تأخذك إلى أعماق الفكر

ما بعد الحقيقة أخطر من الكذب

يجري الحديث كثيرًا عن ما بعد الحقيقة ، حتى إنّها سُميت كلمة العام 2016 من قبل قواميس أكسفورد. لكن، إلى أيّ ظاهرةٍ تحيل هذه الكلمة؟ بدايةً، بوسعنا القول إن الحقيقة تم تجاوزها في زمن ما بعد الحقيقة، كما جرى السعي إلى تجاوز الحداثة في ما بعد الحداثة. ففي أي شيءٍ يتمثل هذا التجاوز للحقيقة؟

أزمنة ما بعد الحقيقة أزمنة الخداع

عديدةٌ هي الظواهر التي تحيط بما بعد الحقيقة أو ترافقها: الكذب، والجهل، والدجل، والتضليل، والأخبار المزيفة fake news، الشعبوية، وشبكات التواصل الاجتماعي، والدعاية propaganda، والإنكار…إلخ. وهي ظواهرٌ غير متجانسةٍ تثير فكرة الخداع الواسع.

إلا أن أفضل ما يميز ما بعد الحقيقة هو غياب الاحترام للحقيقة أو الاستهانة بها، وهذه السمة ينبغي عدم المماثلة بينها وبين الكذب؛ فالكذب والاستهانة بالحقيقة شكلان مختلفان من أشكال الخداع. الكذّاب يعلم ما هي الحقيقة، يلعبُ لعبةَ الحقيقةِ، ولكنّه يخفيها متعمدًا. لكن ما بعد الحقيقة تذهب أبعد من ذلك، تتجاهل لعبةَ الحقيقة، ولا تعبأ بها. الحقيقة مُتَجَاهلَة، مُتَجَنَّبَة.

الدجال بوصفه أصلًا

أريد أن أذكرَ مؤلِّفَين نقَّبا في ظاهرة ما بعد الحقيقة، على الرغم من أن الكلمة لم تكن قيد التداول بعد. الأقرب عهدًا هو Harry G. Frankfurt. في عام 2005، في نصٍ وجيز بعنوان On Bullshit، يحلل فرانكفورت ظاهرة الدجل ويقارنها بالكذب. حول هذه المقارنة يجري النقاشُ حاليًا بحدّةٍ كبيرة، في ميدان البراغماتية pragmatism، على سبيل المثال.

ينشغلُ هذا الفيلسوفُ الأمريكيّ بشخصيةٍ كانت تنتشر وتتوسّع بدون توقفٍ في ذلك الوقت، مع التغيرات المفاجئة في عالم التواصل، وفي منتديات مختلفة، وهي: الدجَّال. الدجال يستهين بالحقيقةِ بتجاهلِها وتجاوزِها، يتكلمُّ بدون توقفٍ، وينتج خطابات. موقفه ليس موقف الكذّاب.

إعلان

مع ذلك، يشدّد فرانكفورت على أن هناك أمرًا مقلقًا بصدد هذه الشخصية. تاريخيًا، كان هناك تسامح أقل مع الكذاب مقارنةً بأشكالٍ أخرى من الخداع. الكذّاب كان مُلاحَقًا ومُعَاقَبًا على الدوام (“لا تشهد الزور ولا تكذب”. تقول الوصية الكاثوليكية). الدجال، في أحسن الأحوال، كان عرضةً للاستهزاء. فرانكفورت -في المقابل- يرى تهديدًا رهيبًا في هذه الشخصية الأخيرة، إنها بداية ما بعد الحقيقة، حتى قبل أن يوجد اسمٌ لهذه الظاهرة.

الحقيقة والسياسة: حنة آرنت

في وقت سابق (أواخر ستينيات وأوائل سبعينيات القرن العشرين)، تكلمت حنة آرنت Hanna Arendt أيضًا عن هذه الظاهرة.

تقوم آرنت بتحليل مثير جدًا للاهتمام بخصوص العلاقات الجوهرية بين السياسة والكذب، وتلمح مستجدات في هذه العلاقات.

تثبت أن أكاذيب عصرها (من بين حالات أخرى، تُعنى بأوراق البنتاغون الشهيرة) لم تعد حول قضايا سرية، وإنما حول قضايا معروفة تمامًا. كما تثبت أن السياسة تتبع استراتيجيات خاصة بصناعة الدعاية والإعلان، وتشير إلى تلك الاستهانة بالحقيقة التي تتركنا بدون البوصلة اللازمة لنتمكن من السير والمضي في حيواتنا بالحد الأدنى من التوجيه.

