تأخذك إلى أعماق الفكر

ما الذي تتحدث عنه الميتافيزيقا بالضبط؟

كتابة: أماندا برايانت – الأستاذة المساعدة بقسم الفلسفة بجامعة ترينت

عندما أذكر كلمة «الميتافيزيقا» قد يتبادر إلى ذهنك ذلك القسم الغريب بالمكتبات والذّي يضمُّ كتبَ موجةِ «العصر الجديد» (New Age) عن البلوّراتِ والتّنجيم والذّبذبات والأسرار الكونيَّةِ التّي ستغيّرُ حياتك وغيرها من الكلامِ الفارغِ، لكنّ الفلاسفةَ معنيّون بنوعٍ آخرَ من الميتافيزيقا. على الرّغم من أنَّ البعض يعتقد أنّه كلامٌ فارغٌ أيضًا، يرى الكثير منَّا أنّه فكريّاً أكثرُ جديّةً بكثيرٍ من ذلك النّوع الذَّي تضمهُ أقسام العصر الجديد في المكتبات.

كان أوّل من استخدمَ مصطلح «الميتافيزيقا» هو أحد شُرَّاحِ أرسطو، والذَّي عنونَ عددًا من كتاباته بالاسم اللَّاتينيّ «ميتا دا فوزيكا» ويعني حرفيَّاً «ما بعد الفيزيقا/الفيزياء/الطبيعة». وإليكم  بعض الأسئلة التَّي نعتبرُها في العادة أسئلةً ميتافيزيقيَّة: ممّ يتكوَّن العالمُ؟ ماذا يعني أن يكونَ الشَّيءُ موجوداً؟ هل الأرقام موجودة؟ هل هناك كليَّات أو صور (هل هناك «قِطية» علاوةً على القطط المُفردة؟ أو «زُرقة» علاوةً علي الأشياء الزَّرقاء؟ أو «جمال» علاوةً على الأشياءِ الجميلة)؟ هل الواقعُ موجودٌ في العقلِ فقط أمْ أنّ هناكَ واقعًا موجودًا بالفعلِ خارجَ العقلِ؟ هل العقولُ أو الأرواح موجودةٌ؟ ما طبيعةُ السّببيّة؟ ما طبيعةُ الزّمن؟ هل لدينا إرادةٌ حرَّةٌ؟ ما الذّي يجعلُ الإنسان إنساناً؟

الآنَ وبعد أنْ قرأتَ هذه الأسئلة، ربّما لا يزالُ لديك بعضُ الحيرةِ بشأن ما تدورُ حولَهُ الميتافيزيقا؟ لا تقلقْ، فالفلاسفةُ أيضًا في حيرةٍ من أمرِهم بشأن الأمر نفسه. إنّنا نجدُ صعوبًة في وضعِ توصيفٍ عامٍّ للميتافيزيقا يجمعُ بينَ أمرين: واحد يميّزُها عن سائر أشكالِ البحثِ الأُخرى، ويلتقطُ كلّ (أو أغلبَ) الأسئلةِ التّي يراها الفلاسفةُ أسئلًة ميتافيزيقيَّة. وأمرآخر هو تحديد أهدافِ الميتافيزيقا بدقَّةٍ هو نفسه موضوعٌ فلسفيّ يثورُ فيهِ جدلٌ كبيرٌ، وهو ينتمي إلى ما يطلقُ عليه الآنَ «ميتا ميتافيزيقا». والميتا ميتافيزيقا هو مبحثٌ معنيٌّ بالبحثِ في أهداف وطرائق الميتافيزيقا، وكذلك في مدى إمكانيَّةِ الدّفاعِ عنها بوصفها شكلًا من أشكالِ البحث، (ونعم، يمكنُ أن تكون هناك ميتا ميتا ميتافيزيقا، وميتا ميتا ميتا ميتافيزيقا، وهكذا إلى ما لا نهاية، لكنْ دعنَا لا نمضي في هذا الاتّجاه)، ودعنَا نتحدّثُ قليلًا في الميتا ميتافيزيقا ونستعرض بعض وجهات النّظرِ بشأنِ أهدافِ الميتافيزيقا، ما الفائدةُ منها؟ وما الذّي يسعى علماء الميتافيزيقا إلى تحقيقهِ؟ وما الذَّي تتحدّثُ عنه الميتافيزيقا حقًا؟

