تأخذك إلى أعماق الفكر

لماذا لن ينتهي تنظيم داعش بسهولة؟!

الممارسات الديكتاتورية ونظام الأوف شور كسببين لاستمرار داعش

قبل الخوض في تفاصيل المقال حول كيف يمكن للممارسات الديكتاتورية والقمعية ونظام الأوف شور أن يكونا عنصرين هامّين جدًا في استمرار ونموّ تنظيم الدولة الإسلامية في العراق و الشام “داعش”، يجب أن ننوّه أنّ أهمّ عنصرين في حياة أي كيان منظّم في العالم الحديث، وخصوصًا إذا كان هذا الكيان يمثل تكتلًا أو مجتمعًا إنسانيًا، هما الأموال والمورد البشري، وكذلك أنّ السياسات العالمية التي تقوم الآن على محاربة داعش وغيرها من التنظيمات الإرهابية، مثل التحالف الدولي والتحالف الإسلامي وغيرها، لا تؤدي سوى دور السمسار والمستفيد من حلقة العنف والعنف المضادّ؛ فأغلب الدّول المنضمّة للتحالف الدولي هي دول منتجة للسلاح، ودول التحالف الإسلاميّ مستهلكة بطبيعة الحال للسلاح وبذلك تكون المصلحة في الحرب واضحة جليّة طبقًا لنظرية

“الشيء لازوم الشيء، فلكلّ منتجٍ مستهلكٌ يحيا على أثره”

فالجدية في محاربة مثل تلك التنظيمات لا تكون بالسلاح والطيران الحربي؛ لأن مثل تلك الأدوات لا تنهي الصراع بل تكون المحصّلة النهائية ضحايا في كلا الجانبين ومزيدًا من الأرباح والأموال في يد الطرف المنتج للسلاح، وكذلك مزيد من فرص العمل في دول الغرب الرأسمالية المنتجة، ومزيد من الضحايا والمعاقين والمشكلات الاستراتيجية والدول المفككة في الشرق الأوسط؛ ولكنّ إنهاء داعش وأخواتها يبدأ أولًا بالتحليل العلمي لأسباب ظهور وتقوية الإرهاب.. هذا هو العلاج الناجح والوحيد.

مشكلة الإرهاب وظهور داعش في هذة الأيام مرتبطة بعاملين أساسيين هما: أولًا: الممارسات الديكتاتورية في العالم عامة ودول الشرق الأوسط خاصة، وثانيًا: نظام تأمين الأموال المعروف بالأوف شور.

و نبدأ تفنيدهما على النحو التالي:

أولًا: الممارسات الديكتاتورية في دول الشرق الأوسط خاصة:

لا يكاد يختلف أحد على أن الإرهاب، أو التطرف، قد بدأ كصناعة محلّيّة في الدول القمعية سواء كان المصدر هو الدولة أو ردّ فعل على ممارسة الدولة للقمع، لأن تلك الأنظمة الديكتاتورية والدول القمعية في العالم والدول العربية خصوصًا؛ والتي تمتاز بأنها دول قمعية رجعية بكلّ ما تحمل الكلمة من معنى، أنظمة قد أكل الدهر عليها وشرب، لا همّ لها و لا فكر إلا كيف تقتل حلم مواطنيها وتغتال تطلعاتهم إلى المستقبل، وتحكم على كلّ محاولة للتغيير من قِبَلهم بالموت والفشل، بل في وطننا العربي لا تنفك مثل تلك الدول البغيضة حتى تدسّ أنفها في شئون الدول المجاورة مجهضةً وقاتلة لأحلام أبناء أوطانٍ كلّ ذنبهم أنهم كانوا جيرانًا لهذة الدول الرجعية، ولنا في التاريخ المعاصر أمثلة!

كذلك يشهد الماضي القريب محاولتها في قتل ودفن حركات تحرّر الوطن التي نشأت بعد حركة 23 يوليو 1952 في مصر، فها هي ذات الأنظمة التي تتصدى لما سُمّي بالربيع العربي تهدم مشاريع أبناء تلك الدول في التحرر والتغيير، وللأسف نجد أن تلك الأنظمة البائسة مدعومة من الغرب الذي يسمي نفسة متحررًا ومتقدمًا ومؤمنًا بالحقوق والحريات، فالعلاقة الآثمة التي نشأت بين الأنظمة الديكتاتورية في الشرق الأوسط والدول الغربية الرأسمالية تحت جنح الظلام على غفلة من الشعوب كان معيارها هو المصلحة المتبادلة، فالدول الغربية الاستعمارية خرجت من الشباك أمام حركات التحرر الوطني في الستينات من القرن الماضي لتعود من الباب بسبب قادة تلك الأنظمة الديكتاتوريين، فالديكتاتور يمنح ذهب شعبه للغرب ويقيم علاقات اقتصادية ويضخّم ثروتة مقابل صمت الغرب المتحرر عليه.

من أين يأتي الديكتاتور:

يأتي دائمًا بعد خيانة ثورة والقضاء على رموزها فيستولي على الحكم بسهولة تحت رعاية الغرب ومباركته، أو يقوم الغرب بتمهيد الطريق أمامه ووضعه على رأس السلطة في بلاده ويقوم الغرب بتوفير الحماية لسلطته وإمداده بالسلاح والعتاد والخبرة القمعية، ونحمد الله أن تلك الدول الغربية تحصد الآن ثمار ما زرعت، وذلك يتمثل في تدفق المهاجرين غير الشرعيين إلى دولهم والأعمال الإرهابية والتخريبية وغيرها، لأن تلك الدول القمعية قامت بتصنيع الإرهاب عبر عقود من قمع صوت المواطن الحُرّ وقتل أي محاولة، سواء من التيارات الليبرالية أو اليسارية أو حتى الإسلامية المعتدلة في تلك الدول، للوصول إلى السلطة عبر صندوق الانتخابات بالتزوير تارة وباعتقال المعارضين تارة أخرى، وتضييق الخناق وإغلاق كلّ منابر الرأي، ونشر الأساليب البوليسية في التعامل مع المواطن؛ من تعذيب (بكلّ ألوانه) وتشريد وتهجير متعمّد يصل مرحلة النفي، مستغلةً في ذلك قوانين فاسدة.

