تأخذك إلى أعماق الفكر

ماذا تعرف عن المواد الكارهة للماء (الهايدروفوبيك)؟


هل سبقَ لكَ أنْ سمِعتَ عبارة “لا يمكن أن يختلط الزيت بالماء”؟ إنّ الأساسَ وراء هذا المثل القديم يرجع إلى الكيمياء، إذ يوصَف هذا السلوك في علم الكيمياء بِـ “hydrophobicity”، وهي صفة المواد الكارهة للماء.

فيما يلي سنعرف ما معنى أن تكونَ المادة كارهة للماء؟وما أهمية هذه الخاصية؟

قطبيَّة جُزيء الماء:

لتفسير هذهِ الخاصية، تجب معرفة طبيعة الماء بشكلٍ عام، فجزيئات الماء قطبية، والجزيئاتُ القطبيّة هي جزيئات تحملُ شُحنات جزئية نتيجة الترابط غير المتناظر، أي أنّ الإلكترونات الرابطة تكون أقرب للذرةِ الأكثر كهرُسلبية، وفي جزيء الماء تمتلك ذرة الأكسجين كهرُسلبية عالية، مما يعني أنّها ستسحب الإلكترونات في الرابطة لتصبح أقربَ إليها، وهذا بدوره يجعل الأكسجين يحمل شُحنةً سالبةً جزئيّة، والهيدروجين يحملُ شحنةً موجبةً جزئية، يسمح ذلك لجزيئات الماء بأنْ تشكِّل روابط فيزيائيّة قويّة مع بعضها، و مع أيّة مادةٍ أُخرى تملِك أيضًا ضمن بنيتها فرق في الكهرُسلبية (تملك عزم ثنائي القُطب).[1]

ماذا يعني “هيدروفوبي” أو “كاره للماء”؟

تأتي كلمة hydrophobic من الجذور اليونانية hydro- (تعني الماء) و -phobia أي (الخوفُ أو الكراهية)، فالهيدروفوبيا تعني حرفيًا “الخوف من الماء”، أي أن الأسطح والجزيئات الهيدروفوبيّة تكون كارهةً للماء، ولا يُمكن أن تتّحد مع جزيئاته، وبما أنّ الماء جزيء قطبي، أي يحمل شحنات جزئية؛ فإنه سوف ينجذبُ إلى الجزيئات التي تحمل شحناتٍ جزئيّةٍ كذلك. [2] [1]

ففي حالة الجزيئات القطبية، فإنّ وجود الشحناتِ المتعاكِسة، والتي تشكل ثنائيّات أقطاب، تجذب إليها جزيئات الماء، وتشكِّل معها روابط هيدروجينيّة، وفي حالة غياب هذه الشحنات المتعاكسة، كما هو الحال في الجزيئات اللاقطبية؛ فإن جزيئات الماء سوف تشكل روابط هيدروجينية فيما بينها، بينما تتجمع الجزيئات غير القطبية معًا. [3]

إعلان

الأثر الهيدروفوبي:

يحدث الأثر الهيدروفوبي بسبب تجمّع الجُزيئات غير القطبيّة مع بعضها، مبتعدةً عن جزيئات الماء، ويمكن للجزيئات الكبيرةِ أنْ تحوي ضِمنها مناطق غير قطبية، تميل لأنْ تكون قريبةً من بعضِها البعض، فتتسببُ بحدوثِ انطواءٍ أو تغيّر في شكلِ الجُزيء، بحيث تصبح قريبةً من بعضها وبعيدةً عن جزيئات الماء.

العديدُ من الأحماض الأمينيّة في البروتينات تكون هيدروفوبيَّة، أي كارهةً للماء، فتتسبَبُ بحدوث الأثر الهيدروفوبي، وهذا ما يمنَح البروتينات أشكالها المعقدة، وتوجد أيضًا على أسطحِ العديدِ من الكائنات الحيّة موادًا كارهةً للماء، بحيث تساعدُها على تنظيم كميةِ الماءِ والمواد الغذائيّة في أنظمتها.[3]

خواص المواد الكارهة للماء:

إذا أردْنا تصنيف المواد من ناحية سلوكِها مع الماء، سوف ينتج لنا تصنيفين: كاره للماء (هيدروفوبي Hydrophobic)، أو محبٌ للماء (هيدروفيلي Hydrophilic).

لفهم سلوك السطوح تجاهِ الماء، يجب قياس زاوية التلامس (Contact Angle)، والتي ستوفر معلومات عن طاقةِ التفاعلِ بين السطحِ والسائل، إذ تُعرف زاوية التلامس بأنّها الزاوية التي تتقاطع فيها واجهة السائل مع السطحِ الصلب، ويمكن قياسها باستخدام مقياس الزوايا “الجونيومتر goniometer”.