«يمكننا أنْ نقول أنّ علماءَ الطّبيعةِ يسعونَ إلى الحُصولِ على صورةٍ فائقةِ الدّقّةِ للعالَمِ. أما عالمُ الميتافيزيقا فهو ليسَ مُصوّراً فوتوغرافيّاً، وإنّما هو أشبه بفنّانٍ انطباعيّ.»

في البدايةِ، يمكننا أنْ نُميّزَ بعضَ الأهدافِ العامّةِ جدًا التَّي قد تتبنّاها الميتافيزيقا، فهي قد تهدِفُ إلى أنْ تُعطينا اعتقاداتٍ مُبرَّرةً أو صحيحةَ عن العالمِ، أو معرفةٍ عن العالَمِ أو فَهمًا للعالَمِ، وهذهِ هي ما يسميّهِ الفلاسفةُ الأهدافَ الإبستمولوجيّة/المعرفيّة، وهو ما يعني أنّها مُنجزاتٌ إدراكيّة أو فكريّة. ومن زاويةٍ أُخرى، قد يكون للميتافيزيقا أهدافٌ منطقيّةٌ، مثل إنتاجِ نظريّاتٍ مُتّسقةٍ أو حُججٍ صحيحةٍ منطقيًّا، وقد تكونُ لها أهدافٌ جماليّةٌ، كأنْ تهدف إلى إنتاجِ نظريّاتٍ جميلةٍ أو مثيرةٍ، وقد يكون لها أيضًا أهدافٌ عمليَّةٌ، كإنتاجِ أدواتٍ مفاهيميَّةٍ مُفيدةٍ. قد يكون للميتافيزيقا أحد هذهِ الأهدافِ العامّةِ أو عددًا منها، وثمَّةَ الكثيرُ ممَّا يمكنُنا قولُهُ بشأنِ تلكَ الأهدافِ. لكن دعونا نركّز على التّصوّراتِ الأكثر ارتباطًا بأهدافِ الميتافيزيقا وبما يميّزُها عن المباحثِ الأُخرى.

النّظرة الأرسطيّة

كان أرسطو أحدَ الرُّواد العِظَامِ في مبحث الميتافيزيقا، وله عدَّة تصوُّرات عمّا سيعرَفُ لاحقًا باسمِ الميتافيزيقا، ومن تلكَ التَّصوّراتِ إنّ الميتافيزيقا هي دراسةُ «الوجودِ بما هو وجود»، ووفق هذه النَّظرةِ هدفُ الميتافيزيقا هو دراسةُ الموجوداتِ، أو الأشياءِ الموجودةِ في العالَمِ، وذلك من وجهةِ نظر خاصَّةٍ، ليس في صفاتِها الظّاهريّةِ، كاللّونِ أو الشّكلِ أو الحجمِ أو الرّائحةِ، وإنّما في شيءٍ أكثرَ أساسيّة، وهو وجودها المحضُ (أو الطّريقة التّي تُوجدَ عليها)، ثمَّ يمضي أرسطو بذكرِ عددٍ من المقولاتِ (categories) أو أنواعِ الوجود، وبحثِ طبيعتِها.

إعلان

تلتقطُ النَّظرةُ الأرسطيّة بعضًا من الميتافيزيقا، لكنْ ليسَ كلّها، فعلى سبيلِ المثال، يرى بعضُ علماءِ الميتافيزيقا الحاليّين أنّ العالمَ في طبيعتِهِ النّهائيّةِ لا يحوي أيّ أشياء، وهذا ادّعاءٌ بشأنِ ما هو موجود وليسَ بشأنِ الطّريقةِ التّي يوجد عليها شيءٌ ما، إذن فالنّظرةُ الأرسطيّة ليست عامّة بما يكفي لأغراضنا هنا.

