هجومية ليس لها علاقة بالحقيقة. ولنكون أكثر تحديدًا، فالشخصنة هي مغالطة في الترابُط، حيث يرفض شخص رأي شخص آخر على أساس المزايا الشخصية، مثل: الخلفية، أو المظهر الشخصيّ، أو أيّ ميزة ليس لها صلة بموضوع الحوار. فالشخصنة تتعدى مجرد كونها إهانة، ذلك أنّها إهانة تُستعمَل كما لو كانت حجةً أو دليلًا يفضي إلى نتيجةٍ. إنَّ التهجُّم بالألفاظ لا يثبت أو ينفي صحة الأقوال.

تَشيعُ الشخصنة في السياسة تحت مسمى القََدح. فبدلًا من مخاطبة المرشحين حسب القضايا، أو على أساس تأثيره، أو تأثيرها كرجل دولة، تركّز الشخصنة على قضايا ذات صلة بالشخصية، مثل أساليب الكلام، أو الملابس والأسلوب، وأمور أخرى تؤثر في شعبيتهم، إلا أنها ترفع من كفاءتهم. وبهذه الطريقة، يمكن للشخصنة أن تكون لا أخلاقية، فهي تسعى إلى التلاعب بالناخبين عن طريق الاحتكام إلى حلقات الضعف غير المتصلة بالموضوع، وإلى الإهانة بدلاً من تناول القضايا الجوهرية. وخير شاهد على ذلك ما حصل في الدورة الانتخابية الأخيرة، حيث تم تقاذف الهجمات الشخصية بشكل متحرر من كافة دهاليز السياسة الضيقة، ويواجه كل من كلينتون وترامب نصيبهما العادل من القدح والتشهير.

وتتضمن المناقشة التالية على موقع Quora شتائم بذيئة بحق هيلاري كلينتون مثل: كيلاري كلينتون، وهيلاري العوجاء، وهيلا الهمجية، وشيلاري، وهِتلَري كلينتون، والمدافعة عن مغتصبي الأطفال، وعاهرة الشركات وسيدي الرئيس، والساحرة الشريرة للجناح الغرب، إلخ. وتَعرِض صحيفة نيويورك دايلي نيوز قائمة مُسلية –على حد زعمهم- من الإهانات بحق الرئيس دونالد ترامب من قبيل: سوقي قصير الأصابع [تستخدم للتعبير عن سوء مهارات الكتابة على موقع تويتر] وساقي الحانة الغاضب، وفاشي ونابح الحفل، ورئيس نادي المعجبين بصدام حسين وثمرة العنصرية، إلخ. وتشير الشخصنة إلى النقطة التي ينحطّ فيها الخلاف المدني إلى نزاع، سواء بين أصدقاء أو أشقاء أو حتى عشاق، إذ أنّ كل شخص قد مر بخلاف شفهيّ، تدهور إلى مشادة كلامية مُفككة يتراشقون فيها الإهانات المُعبرة عن الغضب والاتهامات التي تهدف إلى تحقير الآخر.  وعندما تستثير هذه الإهانات حجة قوية فإنها تغدو شخصنة.

دورك..

اقرأ وتأمل فيما إذا كان بمقدورك تمييز أي من هذين المثالين شخصنة وأيهما يعد مجرد إهانة:
مثال رقم 1: يتعاطف ماكدوغال مع فريق كرة قدم بريطاني، مما يعني عدم أهليته ليكون رئيس شرطة في أيرلندا.

إعلان

مثال رقم 2: كل سكان كريت يتسمون بالكذب.

2-مغالطة رجل القش

من السهل أن تدحضَ حجة معارضك عندما تكون ضعيفة، إذ استحقّتْ مغالطة رجل القش هذا الاسم بجدارة نظرًا لوجود خيال ظل لا حياة فيه ولا ضرر. ففي مغالطة التحريف، يهاجم شخص ما وضعية لا يتقلدها المعارض حقًا. فبدلاً من مقارعة حجة المعارض الحقيقية، يلجأ عوضًا عن ذلك إلى مهاجمة كومة مكافئة من المغالطات الهشة التي لا روح فيها، وهي حجج يسهل دحضها لم ينوِ المعارض الدفاع عنها بأي شكل. وبهذا، تكون مغالطات رجل القش طريقة رخيصة وسهلة لتقوية وضع شخص ما أكثر مما هي عليه. وباستخدام هذه المغالطة، تتميز الحجج المعارضة بكونها حججًا واهية لا روح فيها، بعيدة كل البعد عن الحقيقة ولا يعتمد عليها أبدًا. وبمقارنة بسيطة، نجد أنّ وضعية شخص ما تكون أفضل بوجودها.