تأثير زاوية التلامس:

كلما زادت زاوية التلامس، كان السطحُ أكثرَ هيدروفوبيّة، فعلى سبيل المثال، إنّ زاويةَ التلامس للماء على نبات اللوتس هي أكبرُ من 140 درجة، وبالتالي فإن هذا السطح يطلق عليه superhydrophobic، أي أنَّه فائق الهيدروفوبيّة، في حين أن الماءَ على البلاستيك يشكّل زاويةَ تلامسٍ بين 90-140 ، ومن ثمَّ يُسمى هذا السطح hydrophobic، وهو أقلّ هيدروفوبيَّة من سابقه .[4]

يُفسّر ذلك على أساسِ تشكيل روابطٍ فيزيائية قويةٍ أو ضعيفةٍ بين الماءِ وسطح المادة، فإذا كان السطح هيدروفيلي فسوف تتمدد القطرة لتشكل أكبر عددٍ ممكنٍ من الروابط مع السطح، بينما إذا كان السطح هيدروفوبي فسوف تتكوّر القطرةُ لتكون منطقة التماس أصغر ما يمكن مع سطح المادة، كونه لا توجد إمكانية لتشكيلِ الروابط[5].

صورة لقطرة ماء ميكروسكوبية توضح زاوية التماس مع كل من الأسطح الهيدروفوبيّة و الأسطح فائقة الهيدروفوبيّة
صورة لقطرة ماءٍ ميكروسكوبية توضح زاوية التماس مع كل من الأسطح الهيدروفوبيّة و الأسطح فائقة الهيدروفوبيّة

أمثلة على المواد الكارهة للماء:

أغشيةُ الخلايا:

تتكوّن أغشية الخلايا من جزيئاتٍ ضخمة تُعرَف باسم الفوسفوليبيدات، تحتوي الفوسفوليبيدات على ذراتٍ فوسفورية في رؤوسِ الجزيئات التي تجذب الماء، بينما يتكون ذيل الجزيء من موادٍ دهنية، وهي جزيئاتٍ كارهة للماء، إذ تتوجّه الرؤوس المُحِبّة للماء نحو جزيئات الماء، بينما تتجمع الجزيئات الكارهة للماء وتتجاذبُ مع بعضها البعض، وبشكل مجموعاتٍ صغيرة تشكل الفوسفولبيدات كرةً صغيرةً تدعى micelle، وهي كارهة للماء، إذ تؤدي الذيول وظيفة طرد الماء من مركز الكرة[3].

أوراقُ النبات:

العديد من النباتاتِ لَديها طبقة من الموادِ الكارهة للماء على أوراقِها، فمن المهم ألا يتم امتصاص الأمطار والماء من خلال الأوراق، لأنّ هذا من شأنِه تعطيل تدفّقِ العناصرِ الغذائية التي تعتمد على مرورِ المياه من الجذورِ إلى الأوراق، فإذا سُمح للماء بالانتقال عن طريق الخاصيّة الإسموزية (الانتشار الغشائي) من خلال غشاءِ الخليّة وإلى الورقة، فإنّه سيغيّر الضغط الإسموزي في الأوراق، ولا يمكن للماء أن ينتقل من الجذور.

حتى النباتات المائية تكون أوراقها مغطاة بالمواد الكارهة للماء، والتي تَضْمن أن يتم سحبُ الموادِ الغذائية من الجذور، وتدَفُّق المياه في اتجاهٍ واحدٍ عبرَ جسمِ النبات.[3]

مثال على ورقة شديدة الهيدروفوبيَّة، والتي تتسبب في تشكل قطرة الماء على الورقة
مثال على ورقةٍ شديدةِ الهيدروفوبيَّة، والتي تتسبب في تشكل قطرة الماء على الورقة

ريشُ الطيورِ:

يجب على العديدِ من الطيورِ المائيّة أن تحمي ريشها من تسرّب المياه، إذ تقوم بإفراز الزيوتِ الكارهة للماء على ريشها، مما يمنعُ الماءُ من الاختراق، فالعديدُ من الطيورِ المائية، تقضي وقتًا طويلًا تحت الماءِ لجمع الطعام، ومع ذلك يجب عليهم الطيران عند الخروجِ من الماء، فإذا سُمح للماء بالتغلْغُل داخلِ الريش؛ فإنّ الطيورَ تصبح ثقيلةً جِداً بحيث لا تستطيع الطيران.

