تأخذك إلى أعماق الفكر

لماذا يتوجّبُ علينا تعلّمُ اللغة الصينية ؟

تعتبرُ الصّين واحدة من أعرق وأغنى الحضارات في التّاريخ البشري، ومن أسباب ذلك كونها قد حافظت على وجودها ما يفوق الخمسة آلاف سنة، كما تُعدُّ أكبرَ دولة في العالم من حيثُ تعدادها السكّاني، فعدد القاطنين بالصين يقارب 1.28 مليار نسمة، أيْ حوالي خُمس سكّان العالم، وهوَ ما يعني أنّ هذا العدد المهول من البشر يتحدّث اللغة الصينية !

إثرَ هيمنة العولمة وكسرِ الحواجز بين دول وشعوب العالم، صار البشرُ يتجادلونَ حول كلّ ما يجعلهم متشابهين ومختلفين، وصرنا نلاحظُ أنّ هذا الجدال يشملُ كلّ المجالات كالاقتصاد والعلوم والأعمال، وقد قاد كلّ هذا إلى التأثير بشكل واضحٍ على اللغة بشكلٍ إيجابيّ وسلبيّ في آن.

إلى جانب انتشار اللغات بشكلٍ ملحوظٍ ورغبة البشر في التعلّم بغاية التواصل مع الآخرين المختلفين، نلاحظُ هيمنة اللغات الأكثر قوّة وتأثيرا على حساب اللغات الأضعف، وبالنظر إلى النموّ الهائل للاقتصاد الصيني وغزوٍ هذه الدولة للسوق العالميّة وتقدمّها في المجالات العلمية والتقنية والثقافية والفنية، يتوقّع الخبراء أن اللغة الصينية هي لغة القرن الواحد والعشرين، أي أنّها ستتمكّنُ من العبورِ والانتشارِ بسرعة بسبب تفوّقها الاقتصادي والتقنيّ.

في الماضي، أدّت هيمنة الكنيسة الكاثوليكيّة على العالم نحو تحوّل اللّغة اللاتينيّة لغة عالميّة، ثمّ انتشرت اللغة الفرنسيّة نظرا لقوّة الدولة الفرنسيّة، وها نحنُ نعيشُ عصرَ سيطرة اللغة الإنجليزيّة كلغة عالميّة منذ بداية القرن التاسع عشر حتّى الآن وهو ما يعودُ لسيطرة الدول الناطقة بهذه اللغة على الاقتصاد العالمي، وفي هذا الإطار يتوقّع خبراء بأن تنافس اللغة الصينيّة اللغةَ الإنجليزيّة إبّان القرن الواحد والعشرين، فتعلّمُ اللغة الصينيّة سيمنحكَ فرصًا وفوائدَ كثيرة، نختزلها في ثمانٍ نقاط أساسيّة:

1 –  اللغة الصينيّة هي الأكثرُ نطقًا على مستوى العالم:

يوجد عدد كبير من اللهجات في الصّين نظرا للتعداد السكّاني الهائل، لكنّ الماندرين تمثّل اللهجة أو اللغة الأمّ، ولقد تمّ اعتبارها اللغة الرسمية للدولة سنة 1924، وهي لغةُ أكثرَ من 873 مليون شخص، ولهذا السبب تُعدّ الأكثرَ نطقا وشيوعا في العالم.

إعلان

2 –  انتشار اللغة الصينيّة بين الشعوب المجاورة للصين:

تتحدّث شعوب كثيرة اللغة الصينيّة، على غرار: الفلبّين، إندونيسيا، تايلاند، ماليزيا، سنغافورة، منغوليا وبروناي. ولهذا السبب، ستستفيدُ في حال تعلّمت اللغة الصينيّة من القدرة على التواصل مع كلّ هذه الشعوب في حال رغبت في أن تسافرَ بغرض السياحة أو إدارة الأعمال الخاصّة بك.

3-  الصّين قوّة اقتصاديّة هائلة:

تمثّل الصين ثاني أكبر قوة اقتصادية في العالم، وتُعدّ واحدة من الشركاء الاقتصاديين والاستثماريين الأساسيين  للولايات المتحدة، ومع انفتاح هذا البلد على الغرب أصبح دوره رئيسيا في الاقتصاد العالمي، وازدهر اقتصادها بشكل مذهل في السنوات الأخيرة، فلقد أصبحَ السوق الصينيّ واحدا من أهمّ الأسواق المستقطبة للعاملين من ذوي الكفاءة، وستساعدك اللغة على أن تكون مؤهّلا للحصول على وظيفة في الصين، ولهذا السبب ننصحك بتعلّم هذه اللغة لما في ذلك من آفاق ترتبط بمستقبل الصين الريادي في إدارة الأعمال والتأثير في الاقتصاد العالم في المستقبل غير البعيد.