كما يمكنك تخيل وجود مغالطتَي رجل القش والشخصنة معًا بهدف شيطنة المعارضين وتحطيم وجهات نظرهم. يمكن أن تكون هذه المغالطة لا أخلاقية، إذا كان الغرض من ارتكابها التشويه المتعمّد لوضعية المعارض من أجل خداع الآخرين. بَيْد أن مغالطة رجل القش غالبًا ما تكون عرضية، إذ لا يدرك مرتكبها أنه يبالغ في تبسيط وضعية ذات فرق دقيق عن وضعيته أو يسيء تمثيلها، فيقدمها بشيء من ضيق الأفق والاحتراس وكأنها عريضة أو رعناء.

دورك..

تأمل فيما إذا كان بمقدورك تحديد كيف تكون كلتا العبارتين مغالطة رجل قش:
مثال رقم 1: يرى السيناتور أننا نستطيع حل مشاكلنا البيئية بقيادة سيارات البريوس.

مثال رقم 2: [على النقيض تمامًا من المثال الذي سبقه] يرى السيناتور أن البيئة مدمرة بشكل لا يمكن لأي نوع سيارة أو عادة قيادة أن تحدث فرقًا فيها.

3-مغالطة الاحتكام إلى الجهل

إن أي لحظة يُِستعمل فيها الجهل بصفته مقدمة تدعم حجة ما، فإن هذه القضية عرضة للاحتكام المغلوط إلى الجهل. فمن الطبيعي أن نكون جميعًا جاهلين بأمور كثيرة، إلا أنّ الجانب الرخيص وما يتلاعب به هو السماح لهذا الجانب من الحالة الإنسانية بأن يحمل عنا أكثر أثقالنا في قضية ما. ليس بوسع الجهل أن يثبت سوى أن صاحبه لا يعلم شيئًا. ومن اللافت أن هذه المغالطة تستعمل لإسناد نتائج متعددة للمرة الواحدة. تأمل هاتين القضيتين: “لم يكن بمقدور أحد إثبات وجود أحياء خارج الأرض. لذا، فلا بد أن لا تكون حقيقية”.
“لم يكن بمقدور أحد الجزم بعدم وجود أحياء خارج الأرض. إذن، فلا بد أن يكونوا موجودين”. فإذا كانت استراتيجية المناقشة هي ذاتها التي تستعمل لدعم قضيتين بشكل متبادل، فهي ليست استراتيجية جيدة. ليس بوسع الجهل أن يثبت سوى عدم علم صاحبه بشيء. وعليه، إذا لم يُثبتْ أحد وجود تلك الأشباح أو الصحون الطائرة، فهذا لا يثبت وجودها أو عدمه. وإذا لم نكن نعلم شيئًا عما إذا كانت قد وجدت أصلًا، فإننا لا نعلم إذا كانت موجودة أم لا. الجهل لا يثبت شيئًا للمعرفة.

دورك..

تأمل الأمثلة التالية وانظر فيما إذا كان بمقدورك فهم مغالطة الاحتكام إلى الجهل:
مثال رقم 1: ليس لدينا أي دليل على وجود طائفة النورانيين، فقد كانوا أذكياء إلى درجة أنهم محوا كل الأدلة.
مثال رقم 2: لا أعلم عن تانك جونسون إلا أن لديه سجلًّا بسيط من الجرائم وأراهن على أنه أسيء فهمه.

4-مغالطة الدوامة الخاطئة أو المنطق الثنائي الخاطئ

إنّ لهذه المغالطة عدة أسماء أخرى، وهي مغالطة الأبيض والأسود، ومغالطة إما أو، ومغالطة المنطق الثنائي، ومغالطة المفترق. ويتمثل فشل هذا المنطق عن طريق تحديد الخيارات بخياري،ن رغم وجود مزيد من الخيارات يمكنك الاختيار من بينها. ففي بعض الأحيان، نختار شيئًا واحدًا أو شيئًا آخر أو كلاهما، بحيث لا يستثني أحدهما الآخر. يوجد أحيانًا سلسلة كاملة من الخيارات 3 و4 و5 أو ربما يصل العدد إلى 145 خيارًا. وعلى الرغم من ذلك، قد يغالط المنطق الثنائي بالمبالغة في تبسيط الخيارات، إذ تعتبر الحجج القائمة على المعضلة مغلوطة عندما يكون هناك في حقيقة الأمر خيارات أكثر من الخيارات المطروحة. إلا أنها لا تكون مغلوطة عندما يكون هناك خياران فقط.