إعلان

فالإنسان هنا إن يحلم بمستقبلٍ ما سيستبدّ به اليأس والكراهية والتطرف في كل نواحي الحياة، مثل ذلك الإنسان هو شخص مناسب للتجنيد من قبل تنظيمات إرهابية مثل داعش وغيرها، فكل ما تقوم به داعش هو إعطائة قنبلة ورشاشًا، وانظر ماذا يصنع في باريس ومصر وليبيا وسوريا والعراق.. والباقية تأتي إما الآن أو غدًا.

والخطر الآن أنّ دول الغرب تشهد تراجعًا كبيرًا في المنطقة بعد ظهور داعمين جدد؛ هم روسيا وإيران والصين، وتلك الدول أكثر صراحة ووضوحًا، فهي تعلن أنها لا تهتم كثيرًا بحقوق الإنسان والحريات العامة مما ينذر بأن الوضع سوف يزداد سوءًا وظلامًا.

ثانيًا: نظام تأمين الأموال المعروف بالأوف شور:

من المعروف على العموم أنّ أموال داعش والتي تأتي بطرق غير شرعية؛ من تجارة النفط في السوق السوداء وعمليات السلب والنهب التي تقوم بها، وكذلك نسمع من بعض الأطراف أن داعش تبيع وتتاجر في الآثار، ولكن أين تذهب حصيلة تلك الأموال؟ فبالطبع، داعش لا تضع أموالها على ناقة في قلب الصحراء أو في أحد الكهوف في أعالي الجبال، ولأن هناك العديد من مسلمي ارويا المغدور بهم انضموا إلى داعش، فهم على دراية بأهم وأعظم تقنيات النظام الرأسمالي لحفظ الأموال والذي يستخدمه المجرمون ورجال الأعمال والمافيا والحكام الديكتاتوريين.

أكثر من نصف الأصول المصرفية وثلث الاستثمارات الأجنبية لشركات متعددة الجنسيات تمرّ عبر نظام هو نظام الأوف شور ((offshore))، وأكثر من 85% من التعاملات المصرفية وإصدار السندات في مكان يسمى اليوروماركت ((Euro market)) وهي منطقة أوف شور غير تابعة لأي دولة، و يعرف هذا النظام بأنه تعبير يطلَق على بعض الجزر القريبة من الداخل، مثل جزر كإيمان وجرسي و البهاما وغيرها، والتي كانت جزءًا من مستعمرات سابقة، ورغم أنها تتمتّع في غالبيتها باستقلال ظاهري عن البلد الأم إلا أنها مرتبطة عن كثب بالعواصم المالية والسياسية الكبرى، وتعتبر هذه الأماكن ملاذات آمنة لإيداع أموال الكبار وأموال الجريمة والأموال المنهوبة، حيث تضمن سرية أسماء المودعين ولا تخضع أموالهم لأي ضرائب، لكنّ مثل تلك الملاذات ليست مقصورة على الجزر بل موجودة في قلب بعض العواصم الشهيرة.

وقد فُضح أمر هذا النظام عام 1994م، حينما دخلت شركة مقرها الولايات المتحدة الأمريكية واسمها فيرتشايلد كوربوريشن في نزاع تجاري مع أحد رجال الصناعة الفرنسيين ،وأطلق تحقيقًا موسعًا في الأوساط المالية في فرنسا، تولّته ايفا جولي، موظفة التحقيقات القضائية الفرنسية، وقد تلقت ايفا العديد من التهديدات أثناء التحقيق كان منها التهديد بالقتل، وفي النهاية كشفت عن جزء كبير من هذا النظام القبيح وأثبتت تورط مؤسسات سياسية فرنسية كبيرة والاستخبارات مع عمر بونجو حاكم الجابون الفاسد.

مثل هذا النظام هو الأمثل لداعش لحفظ الأموال فيه وأسرار أسماء وأموال المودعين وحجمها والبلدان التي جاءت منها تلك الأموال، وهذا النظام لا يتعاون قضائيًا ولا يتبادل المعلومات مع أي جهة كانت، وكذلك يوفر أكبر قدر من الأمان للأموال من حيث الاستثمارات الضخمة ولا تُدفع على تلك الأموال أيّة ضرائب تُذكر..

نظام بهذا الشكل كوليد للنظام الرأسمالي البغيض لا يصل إليه لا التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب ولا التحالف الإسلامي لمحاربة داعش، مما يضعنا أمام مسرحية كوميدية في الدول التي تحارب الإرهاب، يقوم الإرهاب بتمويل مصارفها. ويجعل هذا النظام التنظيمات الإرهابية ومصادر تمويلها صخرة قوية عصية على أي تحالف عالمي لمواجهة الإرهاب، فمواجهة وحشية الرأسمالية أَولى وأفضل في علاج هذة المشكلة..

فبدلًا من مواجهة الصنيعة، واجِه الصانع الأساسي؛ وهي الرأسمالية المتوحشة ومسخها.

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.