تأخذك إلى أعماق الفكر

لماذا يحب الشباب نيتشه ؟

مقدمة:
عندما نسمع كلمة “مثقف” أو “فيلسوف” تأتي إلى ذهننا في الحال صورة رجل حكيم ومتواضع، بملامح هادئة وشعر أشيب، حبذا لو كان يمسك عكازًا فإنه يضيف مصداقية وجاذبية إلى إمكانية سماعه؛ تأتي إلى ذهننا في الحال صورةُ رجل وقور يترأس مجلسًا، أو يلقي في الميكروفون محاضرة، أو صورةٌ ملتقطةٌ لشخص في خلفيتها مكتبة ضخمة، ويستند على مكتبه ويكتب، أو يضع يده تحت ذقنه ويفكر، كل هذا جائز.

لكن لا نتوقعه أبدًا، ذلك الشخص الذي عقّب على مقولةِ الروائي الفرنسي العالمي (غوستاف فلوبير): “لا يمكن أن نفكّر أو نكتب إلا ونحن جالسين”، فعقّب قائلًا: “أيها العدميّ، تمكّنت منك! أن تكون ذا مؤخرة ثقيلة فتلك في حد ذاتها فضيحة في حق العقل، وحدها الأفكار التي تأتينا ونحن ماشون لها قيمة!” (1)
أو حين اعترض على الفلاسفة أجمعين:
“البطالة/ الكسل هي منبع كل فلسفة!” (2)
أو حين صرّح:
“إن الله قد مات، ونحن الذين قتلناه.” (3)
أو حين كتب ساخرًا:
“لو خيرونى أن أكون رجلًا خيّرًا أو شريرًا، سأختار بالطبع أن أكون شريرًا.” (4)
أو حين تكلّم عن الرجل الذي نعتبره أنزل الفلسفة من السماء إلى الأرض، ونعدّه من أعظم الفلاسفة ومعلّمي البشرية الذي لا يختلف عليه اثنان قائلًا:
“لعل قرائي يعرفون إلى أيّ حدّ كنتُ دومًا أعتبر الجدل كعرض انحطاط، على سبيل المثال: عن الحالة الأكثر شهرة، أعني سقراط!” (5)
وكان يفضل أن يلعب الشبابُ اليونانيون المصارعةً على أن يتوقّفوا في السوق للعب بالألفاظ والمعاني مع الفيلسوف السمج الذي تشبه سحنته سحنة المجرمين. (6)

حين يتكلم نيتشه، يتكلم بوضوح كحدّ السيف الذي يمزّق ورقة نصفين من أقلّ لمسة لنصله:
“وصفة السعادة الخاصة بي كالآتي: نعم أو لا، خطّ مستقيم، هدف.” (7)
يكره المجاملات والحذلقة، يكره التخفي وراء العبارات المنمقة، يرى ألّا حاجة له للكذب والتصنّع:
“هؤلاء لا يطاقون بالنسبة لي: (سينيكا، جان جاك روسو، شيللر، دانتي أليجري، كانط، فيكتور هوغو، ليست، جورج صاند، جون ستيورات مل، إميل زولا).” (8)

إنه قريبٌ من لغتنا اليومية السيكولوجية التي لا نتكلم بها أمام من يمسكون بقرون القوة في العالم ويربوننا على النفاق الاجتماعي، إنه يوجز ويفصح ويقول ما يريد أن يقوله بوضوح دون ابتذال، وله أسباب تدعوه لذلك.

لا شكّ حين تنظر إلى الصور المتبقية لنيتشه فإنك لا تستطيع أن تقاوم العذوبةَ في نطق اسمه الألماني (نيتشه) وتركيبه على شاربه الكثّ، وعينيّ النمر الجسورتين في منتصف وجهه، وجبهته العريضة، وشعر الفرسان الناعم، وملامحه الذكورية الفجة. لا يبدو أبدًا كأوصاف المثقف المعتادة، ومع ذلك فهو أبعد من كونه مثقفًا، إنه تجسيد كلّ مظاهر الحياة وليس العقل والثقافة فقط.

إعلان

دائمًا يعلن فيلسوفنا أنه: معافًى في جوهره، متسلّق الجبال الأعالي، الممتنع عن شرب الخمر، المواظب على عاداته الغذائية ومعدته، النشيط دائمًا الذي يرفض الكتابة والجوّ صحوٌ بالخارج، أنّ له عين النسر التي تعرف كيف تكشف الكرة الأرضية، وله إحساس الدودة المنكمشة التي تعرف آليات دفاعها عن نفسها، إنّ اسمه سيظلّ مقرونًا بالشّاعر الألماني العظيم (هانريش هاينه) الذي علّمه الشاعرية، كأول فنانيْن يتمكنان من اللغة الألمانية، عن احتقاره كلّ فلسفة أكاديمية محنّطة لا تلمس واقع الإنسان الحي، عن كونه يفتح عصرًا جديدًا للبشرية، عصر ما بعد الآلهة، ليس في السماء فقط، بل في أصغر الشؤون اليومية.