4- الانفتاح على الحضارة الصينيّة والقدرة على التواصل مع الناطقين بلغتها:

إنّنا حين نتعلّم لغة جديدة نصيرُ قادرين على التعرّف عن قربٍ على حضارةٍ لها ما يميّزها وما تخفيه في كتب تاريخها وذاكرة شعوبها، وللصين تاريخٌ مزدهرٌ وثقافة مميّزة ستكونُ محظوظا بالتعرّف عليهما في حالِ تحمّست لتعلّم هذه اللغة، فتمكّنك من اللغة الصينية سيمنحك تذكرة سفر عبر الزمن لحضارة شامخة لها من سحرها وعبقها الخاصّ.

إنّ مفتاح التعرّف على أيّ دولة أو شعب يتمثّل في اللغة والثقافة، أي الإبحار في الآداب والفنون والتاريخ والعلوم والآثار والأديان، وهو ما سيصير ممكنا في حال درستَ اللغة الصينيّة، بالإضافة إلى قدرتكَ في المستقبل على التواصل مع سكّان البلاد المحليّين والتعرّف على عاداتهم وتقاليدهم

5- تعلّم اللغة الصينيّة يمكّنك من تطوير قدراتك العقلية وتهذيب حسّك الموسيقي:

يعتبر الكثيرون أنّ اللغة الصينيّة صَعبة وأنّ تعلّمها يكادُ يكون مستحيلا، لذا حين ستتمكّن من القراءة والكتابة بهذه اللغة لن تشعر فقط بتميّزك وقدرتك على خوض التحدّي، بل ستزيد من قدرة عقلك على إدراك الأشياء وتطوير مهاراته، فلقد اعتبر بعضُ علماء الأعصاب أنّ تعلم هذه اللغة يحفّز دماغك على استخدام فصّيه في ذات الوقت، والحالُ أنّ لغات كالإنجليزية لا نستخدمُ خلالها إلاّ فصّ الدماغ الأيسر، ولقد أوضحت التجارب أنّ اللغة الصينيّة تنشّط فصّ الدماغ الأيمن المسؤول عن معالجة الأصوات و تمييز نغمات ونبرات الصوت المختلفة.

تعبّر نبرة ونغمة الصوتِ عمّا يشعرُ به الفرد عند نطقهِ الكلمة، هذا ما نعرفهُ عن اللّغات وعن تواصل الأفراد في ما بينهم، ولكنّ ما يُضاف أثناء تواصل النّاس باللغة الصينيّة هو أنّ نبرة ونغمة الصوت تعبّر عمّا نشعرُ به ولكن أيضا عن المعنى الذّي نودّ تبليغه، مثلا: المقطع”ma”  يعني الأمّ والحصان ونبات القنب في الآن نفسه، ولا يمكنُ أن نميّز المعنى إلاّ بنبرة الصوت المتكلّم.

أوضح جانج بينج المدير بمركز أبحاث اللغات بجامعة هونج كونج لصحيفة كوارتز أن المعالجة الصوتية المعتمدة على نغمة الصوت في الدماغ أمر حاسم في كلّ من الموسيقى واللّغات الصوتيّة مثل اللغة الصّينية.

ويقول جايل هيمان- الباحث بقسم علم النفس جامعة سان دييغو- أن اللغة التي تتحدثها تؤثر على طريقة استقبالك للموسيقى، واللغات الصوتية كالصينية تتفق مع ذلك، مما يدعم نظرية cross-domain learning : (التعلم عبر المجالات ). فالموسيقى واللّغة الصينية يحفّزان استخدام فصّ دماغك الأيمن المسؤول على معاجلة الأصوات وتفكيكها.

7- تعلّم اللغة الصينيّة ليسَ صعبا كما يُشاع:

انتشرَ الاعتقادُ بأنّ اللغة الصينية صعبة ومعقدة جدا ومن المستحيل تعلمها لغير المتحدثين بها كلغة أم، عكس الإنجليزية والفرنسية مثلا، ولنؤكد أنّ هذه اللغة سهلة وأنّه من الممكن تعلّمها بسرعة يمكننا أن نطرحَ عدم احتوائها قواعد لتصريف الأفعال، فليس عليك كمتعلّم أن تتذكّر كل فعل بتصريفاته في الأزمنة المختلفة ولا أن تحفظ الأفعال الغير قابلة للتصريف في استعمالاتها المختلفة كما هو الحالُ في الفرنسيّة مثلا.