النظرة التصويرية

بنظرةٍ أوسعَ من نظرةِ أرسطو، ربّما نقولُ أنّ ما يسعى إليهِ عالم الميتافيزيقا ليسَ الإمساكُ بشيءٍ مُتعالٍ وغريبٍ كالوجودِ، وإنّما هو معرفةُ الطّبيعةِ الأساسيّةِ للواقعِ. وفي الواقع، هذه هي الطّريقة التّي تُوصَفُ بها الميتافيزيقا في مُعظمِ المَداخلِ أو المراجعِ الأوليّةِ التّي تتناولها، دعنا نسمّيها «النّظرة التّصويريّة»، إذ وفقاً لها، تهدفُ الميتافيزيقا إلى أنْ تُعطينا صورةً عن العالَمِ، أو عن السّماتِ الأساسيّةِ للواقعِ، وكما أنّ الصُّور تمثِّلُ الواقعَ، تحاولُ نظريّاتُ الميتافيزيقا أنْ تُمثّلَ العالَمَ أو أنْ تَصِفَهُ بدقّةٍ.

لكنّ الكثيرَ من العلوم الطّبيعيّةِ معنيّةٌ أيضًا بالطّبيعةِ الأساسيّةِ للواقعِ؛ ومع ذلك، لا تدخل عادةً ضمن الميتافيزيقا. إذنْ، فالسّعي إلى تمثيلِ أو وصفِ الطّبيعةِ الأساسيّةِ للواقعِ ليس كافياً لأنْ يجعلَ مَبحثًا ما ميتافيزيقا وليسَ شيئًا آخرَ، وربما يكونُ الحال هو أنّ العلمَ والميتافيزيقا يشتركانِ في الهدف نفسِهِ لكنْ يميّز بينهما شيءٌ آخرَ، كالمنهجِ الذّي يتّبعُه كلٌّ منهما مثلًا.

ومن ناحيةٍ أُخرى، قد يقولُ عالِمُ الميتافيزيقا أنَّ العلمَ لا يتعامَلُ إلّا مع الظّواهرِ (كيف تبدو الأشياء؟)، وأنَّ النّظريّاتِ العلميّة تُوضَعُ لتفسيرِ الظّواهرِ المشاهَدةِ والتّنبؤ بها، وأنّها مبرّرةٌ تجريبيًا إلى الحدِّ الذّي تستطيعُ معَه تفسيرَ الظّواهرِ والتّنبؤ بها، ومن ثمّ فالعالمُ الطّبيعيّ ليس مسؤولًا إلَّا عن عالَمِ الظّواهرِ، أمَّا الفلاسفةُ فقد أدركوا منذُ زمنٍ طويلٍ إمكانيَّة ألّا تكونَ حقيقةُ الأشياءِ على الشَّكلِ الذّي تظهرُ عليهِ على الإطلاقِ، فعلى سبيلِ المثالِ، قد تكونُ الحقيقةُ أنّنا جميعًا نعيشُ في المَصفوفَةِ (The Matrix)، وإذا كنَّا جميعًا عالقين في المَصفوفةِ، فلنْ يكونَ العلمُ هو ما يخبرُنا بذلك؛ بل ستكونُ الميتافيزيقا الحقيقيّة هي ما تخبرنا بحقيقةِ الأمرِ، ستخبرنا بالحقيقةِ المصفوفيَّةِ البشعةِ.

