تأخذك إلى أعماق الفكر

ماذا أراد قاسم أمين بتحرير المرأة؟

كتاب (تحرير المرأة) وإرهاصات الحركة النسوية في مصر

تمهيد

كانت ضرورة الإصلاح في شأنِ المرأة تكادُ تكونُ المسألةَ التي شغلتْ عقل قاسم أمين كل شُغْلٍ في أطوار حياته، ولم يكنْ ممن يطمعُ في تحقيق هذا الإصلاح الذي يرجوه في وقتٍ قريبٍ، بل أراد أن يحصل بالتدريج في نفس كل واحدٍ منا شيئًا فشيئًا، حتى يسريَ من الأفراد إلى مجموع الأمة.

لقد كان يعرف عُسْرَ مسلكه؛ لذا طلبَ من المُتَعَلِّمين والمُثَقَّفِين التَّعَاوُنَ معه، وأنْ لا يستسلموا لليأسِ والقنوط، وأنْ لا يتركوا أنفسَهم لتياراتِ الحوادث تتصرَّف فيهم كما تتصرَّف في الجمادَاتِ، وتقذف بهم إلى حيث يحبون أو لا يحبون. يطلب الأستاذُ تلك المعاونة وهو يعرف أنه لا يوجد واحد من المتعلمين المصريين يشكُّ في أنَّ أمتَه في احتياج شديد إلى إصلاح شأنها.

سلطان العوائد

إن الدين الإسلاميَّ قد تحول اليوم عن أصوله الأولى[1].

لم يأتِ قاسم بما يخرق قوانين الدين أو الشرائع، ولكنه -فيما يرى- أتي بما يخرق العوائد التي هيمن سلطانُها على عقول الناس وقلوبهم، حتى فاقتْ في سلطانها سلطانَ الدين نفسِه. يقول: “سيقول قوم: إنَّ ما أنشره اليومَ بدعة؛ فأقول: نعم، أتيتُ ببدعة، ولكنها ليستْ في الإسلام، بل في العوائد”[2].

نراه يبدأ كتابه (تحرير المرأة) حربًا شعواء على من يظنُّ أنَّ العوائدَ ثابتة لا تتبدَّلُ ولا تتغير، ويتعجب ممن يظن أنها من الثبات بمكان ونحن وهذا الكون كلُّه نقع تحت حكم  التغيير والتبديل في كلِّ آن. إنَّها -في رأيه- ثمرة من ثمرات العقل الإنساني، هذا العقل الذي يختلف دائمًا باختلاف الأماكن والزمان؛ فنجد لكل أمة من الأمم عوائدها وآدابها الخاصَّة حسب حالتها العقلية التي تتغير تحت سلطانِ الإقليم والوراثة والمخالطاتِ والاختراعات العلمية والمذاهب الأدبية والعقائد الدينية والنظامات السياسية وغير ذلك.

تحرير المرأة قاسم أمين

إعلان

ومما يُؤْسَفُ له أنَّ لهذه العوائد سلطانًا أنفذ حُكْمًا في كلِّ أمة من كلِّ سلطان، يقول: “وهي أشدُّ شئونها لصوقًا بها وأبعدها عن التغيير، ولا حولَ للأمَّة عن طاعتها إلا إذا تحوَّلَتْ نفوسُ الأمة وارتفعتْ أو انحطَّتْ عن درجتِها في العقل؛ ولهذا نرى أنها تتغلَّبُ دائمًا على غيرها من العوامل والمؤثِّرات حتى على الشرائع[3].

لا بدَّ للعوائد إذًا أنْ تتبدل إنْ أردنا إصلاحًا حقيقيًّا لشأنِ المرأة في مجتمعنا، العوائد قبل أيِّ شيء! لذا نراه يَنْتَقِدُ الرأيَ القائلَ أنَّ تَرَقِّيَ المرأة الغربية كان بسبب الدين المسيحيِّ الذي ساعدها على نَيْلِ حُرِّيَتِها؛ لأنَّ المسيحيةَ أولًا لم تتعرَّض لوضع نظام ما يكفل حقوقَ المرأة وحريتها، وأنه ثانيًا ليس في مقدور أي دين أن يفعل ذلك! ولو كان لدين ما سلطة وتأثير على العوائد لكانتِ المرأة المسلمة اليوم في مقدمة الأرض؛ لأنَّ الشرع الإسلاميَّ كان سابقًا لكل شريعة وقانون في تقرير مساواة المرأة للرجل، وهذا من أصول الشريعة ومبادئها.