هذه الاستراتيجيات الدعائية للسلطات العامة تفتح الأبواب أمام الشموليات الجديدة (آرنت خبيرة كبيرة ومحللة لنظامي هتلر وستالين الشموليين). يتعلق الأمر إذن بتهديد حقيقي. تعتبر آرنت أن ظاهرة الاستهانة تؤثر على ما تسميه “مستودعات الحقيقة” ، وتضمّ: النظام القضائي، والجامعة، والنظام التعليميّ عمومًا، والعلم (الذي كان ممكنًا -بحسب كلماتها- بفضل التوق إلى الموضوعية)، وأخيرًا الصحافة (التي مارسَتَها، على سبيل المثال، في حالة أدولف ايخمان).

لا من اليمين ولا من اليسار

ثمة نقاش واسع حول أصول وجذور وتطور موقف الاستهانة هذا. وقد حاجج مؤلفون عديدون بأن هذا الموقف أخذ يتحول من منظور أيديولوجيّ “من كونه خاصًا بفكر سياسي يساري (ناقد للطبيعة المطلقة للحقيقة أو للمعرفة أو للعلم)” إلى الارتباط باليمين (ترمب هو النموذج الكبير).

مع ذلك، مهما كانت أهمية هذا النقاش من وجهة نظر تاريخية وسياسية ومفاهيمية، فإن ما يُعد مشكلة حقًا هو أن ما بعد الحقيقة تُغْرِق كل ما يحيط بنا، من الأقرب إلى الأبعد. ليست مسألة يمين ويسار.

الاستهانة بالحقيقة

ليس الجديد أنه يجري الكذب أو الخداع بشأن هذا أو ذاك من الأمور. الجديد هو أن الحقيقة نفسها يجري الاستهانة بها. ومن المثير للقلق أن نرى كيف يتجلّى الجهلُ متعجرفًا أمام ذهولِ من يقوم بالبحث والتحقيق.

فكِّرْ في الاحتجاجات الإنكارية ذات العلاقة بالوباء، أو في نزعةِ الإنكار المتعلقة بالتطور أو بالتغير المناخي، أو بالتصورات المرتبطة بالحركات المناهضة للّقاحات.

الجديد هو أن المفاهيمَ التي تدور حولها بالضرورة نشاطاتٌ إنسانية محددّة هي التي يجري الاستهانة بها. على سبيل المثال، لم يعد الأمر يتعلق بمقالة، أو بعملٍ صحفيٍ موضوعيّ إلى هذا الحد أو ذاك (نقاش مثير للاهتمام، وصعب، ولا يمكن التخلي عنه، وفقًا لرؤيتي)، وإنما هو أنه مع شعار “الموضوعية ليست موجودة” يُعَرقَلُ ذلك التفكيرُ، ويُفْتحُ البابُ أمام مفهومٍ آخرٍ للنشاط “الصحفي”. أين هو مكان الصحافة التي يمثلها الفيلم المتميز “spotlight”؟ باقتباس كلمات آرنت وتطبيقها في سياق آخر، إن إنكار “التوق إلى الموضوعية” هو إزالة الحاجز أمام “صحافة” من نوع آخر.

بالطبع، يمكن لأفكار ومخاوف مماثلة أن تُطبَّق على ميادين أخرى. في زمن كوفيد 19 واللايقين، ما الذي سمعناه حول العلم؟ ما هي الفكرة عن العلم التي ترسلها النزعة الإنكارية؟

أهمية مستودعات الحقيقة

لقد مضينا خطوة في طريق الخداع. يُستهان بالحقيقة، وبسلسلةٍ كاملةٍ من المفاهيم المسمّاة بـ”المفاهيم الابستيمية/المعرفية” التابعة لها، وتضمّ: الموضوعية، والاتساق، والحياد، والصدق، ومقارنة الاعتقادات (الافتراضات أو النظريات)، واحترام الأدلة، والدقة، والاعتراف بإمكانية الخطأ والسعي إلى تقليل الأخطاء، والتصحيح الذاتي…إلخ.

في الواقع الراهن توجد وسائل أكثر من أي وقت مضى للنشر الواسع لبيئة ما بعد الحقيقة، ومن بين عناصر أخرى، توفر التكنولوجيات الجديدة وشبكات التواصل الاجتماعي موطنًا ملائمًا لتطورها.

ما العمل؟ متذكرين آرنت، فلنقم بحماية مستودعات الحقيقة. كيف؟ بأن نكون مخلصين للقيم المذكورة آنفًا، على الأقل في النشاطات الإنسانية، حيث تكون هذه القيم مطلوبة. هذا الإخلاص مقترن -بطبيعة الحال- بعقباتٍ وإخفاقاتٍ عديدة. ما بعد الحقيقة تتجاهل هذا كله، تلعب (أو تسعى للّعب) في ميدانٍ آخر.

رابط الأصل:

إعلان

فريق الإعداد

ترجمة: زياد الأتاسي

تدقيق لغوي: سلمى عصام الدين

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.