النَّظرة الفنيّة الانطباعيّةِ

إذا لمْ يدفعك القلقُ بشأنِ احتماليَّةِ المَصفوفةِ إلى أنْ ترى أنّ وصفَ الواقعِ هو مهمّةُ علماءِ الطّبيعةِ وعلماءِ الميتافيزيقا على حدّ السَّواء، فربَّما نلجأُ إلى التّمييزِ بين الميتافيزيقا والعلمِ الطّبيعيّ من زاويةِ نوع ِالوصفِ الذّي يسعى خلفَهُ كلٌّ من علماءِ الطّبيعةِ وعلماءِ الميتافيزيقا. يمكُننا أن نقول: إنّ علماءَ الطّبيعةِ يسعون إلى الحُصولِ على صورةٍ فائقةِ الدّقّةِ للعالَمِ؛ أيْ إنّ جزءاً من مهمَّةِ عالِمِ الطّبيعةِ هو أو يزوّدنا بمجموعةٍ من التّفاصيلِ التّجريبيّةِ الصُّلبةِ عن العالَمِ تماماً كما تفعلُ صورةٌ فوتوفراغيَّةٌ واضحةٌ، أمَّا عالِمُ الميتافيزيقا فلا يسعى خلفَ تلك التّفاصيل التّجريبيّةِ الصُّلبةِ نفسِها، ومن ثمّ فهو ليسَ مُصوِّرًا فوتوغرافيًا، لكنّه لا يزالُ وفقَ هذه النّظرةِ يرغبُ في أنْ يُصوّرَ حقيقةَ الأشياءِ، والفارقُ هو أنّهُ يفعلُ ذلك بمستوىً من التَّجريدِ أعلى من عالِمِ الطّبيعةِ. وبينما يحدّثُنا عالِمُ الطّبيعةِ مثلًا عن كيفيّةِ تَفاعُلِ حمض الهيدروكلوريك مع هيدروكسيد الصوديوم سببياً ولم يتفاعلا بتلكَ الطّريقةِ، يحاولُ عالِمُ الميتافيزيقا أنْ يصِفَ طبيعةَ السّببيّةِ نفسِها، ومن ثمَّ، فعالِمُ الميتافيزيقا ليس مصورًا فوتوغرافيًا وإنّما هو أشبهُ بفنانٍ انطباعيّ يُعطينا صورةً عن العالَمِ من نوعٍ مُختلفٍ عن ذلك الذَّي يقدّمهُ العالم الطّبيعيّ.

«من الواضح أنَّهُ ليس علينا أن نحسمَ الجدلَ بشأنِ السُّؤالِ عن ماهيَّةِ الميتافيزيقا أو عن أهدافها المُحدّدةِ قبل أن نُنتِجَ أيّ ميتافيزيقا، وهكذا سيمضي علماءُ الميتافيزيقا في مُمارسة الميتافيزيقا، ويمكنُ لبقّيتِنا أنْ يمضوا في محاولةِ أن يعرفوا ما الذّي يسعونَ إليهِ بحقِّ الجحيم.»

نظرة قائمة الجرد

ربَّما لا تكونُ معنيًّا بالتّمييزِ بين الميتافيزيقا والعلمِ الطّبيعيّ، وقد ترى أنّ أهدافهما متّصلةٌ تقريبًا، وأنَّ ما ينبغي فعلهُ بناءً على ذلك ليس محاولةُ تمييزِ كلّ منهما عن الآخرِ، وإنّما محاولة ربطهما ببعضهما على نحوٍ أوثقَ، فعلى سبيل المثالِ، يرى ويلارد كواين -أحد أهمّ فلاسفة القرن العشرين، والمعروف بعمله على اللّغة والمعرفة والعلوم الطّبيعيةّ وغيرها من المجالاتِ- :إنَّ علينا أنْ نحدّد طبيعةَ الميتافيزيقا بالاحتكامِ المُباشرِ إلى العلِمِ، وكان رأي كواين تقريباً، هو أنّ علينا أنْ نأخذ أدقّ ما وصلت إليهِ العلوم الطّبيعيّةِ ونُترجمه إلى ترميزٍ منطقيّ، ثمَّ نستخدمَهُ لتحديدِ ما هو موجود. وفقَ هذه النّظرةِ الهدفُ الرّئيس للميتافيزيقا هو أن تخبرَنا بما هو موجودٌ، وسنطلقُ على هذا الرّأي «نظرة قائمة الجرد». ففي حين أنّ كواين كان يرى أنّ للعلومِ الطّبيعيةِ دوراً لا غنى عنه في مُمارسةِ الميتافيزيقا، يُمكنك بلا شكٍ أن تعتنقَ نظرةً قائمةَ الجردِ وترى أنّ للعلومِ الطّبيعيّةِ دورًا محدودًا؛ فإحدى مشكلاتِ هذه النّظرة هي أنَّ الميتافيزيقا ليست معنيّة بجرد الموجوداتِ إلّا في جزءٍ واحدٍ منها – نسمّيه الأنطولوجيا/علم الوجود-، بينما هي في الجزءِ الأكبرِ منها معنيّة بأمورٍ أُخرى مثل طبيعةِ السّببيّةِ وطبيعةِ الإنسان.