فعلى سبيل المثال، إما أن تكون فرقة Led Zeppelin أعظم فرقة موسيقية على مر العصور أو لا تكون. هذه معضلة صحيحة، لأن الخيارات المطروحة هما خياران فقط، فإما أن تكون أ أو ليست أ. بَيْد أنه من المغلوط أن نقول: “هناك نوعان من البشر، أناس يحبون فرقة Led Zeppelin وأناس لا يحبون الموسيقى” لأن  بعض الناس يتّخذون موقفًا حياديًا تجاه هذه الموسيقى، وبعضهم لديهم شعور طفيف بالمحبة تجاهها، أو شيء من عدم المحبة تجاهها، إلا أنه ليست لديهم تلك المشاعر القوية في إحدى الاتجاهين.

وغالبًا ما تكون مغالطة المعضلة الخاطئة أداة للتلاعب بها، فهي مصممة لفصل الجماهير، إذ يتم إضفاء هالةٍ من البطولة على جانبٍ وشيطنة الجانب الآخر. ويَشيع هذا في الخطاب السياسي، كطريقة لتعبئة العامة بالقوة لدعم تشريعات وسياسات متناقضة.

دورك..

تأمل إذا كنت تستطيع تحديد الخيار الثالث الذي فشل السياسيون في ذكره:

مثال رقم 1: إما أن نخوض الحرب أو نظهر ضعفاء.

مثال رقم 2: إما أنك تحبني أو تكرهني.

5-مغالطة سد الذرائع

ربما تكون قد استعملتَ هذه المغالطة مع والديك عندما كنت مراهقًا. “يجب عليكما أنْ تسمحا لي بالذهاب إلى الحفلة، وإلا كنت فاشلاً بلا أصدقاء، والأمر الآخر هو أنه سينتهي بي المطاف إلى أن أكون وحيدًا وعاطلًا، أعيش في قبوكما عند بلوغي سن الثلاثين”. تعمل مغالطة سد الذرائع عن طريق الانتقال من مقدمة ظاهرها لطيف، أو نقطة بداية ثم السير بعدد من الخطوات الصغيرة إلى شدة لا تحتمل. ولا تنحصر هذه المغالطة في كونها سلسلة طويلة من الأحداث، لأنّ بعض سلاسل الأحداث منطقية تمامًا. ربما يكون هناك سلاسل معقدة من الأحداث التي تترابط مع بعضها جميعًا، وبذلك يكون لدينا سبب جيد لتوقع أنْ يلد السبب الأول المنتج الأخير.

بَيْد أن مغالطة سد الذرائع تشير إلى أنّ النتاجات السخيفة، أو غير المحتملة، تكون محتملة عندما لا يكون هناك دليل كافٍ على التفكير بهذا. تُرتكب حملات إعلانية محددة تقوم بها علامة Dodge التجارية لوسائل النقل وسلسلة مطاعم Taco Bell الأمريكية وحملة مؤخرة قامت بها خدمة Direct Tv، لبثّ هذه المغالطة إلى حد كوميدي بشكل كبير. إنه من الصعوبة بمكان أن تثبت أنّ شيئًا ما يحدث، أو قد حدث، ومن الأصعب أن سلسلة من الأحداث ستقع، لأن هذا ادعاء لم نصل إليه بعد. إنه لا يمكننا التنبؤ بشكل عام بالمستقبل بهذا النوع من اليقين، لأنّ مغالطة سدّ الذرائع تنزلق عند هذه العقبة، بافتراض وقوع سلسلة الأحداث المستقبلية دون إثبات احتماليتها.

دورك..

أي هذه الأمثلة تعتبر مغالطة سد الذرائع وأيها لا:
مثال رقم 1: تقتضي سياسة المدرب أنه لا يمكن لأحد أن يكون مشتركًا في لعبة اليوم إذا فاته التدريب. وعليه، إذا فاتك تدريب كرة السلة لهذا اليوم فلن تكون مشتركًا في مباراة الجمعة، ثم لن يكون بمقدورك المشاركة على أنك اللاعب الجديد الأول في فريق كرة السلة التابع لمدرستنا.

إعلان

أفادك المقال؟ شاركنا رأيك في التعليقات.

مصدر مصدر الترجمة

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.

تعليقات
جاري التحميل...