رجل بهذه الصفات، وهذه الرؤية للحياة، لماذا لا يتماس مع حرارة وفَوْرة طاقات الشباب؟ لماذا لا تغفر له الفتيات تبجّحه وسوطه المسلط على المرأة، وتحب جسارته وصدره العاري؟

في العادة يتوقع جيل الكبار من الشباب أن يتخلقوا بأخلاق الشيخوخة، ويطلبوا منهم ألا يفعلوا ما فعلوه هم أنفسهم في شبابهم، ولكن الحياة تعاش بالتجارب حسب نيتشه، فما بالك بأن يظل رجلًا وقد مرض ووصل إلى الجنون فى أواخر حياته، يزأر خارج القطيع، ويمجد الحياة، ويقول لأخته التي جائت بقسّ يُصلّي عليه قبل موته: “يا أختاه، لا تدافعي عن رجل لا يستطيع أن يدافع عن نفسه.”

من منّا لم يمر بمرحلة الثورة على التقاليد؟ من منا لم يكن محطِمًا للأوثان؟ إلى أين نذهب بهذا الربيع وتلك الدماء الفائرة في عروقنا؟ هل نجلس ونتفلسف أم نعيش؟ هل نذهب كي نجفف لحومنا ونملّحها بـ”الحكمة” كالأسماك؟ كان نيتشه يعارض، ويسبّ ويلعن كلّ من يقف أمام هذه الطاقة، بل إنه وزيادة في الرعب، قد وعد كل المتشائمين واليائسين والقانطين واللاعنين في الحياة ومحبي الموت بأنّ كل شيء سيعود من جديد، كما هو بتعاسته وقرفه، كي يعيشوه مرة أخرى كما هو، في العود الأبدي.

بدايةً، ولكي نفهم من هو نيتشه وما هي فلسفته (حسب وجهة نظري الخاصة) يجب أن نبدأ من حياته، لأنه القائل: “لست أُحبّ من الكتابات كلها إلا ما يكتبه الإنسان بدمه، اكتب بالدم، تجد الدم روحًا.”(9)

1- قدَر نيتشه:

في الوقت الذي أكتب فيه هذا المقال، لا توجد جامعة واحدة، سواء في مجاهل إفريقيا أو بعد صحراوات آسيا أو غابات وأنهار أمريكا اللاتينية لا تخصّص فصلًا دراسيًا كاملًا لدراسة ذلك الإنسان الذي كان يقول عن واقعه وحياته: “لعلّ الاعتقاد أنني على قيد الحياة ليس سوى مجرد فكرة مسبقة، وإنه ليكفي أن أتحدث إلى أولئك الذين يأتون إلى الأنغادين العليا من السياح المتعلمين ليقضوا الصيف، لكي أدرك أنني لست حيًا.” (10)
مات مجهولًا مُهمَلًا بالسكته الدماغية، وهل يعيش الإنسان كي يرى اعتذار العالم عن عدم تقديره؟ هل يعيش الإنسان كي يرى تماثيله وكتبه في أيدي القراء العاديين ويستشهدون به في المناقشات؟ ومع ذلك قال في خاتمة حياته الواقعية -لا المستقبلية كما يظن القارئ-: “في مثل تلك الظروف كانت غاية الحكمة أن يتقبل المرء نفسه كقدَر، وألّا يرغب في رؤية نفسه شيئًا آخر.” (11)
لم يلعن “العبث الكامي” ولم ينتابه ذلك “القرف السيوراني” ولا “التشاؤم الساخر الشوبنهاوري” ولم يلقَ نفسه في عزاءات كاذبة كما فعل “بليز بسكال” الذي اعتبره (نيتشه) نموذجًا للضحية المثالية للمسيحية. (12)
*إن (نيتشه) كان مقدّرًا عليه أن يصبح الابن البار لقس بروتستانتي طيب السمعة، غادر الحياة، وتركه وسط أسرة وعائلة عرفت بالتقوى والصلاح وتاريخ حافل بالقساوسة، كان يسمى في صِغره (القسيس الصغير) والمفترض أن يكمل أمجاد العائلة، ويتزوج ويعظ في قرية أو مدينة هادئة راضيًا قانعًا بحياته، لا أن تنتهي حياته بفضيحة (إلحاده) مثلًا، وإعلانه موت الإله!
لعلي أسأل القارئ إن كان قد جرب (التربية الدينية الحازمة)؟ أن تجلس -مثلًا- في الصف الأول، وليس مع المشاغبين المرحين، لا تصدر منك أي هفوة، تعود مبكرًا بينما يلهو أقرانك في الشارع، مفروضةٌ عليك العزلة والضوابط، هل جربت هكذا حياة، كي تفهم (نيتشه)؟
ومع ذلك، أبدًا، لم يكن نيتشه متمردًا، لقد مشى على القضبان التي رسموها له بالضبط كأسد أترم الأسنان في سيرك، كي يعجب الحضور، أثبت جدارته كتلميذ متفوق وحصل على منحة تفوق من أفضل مدارس ألمانيا الداخلية (بوفورتا) عام 1858 م (13)، برع في اللغة اللاتينية والتحق بجامعة (بون)، بل –وللمفاجأة – سجل اسمه في قسم دراسة اللاهوت، هل كان هناك من يزايد على (نيتشه) في تدينه؟ وترك طيف موهبة عزف البيانو لأنها (لا تليق بابن رجل دين) (14)، وأصبح أستاذًا في فقة اللغة الكلاسيكية في جامعة (بازل) بسويسرا في زهرة شبابه، بعمر الرابعة والعشرين. (15)