تقومُ الطيور بتوزيع الزيوت الهيدروفوبيَّة التي تفرزها من جلْدها وغددها الخاصة على ريشها، و عندما تغوص تحت الماء ، تشكل الزيوت حاجزًا مضادًا للماء ليمنعه من اختراق الريش، ثم عند خروجها، تقوم ببساطة بهز الريش لإزالة الماء، وتصبح قادرة على الطيران.[3]

تطبيقات واختراعات جديدة:

لقد عانى كثيرون من مشكلة سقوطِ الهاتف المحمولِ في الماء، وإيجاده مُعطّلًا بالكامل عند إخراجه، في الواقع هذه التجربة أصبحت شيئًا من الماضي بفضل الموادِ والطلاءات الكارهة للماء.

ولقد كان علماءُ المواد يعملون على استخدام موادًا كيميائية مختلفة؛ لتغيير خصائص الأسطح وجعلها كارهةً للماء، وكانت أوراق اللوتس مصدرًا عظيمًا للإلهام في تكوين هذه المواد، وكشفت الدراسات أن السطحَ الخشِن للأوراق يحتوي على بلوراتٍ نانوية من الشمع، والذي يعدّ مادةً كارهةً للماء، وبالتالي يمنع قطراتُ الماء من النفاذ عبر الأوراق، مما يجبُر الماء على تشكيل شكل قطرةٍ تنزلق عن السطح. وهناك فائدة أخرى تتمثل في أنه مع انزلاق الماء، فإنه يسحب أيضًا الأوساخ السطحية معه، مما يجعل السطح نظيفًا[4]

الطلاء والمنسوجات:

لقد تمّ تطبيق هذا المفهوم في مجال الطلاءِ والمنسوجات، فأمام التطورات الحديثة التي طرأت على المواد الهيدروفوبيِّة، توسَّع مجال استخدامها حتى بلغت الطلاء الداخليّ للمنازل فيتم إضافتُها مع الدِهانات حتى لا تتأثر بالرطوبة، وأيضًا تضاف إلى مختلف أنواع الملابس والأحذية، حيثُ لا تتأثر بالملوثات كالطين والغُبار وغيرِه، تُعرف هذه المواد تجاريًا بالمواد ذاتية التنظيفMaterials Self-Cleaning.[5]

محطات توليد الطاقة:

من المعروف أنَّ محطاتِ الوقودَ الأحفوريّ والطاقةِ النوويّة تستخدم التوربينات البُخارية لإنتاج الكهرباء، وأبراج التبريد لتكثيف البخار إلى ماءٍ مجددًا، وبما أنّ السطح الداخلي لبرج التبريد ليس هيدروفوبيًّا، يبقى الماء داخله؛ مما يقلّل إلى حدٍ كبير من كفاءةِ البرج، ومن أجل ذلك إن مادةً جديدةً كارهةً للماء قد تم إنشاؤها بواسطة فريق من العلماء والمهندسين، ومن المقرر أن تُحدِث ثورةً في كفاءةِ محطات توليدِ الطاقة.[4]

الإسفنج الفائق:

منتجٌ آخر يُستخدم مادةً كارهةً للماء، و هو عبارة عن إسفنج يسمى “Obsorb”، والذي تم تطويره بواسطة Paul Edmiston من كلية Wooster، وقد تم تصميم هذا الإسفنج لامتصاصِ الزيوت والمذيبات في الماء، إذ يتكوّن من موادٍ نانويّة تمتصُّ المركب العضويّ، دون التفاعلِ مع الماء، وعندما تصل الإسفنجةُ إلى الحد الأقصى، يمكن غسلها وإعادة استخدامها مراتٍ عديدة.
الخصائص البارزة لـ “Obsorb” تجعلها مثالية لعمليات التنظيف غير المكْلِفة، ويجري حاليًا العمل على ثلاثةِ إصداراتٍ من الإسفنجة الفائقة بالنسبة للشركات والوِكالات الحكومّية العاملة في مجال تنظيف مواقع تلوث المياهِ الجوفية .[4]

الموادُ الكارهةُ للماء يمكن أن تقدِّم مساعدة كبيرة في القطاعاتِ الصناعية، إذ يتم إنفاق آلاف الدولارات على عملياتِ تآكل الأنابيب وتلوُّث المياه بالمنتجات النفطيّة وَما ينتج عن تآكل الجسور، ولكن باستخدام المواد الكارهة للماء وتطبيقاتها المتنوِّعة، يمكن الحد من هذه المشكلات وتكاليفها المادية.

المصادر:

[1] [2] [3] [4] [5] [6]

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.