يقول: “وبالجملة، فليس في أحكام الديانة الإسلامية، ولا فيما ترمي إليه من مقاصدها، ما يمكن أن يُنْسَبَ إليه انحطاط المرأة المسلمة، بل الأمر بالعكس؛ فإنها أكسبتْها مقامًا في الهيئةِ الاجتماعيَّة. ولكن، وا أسفاه! قد تغلبتْ على هذا الدين الجميل أخلاق سيئة ورثناها عن الأمم التي انتشر فيها الإسلام، ودخلتْ فيه حاملةً ما كانتْ عليه من عوائد وأوهام[4].

رُقِيُّ المرأة من رُقِيِّ المُجْتَمَع

رأى قاسم أمين نوعًا من التَّلَازُمِ بين انحطاط المرأة وانحطاط الأمة وتوحُّشِهَا، وبين ارتقاء المرأة وتَقَدُّمِ الأمةِ ومدنيَّتِها؛ فقد كان حالُ المرأةِ في بداية الحضارة لا يختلف كثيرًا عن حال الرقيق في أي شيء. إنه إذا أردنا أن نقيس مدى مدنيَّة أمة من الأمم؛ فليس علينا غير أن ننظر في أحوال المرأة فيها والمَدَى الحُقُوقيّ الذي تَتَحرَّكُ فيه.

تحرير المرأة

إنَّ انحطاطَ أمة من الأمم مقرون دائما بانحطاط شأنِ المرأة فيها. انظر إلى العرب قبل الإسلام وإباحتهم قتل الآباء بناتهم، وأنْ يستمتع الرجلُ بالمرأة دون قيد أو عدد أو شرط! ولا تزال سلطة الرجل الشاملة على المرأة قائمة عند قبائل إفريقيا البدائيَّة وأمريكا المُتَوَحِّشَة على سبيل المثال. هذا حال الأمم التي لم تبلغ من الرُّقِيِّ الحضاريِّ مَبْلغًا، أما في البلاد التي ارتقتْ إلى درجة عظيمة من التَّمَدُّن نرى أنَّ النساء يرتفعن شيئًا فشيئًا عن هذا الانحطاط وتلك الضعة.

الاستبداد وأثره في انحطاط المرأة

إنَّ الأمةَ المظلومةَ لا يصلحُ جَوُّهَا، ولا تنفع أرضُهَا لنُمُوِّ الفضيلة، ولا يَرْبُوا فيها إلا نباتُ الرذيلة[5].

يرى قاسم أنَّ السلطةَ غير المحدودة تغري بسوء الاستخدام ما دامتْ لا ترى لها رأيًا يناقشها أو هيئةً تراقبُها، وقد مضتِ قرون على الشعوبِ الإسلامية وهي تحت حكم الاستبداد المطلق الذي أساء فيه الحُكَّامُ التصرفَ؛ فبالغوا في اتباع أهوائهم وفرض سلطانهم بالقهر إلا من رُحِم.

وكان القانون الذي يحكمُ به هؤلاء المستبدون هو قانون القوة لا غير، حتى أصبح كلُّ قويٍّ يقهر من تحته، وهكذا نجد الناسَ منقسمين بين قاهر ومقهور، وأصبح الشخص الواقع تحت نَيْرِ الظلم يُتَوَهَّمُ أنه مُحِب للعدل ويميل إلى الشفقة، وقد يكون في الحقيقة كذلك، ولكنْ كيف له أن يُفَعِّلَ قانون العدل في مجتمع يسري فيه قانونُ القوةِ بين أفراد الناس فردًا فردًا؟!