النَّظرة البنائيّة

مؤخراً، طَرَحَ بعضُ علماءِ الميتافيزيقا طرحًا مُعاكِسًا لما قالَ به كواين وهو إنَّ الميتافيزيقا لا يعنيها كثيرًا جرد ما هو موجود، وإنّما يعنيها أكثرَ وصف البنية الأساسيّةِ للواقعِ، وإحدى طُرقِ التّعبيرِ عن مبدأ البنية هذا هو الحديثُ عن مدى الأساسيّةِ، فأنْ تعرِف بنيةَ الواقعِ يعني أن تعرِفَ ما هي الأشياءُ الأساسيّة؛ أيْ تلكَ التّي لا تعتمدُ في وجودِها على أيّ شيءٍ آخرَ ” فمثلاً، يمكننا أن نعتقدَ أنّ الإلهَ كينونةٌ أساسيّةٌ، أو أنّ تلك الأشياء التّي تدرسها الفيزياءُ الأساسيّةُ هي أشياء أساسية”، وما هي الأشياءُ غيرُ الأساسيةِ. وعلى أية حال، فوفقًا للرّؤيةِ البنائيّةِ للميتافيزيقا نحنُ نريدُ من الميتافيزيقا أنْ تُخبرَنا عن الكيفيّةِ التّي تتركّب بها الأشياءُ معًا لتكوّن نوعًا من البُنيةِ.

لاحظ على الرَّغم من ذلك أن هذه الرّؤية للميتافيزيقا تقومُ على افتراضاتٍ ميتافيزيقيّةٍ مُعيّنةٍ قد لا نقبلها؛ فقد يُنكِرُ أحدُ علماء الميتافيزيقا أنّ بعضَ الأشياء أكثرَ أساسية من أشياء أُخرى، أو إنَّ الواقع له بنية بأيّ معنًى مهم أو مثير ميتافيزيقياً. وإذا حدث ذلك، فلن تكون النّظرة البنائيّة كافيةً لتوصيفٍ عامٍّ للميتافيزيقا وأهدافِها. وكما رأينا حتَّى الآنَ، فكلُّ النّظراتِ التّي استعرضناها تضعُ للميتافيزيقا أهدافًا معرفيًّة متعاليًة كثيرًا: فالميتافيزيقا يُفترَضُ أنْ تُعطينا اعتقادًا صادقًا أو مبرّرًا، أو معرفًة أو فهمًا للعالَمِ أو لبعضِ جوانبِهِ؛ لكنَّ بعضَ الفلاسفةِ -أمثالي- يعتقدونَ أنَّ الميتافيزيقا لا يمكنُها أنْ تأملَ في تحقيقِ تلك الأهدافِ المعرفيّةِ المُتعاليةِ -على الأقل- حينَ تعملُ بُمعزَلٍ عن العلوم الطّبيعيّةِ، وممّا قد نردُّ بهِ هو أنْ نُنكِرَ أنّ الميتافيزيقا تهدِفُ حقًا إلى المُساهمةِ في معرفتِنا أو فهمِنا لحقيقةِ الأشياءِ، وهناكَ بالفعلِ بعضُ النّظراتِ التّي تضعُ للميتافيزيقا أهدافًا أكثرَ تواضُعًا، كتوضيحِ مفاهيمِنا اليوميّةِ أو جعلِ اعتقاداتِنا مُتّسقة، أو معرفة كيفَ يمكنُ أنْ تكونَ الأشياءُ في مقابِلِ ما هي عليه؟ دعنا ننظر في هذه الخيارات.