يكتب نيتشه في سيرته الذاتية:
“لم أشتكِ في حياتي من النوايا الخبيثة، بل أشتكي بالأحرى من (النوايا الطيبة) التي تسببت في أضرار غير هينة على حياتي.
“يمكنني اليوم تفسير كل الخيارات الخاطئة التي حادت بي عن مهمتي الأساسية لحياتي، لم صرت عالم لغة، ولم أصبح طبيبًا مثلًا أو أي شيء آخر قد يفتح عيني؟”
تغدو الأعمال الغير صائبة التي تحدث في الحياة ذات معنى وقيمة، وكذلك السبل الجانبية، الخاطئة، التي يسلكها المرء، هنا تتجلى الحكمة الكبرى:
اعرف نفسك بنفسك هي الوصفة المثالية للتدهور!
بل إن نسيان الذات، سوء فهم الذات، تحقير الذات، يغدو عينَ الحكمة!
الخطر كل الخطر، أن تعي غريزة ذاتها قبل الأوان
إن عملًا أخطأ الهدف يبدو جديرًا بالتقدير، بالذات لأنه أخطأ الهدف.” (15)
فما هي نقطة التحول التي حدثت له يا ترى؟

2- نقطة التحول:

سأتجنب تمامًا الحديث عن الجوانب المعتادة من حياة نيتشه (صداقته لفاغنر– قراءته لشوبنهاور – الحب – فلسفته – إعفاؤه من الخدمة العسكرية) وسأتجه رأسًا إلى كينونته كإنسان واقعي.
يكتب (نيتشه):
“الأزمات الدينية لا أعرفها عن تجربة، لم أتمكن البتة من فهم إلى أي مدى يمكن اعتباري (مذنبًا)، وما هو (تأنيب الضمير) ومعياره ! (…) (الله)، (خلود الروح)، (الخلاص) و(الحياة الآخرة) كلها مفاهيم لم أعِرها انتباهي، ولا منحتها وقتي أبدًا، ولا حتى وأنا صبي.” (16)
يمكننا تصديق (نيتشه) تمامًا، وسيسأل أحدهم: كيف نصدق هذا الذي يقول أنه لم يصل للإلحاد كنتيجة؟ (17) هذا صحيح لأنه (عاش) الحياة الدينية، ولم يقرأها أو يعود إليها في أرذل العمر، لم يكُن زيرَ نساء تائبًا يشعر بالذنب أو تأنيب الضمير، لم يكن (الله) غائبًا عنه وهو يحز الرؤوس هو الآن أمام منصة الإعدام يفكر في (الحياة الآخرة)، إنه ترعرع في هذه الأشياء ولم يرتكب حتى ذنبًا صغيرًا، فما الذي حدث معه يا ترى؟
(نيتشه) الشاب كان –مثلنا جميعًا– يتعرض للتنمر والمنازلات ولإثبات الرجولة بين أقرانه، خاصة أنه (القس) الذي سيتلقى سخرية لاذعة من المراهقين المستهترين.
دخل عدة مبارازات تركت ندبة على أنفه، ورغم ضعف تكوينه الجسماني، ومرضه، وقصر نظره الحاد، فإنه كان لدية كبرياء يمنعه من الشفقة على ذاته، لقد خسر بشرف، ولم يتكور على نفسه كالدودة –مثل ذلك الطالب السمج الذي نعرفه جميعًا– وأخذ يلعن المبارازات والعنف، ويجعل من ضعفه إبر قنفذ، ويعزي ضعفه بصبغة أخلاقية، ويمجد الورود ويكتب الشعر في المرأة محتقرًا العنف وفورة الغضب. بل على العكس، كتب: “النزوع العدواني ينتمي إلى القوة، كما ينتمى الانتقام ومشاعر الضغينة إلى الضعف.” (18) أيضًا: “أنا ذو مؤهلات حربية بطبعي، الهجوم هو إحدى غرائزي، أن تكون قادرًا على المعاداة، أن تكون عدوًا إنه يتطلب قوة.” (19) وأفرد صفحتين لقواعده الفروسية الحربية في سيرته الذاتية.