وكان من أثر الحكومات الاستبداديَّة التي توالَتْ علينا أنَّ الرجلَ في قوته أخذ يحتقر المرأة في ضعفها؛ فاهتضم حقوقها، وأخذ يعاملها باحتقارٍ وامتهان، وداس بأَرْجُلِهِ على شخصيَّتِها، حتى أصبحتْ خاضعةً للرجل خضوعًا تامًّا، فقط لأنه رجل ولأنها امرأة، وحتى أصبح الأمر كما يقول: “له الحرية ولها الرق، له العلم ولها الجهل، له العقل ولها البَلَه، له الضياء ولها الظلمة والسجن، له الأمر والنهي ولها الطاعة والصبر، له كل شيء في الوجود وهي بعض ذلك الكلِّ الذي استولى عليه!”[6]. إن أيَّ تقدم ملموس في شأن المرأة -في رأي قاسم- ليس إلا تبعًا لتقدُّمِ الفكر في الرجال واعتدال السلطة الحاكمة عليهم.

ضرورة تَعَلُّمِ المرأة

المرأة محتاجة إلى التعليم؛ لتكون إنسانًا يعقل ويريد[7].

كانتِ الفكرةُ الأساسُ التي ينطلق منها قاسم أمين هي أنَّ الرجل والمرأة لا يتخلفان إلا بقدر ما يستدعيه اختلافهما في الصنف؛ فهما متساويان في الأعضاء ووظائفها، ولا يختلفان بعد ذلك في الإحساس أو الفكر أو غير ذلك مما يقتضيه كون الإنسان إنسانًا.

إذًا، لماذا قد يفوق الرجلُ المرأةَ في القوة البدنية أو العقلية ما داما يتساويانِ هذا التساويَ؟! إنَّ السببَ وراء ذلك بسيط، وهو أنَّ اشتغال الرجلِ بالعمل والفكر أجيالًا طويلة خَوَّلَ له أن يتميَّز هذا التميُّز، ولو لم تُحْرَمِ المرأة من هذا الاشتغال لسابقتِ الرجل في هذا المضمار.

يتعجب قاسم من الناس الذين لا يزالون يتساءلون عن وجوب تعليم المرأة، بل يملؤه العجب من هؤلاء الذين يتساءلون عن جواز تعليم المرأة من حُرْمَتِه! هؤلاء الناس لا يريدون من المرأةِ أنْ تَتَعَلَّمَ إلا ما يفيدها في إدارة منزلها فحسب مِنْ خياطة وتجهيز للطعام واستخدام المكواة وما أشبه ذلك. لا ينكر قاسم أنَّ تلك المعارف مفيدة لكل امرأة، ولكنه ينكر أن تكون هذه البضاعة من المعارف فحسب هي التي تُؤَهِّلُ المرأةَ إلى إدارة منزلها!

يقول: “إنَّ المرأة في رأيي، لا يمكنها أن تدير منزلها إلا بعد تحصيل مقدار معلوم من المعارف العقلية والأدبية؛ فيجب أن تتعلم كل ما ينبغي أن يتعلمه الرجلُ من التعليم الابتدائيِّ على الأقلِّ حتى يكون لها إلمام بمبادئ العلوم يسمح لها باختيار ما يوافق ذوقها منها وإتقانه بالاشتغال به متى شاءت”[8].

يدعو قاسم إلى أنْ تتعلم المرأة حتى المرحلة الابتدائية على الأقلِّ حتى يكون عقلها أكثر استعدادًا لقبول الآراء السليمة، وطرح الخرافاتِ والأباطيل التي تفتكُ بعقول النساء بسبب الجهل؛ فالمرأةَ التي تتلقى هذا القدر من التعليم إذا ما تعودتِ الفضائلَ التي تكمل بها النفسُ الإنسانية في ذاتها أمكنها ذلك أنْ تقوم بوظيفتِها الاجتماعية والعائلية على أتمِّ وجهٍ وأكمله، وهذا ما حاول إثباته في الصفحاتِ التالية من كتابه (تحرير المرأة).

وظيفة المرأة تنتهي عند عتبة باب البيت؟!

إنه لا بد لحسن حال الأمة من أن تحسن حال المرأة[9].