نظرة التّحليل المفاهيميّ

يعتقدُ عددٌ من الفلاسفةِ أنّ الميتافيزيقا تهدِفُ إلى تحديدِ مفاهيمِنا وتوضِيحها، والميتافيزيقا وفقَ هذا النّوع من النّظرِ تتعلَّقُ بالكيفيّةِ التّي يُفكّرُ بها النّاس ويتكلّمونَ بها، وبالأُطرِ المفاهيميّةِ التّي تُؤسّسُ لذلكَ الفِكْرِ والكلامِ.

طرَحَ بيتر ستروسون “عالمِ ُالميتافيزيقا وفيلسوفُ اللُّغةِ بجامعة أوكسفورد” تصوُّرًا عن ميتافيزيقا وصفيّة تهدِفُ إلى وصفِ مفاهيمنا الأعمقِ أو الأشدِّ أساسيّة، ويتّصلُ بذلك التّصوّرِ نظرةً تُسمّى «الخطّة الكانبيرية» “-بسبب ارتباطها بفلاسفةٍ يعيشونَ في مدينةِ كانبيرا بأستراليا-“، وهي ترى: إنّ جزءًا محوريًا من الطّريقةِ الفلسفيّةِ هو تحليلُ مفاهيمنا؛ إذْ يقول فرانك جاكسون “أحد أنصار الخطّةِ الكانبيرية”: إنَّ علينا أنْ نميّزَ بين نوعين مختلفين أو مرحلتين مختلفتين من الميتافيزيقا: الميتافيزيقا المتواضعة والميتافيزيقا الجادّة. وأمّا الميتافيزيقا الجادّة فهي تهدِفُ إلى أن تُحدّثنا عن العالَمِ وعلى وجه الخصوص عمّا إذا كانت أمور بادية الغُمُوضِ كالعقلِ والإرادةِ الحُرّةِ أستتوافقُ مع العالم الطبيعي أم لا؟ وكيف سيحدث ذلك؟ لكن قبلَ أنْ نتمكَّن من فعلِ ذلك علينا أن نعرفَ ما الذّي نتحدّثُ عنه حينَ نتحدّثُ عن «العقل» أو «الإرادة الحرة»؛ أيْ أنّ أسئلتنا الميتافيزيقية تتشكّلُ ضمنَ إطار من مفاهيم معيّنةٍ، وأنّنا لن نتمكّن من التّصديّ للأسئلةِ حتّى نتمكّنَ من استيضاحِ المفاهيمِ، وهذا هو ما تهتّمُ به الميتافيزيقا المُتواضعةُ أنْ تجعلَ مفاهيمنا واضحًة، وهكذا تميّز النّظرة الكانبيريّة لفرانك جاكسون بين مُهمّة ميتافيزيقيّة أوليّة نوعًا ما، وهي مهمّة استيضاحِ المفاهيمِِ التّي تُؤطّر المُشكلات أو الأسئلة الميتافيزيقيّة التّي تعنينا، والمُهمّة الثّانويّة المعنيّة بمعرفةِ كيف تتوافقُ الأمورُ الميتافيزيقية البادية الغُموض مع العالَمِ الطّبيعيّ.