على الجانب الآخر، كانت حياته العاطفية بائسة للغاية، لم يدخل تقريبًا أي تجربة جنسية، لم يحسد صديقه (زير النساء) الذي ترك (كوزيما فاغنر) المرأة التي قدرها كثيرًا، ليستغل أي فرصة للمتعة مع أي امرأة عابرة، لم تتجاوز علاقته الوحيدة مع (لو سالومي) حدود القبلة، وعندما أصيب بالسلفس (إيدز العصر) لم يتزوج، من باب الشرف، لم يريد نقل عدوى لامرأة.
تحت تغرير الطلاب ونكاتهم السخيفة واستفزازهم، ذهب (نيتشه) لبيت دعارة، ولك أن تتخيل هذا الكيان الروحى لهذا الشاب، حين يجد نفسه، مرة واحدة، أمام سيقان عارية، ضحكات خليعة، وأجساد تُشترى بالمال، ورغبات زائفة، بالطبع اُنزلت المرأة من علياء توقعاته -بالطبع كانت لديه فكرة عظيمة عن امرأة ملوكية الفكر والجمال– ويقال أنه لم يألف في هذا المكان سوى البيانو وعزف عليه.
يرجح (توماس مان) أنه هرب بأقصى سرعة، قد يتوقع الأخوة الفرويديين أنه وجد فرصة لتصريف الكبت، ولكنهم لم يعيشوا تجربة الصراع الأخلاقي بين (الله – الشيطان)، فأنا أتفق مع (توماس مان) وأرجح أن المرض أصابه في الحرب.
آخر شيء: حياة الشاب (نيتشه) التى في منتهى المثالية والعفة، التي تسير سيرًا طيبًا (بالنسبة لبعض المتدينين بأديان أخرى، حياة نيتشه ولو كان ملاكًا، فإنه طالما يعتنق المسيحية فإنه من حطب جهنم)، حياة كهذه، لماذا تصاب بقائمة الأمراض هذه: وهن عصبي، نصف عمى، آلام رأس دورية، نوبات ألم فظيعة، جيوب أنفية ملتهبة باستمرار، مهدئات ومنومات تفقد فاعليتها، صليل كهرباء في داخل الجسد يدفعه للصراخ! (20)
ألا يذكرنا ذلك بتجربة العبد الصالح (أيوب)؟ الذى كان مؤمنًا ومع ذلك ابتُلي أشد ابتلاء؟
لكن (أيوب) نفع معه الدواء بالصبر، وعاد لإيمانه، أما الذي لم يتحمل،هذا الزنديق الكافر الملحد (نيتشه) الذي لم يأتيه وحيًا، ولم يتكلم مع إله، ولم يتكلم مع الشيطان، فيمَ آلامه؟ ولماذا؟
لقد أصيب في مطلع شبابه، فهل تكفيه التعزيات القائلة المعتادة، بأن حياته مقسومة إلى حرمان ما قبل الموت، وإشباع بعده؟
هل جلس يتخيل أقرانه المستهترين –وما أسهل ذلك– يشوون فى الجحيم كي يصبّر نفسه؟ إنه يتألم ويعاني، هنا والآن، ولا يحب الشفقة ولا الضغائن ولا التعزيات الكاذبة، من الذي تحمل آلامه كي يحكم عليه؟ من الذى كان في موضعه كي يتكلم؟
كتب نيتشه في النهاية قائلًا:
“عندما أشرفت على النهاية، وبحكم كوني مشرفًا على ذاتي وطاقاتي، بدأت أفكر في عدم صواب حياتي (المثالية) .
إنّ المرض هو الذى أعادني إلى الصواب.” (21)

نيتشه ضد قدره:

المرض يجعل الإنسان ذا طابع جسماني أكثر، حين يفقد الثقة الأولية في جسده، يفقد الثقة في نفسه، يتحول جسده لعدو ماكر شرير وشرس له.
أما الألم فإنه يفرض حدادًا مؤقتًا أو دائمًا على الذات، الألم يوقف سيولةَ الزمن، يجد الإنسان نفسه محرومًا من المستقبل، محكومًا بتكرار الشيء ذاته كل يوم، يتكلم نيتشه عن تجربته:

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: احمد بدران

تدقيق لغوي: أبرار وهدان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.