حاول قاسم إثبات حاجة المجتمع؛ أي مجتمع إلى النساء تمامًا كاحتياجه إلى الرجال سواء بسواء؛ ذلك لأنَّ نساء كل بلدٍ يُقدَّرُونَ بنصفِ سكانه على الأقلِّ، وبقاء النساء في الجهل وحرمانهنَّ من التعلُّم ومِنْ ثمَّ العمل حرمانٌ للمجتمع من أعمال نصفِ عدَدِ الأمة.

ويُشَبِّه المرأةَ في مجتمعاتِنا الآن بالذهب الجميل الذي لا ننتفع منه إلا بالنظر منه والاستمتاع بمنظره دون محاولة استعماله ومضاعفته. وكونُ المرأةِ في مجتمعاتنا عالة لا تعيش إلا بعمل غيرها لا يعود بالضرر على المرأة فحسب، ولكنه يعود بالضرر على المجتمع ككل.

يقول: “ولو أُخِذَ بيدها إلى مجتمع الأحياء، ووُجِّهَتْ عزيمتُها إلى مجاراتهم في الأعمال الحيوية، واستعملتْ مداركها وقواها العقلية والجسمية، لصارتْ نفسًا حية فعالة تنتج بقدر ما تستهلك”[10].

من لوازم تصور المرأة في مجتمعاتنا أن يكون لها وَلِيٌّ يقوم بحاجاتها ويدير شئونها مع أنَّ الوقائع المُشَاهَدَةَ تُثبتُ أن وجود هذا الولي مُتَعَذَّر في كثير من الأحوال؛ فكثير من النساء لا يجدنَ من الرجال من يعولهنَّ كالمرأة التي فقدت أقاربها ولم تتزوج، والمطلقة، والأرملة وغيرهنَّ.

وأمثال هؤلاء المذكوراتِ “يحتجْنَ إلى التعليم ليمكنهنَّ القيام بما يسد حاجاتِهنَّ وحاجات أولادهنَّ إنْ كان لهنَّ أولاد. أما تجردهن عن العلم؛ فيُلْجِئهنَّ إلى طلب الرزق بالوسائل المخالفة للآداب، أو التَّطَفُّل على بعض العائلات الكريمة”[11].

والرجل الذي يعولُ أسرتَه ويكدُّ في ذلك قد يتحمَّلُ من النفقات ما يُعْجِز كاهلَه، بل قد يجد نفسَه مُضطرًّا إلى الإنفاق على من لا تلزمه النفقة عليهم؛ كي لا يموتوا جوعًا، ولأنهم -بسبب جهلهم- غير قادرين على الكسب. وحتى لو افترضنا وجود عائل لكل امرأة على وجه البسيطة، أفلا تكون مساعدة هذا العائل ضرورة من الضروراتِ إن كان فقيرًا، أو تخفيف أعبائه المادية إن كان غنيًّا؟

وحتى وإن كانت المرأةُ غنيَّةً لا تحتاج إلى عائل يقوم على أمرها؛ فإنها لا شكَّ تحتاج إلى التعليم؛ حتى تكون قادرة على إدارة أموالها، وحتى لا تكون مضطرة إلى تسليم أموالها إلى قريب أو أجنبي يقوم عليه بدلًا عنها. يريد أن ينتهي قاسم من ذلك إلى نتيجَةِ “أنَّ التعليمَ في حد ذاته هو في كل حالٍ حاجة من حاجات الحياة الإنسانية، وهو الآن من الحاجاتِ الأولى في كل مجتمع دخلتْ فيه المدنية”[12].

انحطَّتِ المرأة إلى منازل الضعة والهوان، وليس هذا إلا بسبب ابتعادها عن مواطن الرفعة والكمال مع ما وُهِبَتْهُ من العقل الذي وُهِبَ الرجل مثله، ومع أنَّ الولوع بطلب العلم في الأنثى قد يكون أشد منه في الرجل. أيظنُّ الرجل أن الله قد وهب المرأة من العقل ما وهبها عبثًا، أو أنه آتاها من الحواسِّ وآلات الإدراك ما آتاها لأجل إهمالها؟!

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: عبدالعاطي طُلْبَة

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.