نظرة الطُّمأنينة التّأمليّة

أقر ديفيد لويس، أحد تلامذة كواين وأحد أبرز علماء الميتافيزيقا في أواخر القرن العشرين، أنَّ الميتافيزيقا تتضمّنُ جزئيًا التَّعرُّف على الطّريقةِ التّي نُفكّرُ بها في الأمورِ؛ لكنّه رأى أنّ ذلك ليس إلّا نقطة ابتداء، فنحنُ نبدأُ باعتقاداتِنا عن العالَمِ، ثمَّ نُمنهِجُها أو نجعلُها تأخذُ شكلًا منهجيًَا، حيثُ نحاول أنْ نُنظّفَ نظامَ اعتقاداتِنا؛ أنْ نرتّبَهُ؛ أن نجعلَه مُتّسِقًا؛ أيْ أنْ نُخلّصَهُ من النّقاطِ التّي يتبّدى فيها التّشوش وعدم الاتّساقِ. وهدفُ عالِمِ الميتافيزيقا وفقَ هذهِ النَّظرةِ هو أنْ يسعى إلى ما يُسمّيهِ الفلاسفةُ الطّمأنينة التّأمليّة؛ أيْ أن يُداومَ على فحص اعتقاداتِهِ وتأمُّلها ومُراجعتها لكي يزيدَ من تمامِ اتّساقِها فيما بينها.

نظرة الإمكانيّة

ربّما يكونُ جعلُ اعتقاداتِكَ مُتّسقة فيما بينها إنجازًا فكريًّا أو معرفيًّا، لكنَّ اتّساقَها لا يَجعلُها صحيحةً، ولا يعني أنّك تعرِفُ محتوى تلك الاعتقاداتِ من ناحيةٍ. ومن ناحيةٍ أُخرى، رأى الفيلسوفُ البريطانيّ إدوارد جوناثان لوي: إنّ الميتافيزيقا تُعطينا معرفًة، لكنّها ليست معرفًة بما هو كائِن، فقد رأى الميتافيزيقا بحثًا فيما يمكن أن يكونَ وكيفَ يمكنُ للأشياءِ أن تكونَ؟، وليس فيما هو كائِنٌ وما هو واقعُ الأشياء، أو بعبارةٍ أُخرى فالميتافيزيقا معنيّة في الأساسِ بالمُمكنات وليست معنيّة كثيرًا بالكائناتِ. وفي الواقع، كان جوناثان لوي يرى أنّك لا بدَّ أن تعرفَ ما هو ممكن قبلَ أن تعرفَ ما هو كائن، وأنّ العلوم التّجريبيّة بناءً على ذلك تقومُ على الميتافيزيقا أو على افتراضاتٍ ميتافيزيقيّة.

لقد بدأنا بسؤال: ما الذّي تتحدّث عنه الميتافيزيقا بالضّبط؟ ورأينا أنّ الفلاسفة فكّروا في إجاباتٍ كثيرة: فالميتافيزيقا تبحثُ في الوجود بما هو وجود، ترسم صورةً للعالَمِ، تصوّر العالَمَ تجريديّاً، تخبرنا بما هو موجود وما هو كائن، تكشف بنية الواقع، توضّح أُطرنا المفاهيميّة، تجعل اعتقاداتنا متّسِقة، تُرينا ما هو ممكن… وهذهِ ليست سوى بعض الرّؤى المُتاحة! فكيف ينبغي لنا إذن أن نفكِّر في الميتافيزيقا؟ من المُمكن ألّا تشمل أيّ رؤيةٍ عامّة للميتافيزيقا في كلّ أو معظم الحالات التّي يعتبرها الفلاسفة نشاطًا ميتافيزيقيًا؛ وإذا كان الحال كذلك، فربّما نكونُ بحاجةٍ إلى طرح هجين يضع للميتافيزيقا أهدافًا متعدّدةً. وعلى أي حال، من الواضح أنّه ليس علينا أنْ نحسم الجدلَ بشأن السُّؤال عن ماهيّةِ الميتافيزيقا، أو عن أهدافها المُحدّدة، قبل أن نُنتِجَ أيّ ميتافيزيقا، وهكذا سيمضي علماء الميتافيزيقا في ممارسة الميتافيزيقا، ويمكن لبقيّتِنا أن يمضوا في محاولة أن يعرفوا ما الذّي يسعون إليه بحق الجحيم؟

مصدر الترجمة

إعلان

فريق الإعداد

ترجمة: أحمد قياتي

تدقيق لغوي: ديما الخطيب

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.