لا يتوجّب عليك إلاّ أن تتذكّر الفعل، مثلا: يرادفُ فعل أكل في اللغة الإنجليزية فعل ( eat- ate- eaten) ، أما في الصينية فكل ما عليك تذكره هو الفعل ( 吃 -chī) والذي يعبّر بصورته المفردة هذه عن الماضي والحاضر والمستقبل.

ببساطة، نعبّر عن الزمان في اللغة الصينيّة بإضافة كلمات واضحة تدلّ على زمن القيام بالفعل وليس بتصريف الفعل ذاته، كلمات مثل: أمس، اليوم وغدا. على سبيل المثال، عند التعبير عن الفعل في الماضي نقول:
昨天我吃猪肉。
Zuótiān wǒ chī zhū ròu.
أي: بالأمس أكلت اللحم.

وللتعبير عن تمام الفعل وانتهائه أيضا تستخدم التعبير(了 (le) )، والذي يعبر عن انتهاء الفعل في الماضي، مثل:

(昨天)我吃猪肉了。
(Zuótiān) wǒ chī zhū ròu le.
(بالأمس) أكلت اللحم.

أما عند التعبير عن استمرار الفعل في الحاضر نستخدم إحدى التعبيرات 正在 (zhèngzài) أو 正 (zhèng) أو 在 (zài) ، بالإضافة إلى المقطع 呢 (ne) في نهاية الجملة. مثل:
我正在吃飯呢。
Wǒ zhèngzài chīfàn ne.
(I am eating -أنا آكل )

إنّ تكوين الجملة في اللغة الصينية: فاعل ثم فعل ثم مفعول؛ فلا نحتاج إلى صياغة الكلمات بشكل مختلف عند جمعها مثل اللغة العربية أو الإنجليزية. على سبيل المثال، كلمة قطّة باللغة العربية جمعها قطط، وبالإنجليزية(cat – cats )، أما في الصينية هي كلمة واحدة: (猫 – māo) وتجمع بإضافة أرقام أمامها او ألفاظ تدل على عددها.

7- ستمكّنك اللغة الصينيّة من التعرّف على أصدقاء جدد:

إنّ دراستكَ للغة الصينية سيّمكنك من التواصل مع ما يزيد عن مليار شخص في العالم، وبالتّالي ستتمّكنُ من تكوين صداقات كثيرة من مختلف الجنسيّات الناطقة بهذه اللغة، لتتواصل معهم سواء بشكل مباشر أو غير مباشر عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وكما تعلم، من الجميل أن يكون لديكَ أصدقاء من ثقافات مختلفة عن ثقافتك في مستوى العادات وأسلوب العيش.

8- الحصول على فرصة عمل جيدة:

ستتاح لكَ فرص عمل ممتازة عند تعلّمك للغة الصينيّة، فلقد ارتفع الاقتصاد الصينيّ  بمعدّل سبع مرات ضعف الاقتصاد الأمريكي في هذا العقد الأخير، وطبعا، كلّما زاد الاقتصاد الصينيّ في تقدمّه كلمّا ستزداد الحاجة لزيادة عدد موظفين وروّاد أعمال المتحدثين للغة الصينية.

وبالتّالي، ستكون لكَ أفضليّة على كلّ الراغبين في العمل في الصين من دون أن تكون اللغة الصينيّة لغتهم الثانية، فالأجور في هذه البلاد مرتفعة، فبادر بالتعلّم وحاول أن تختلط بأصدقاء يتحدّثون هذه اللغة لأنّ ممارستك اليوميّة عبر الحوارات سيزيد من إتقانك لها وينمّي معارفك، وكلّما صرتَ قادرا على التحدّث بشكلٍ أفضل كلّما زادت فرصتك في الحصول على وظيفة مهمّة.

وإن لم يكن هدفك الرئيسي الحصول على وظيفة، فإنّ تحدثك الصينية كلغة ثانية يضيف لك خانة جيدة في (السي في-CV) الخاص بك.

يمكنك العمل كمترجم فوري، كمترجم للأعمال الفنية، كاختصاصي مبيعات عالمي أو باحث في إحدى الجامعات الصينية. يمكنك أيضا أن تكون محاضرا بإحدى الجامعات، أو مدرّس لغة صينية للمتحدثين بلغتك الأم، يمكنكَ أيضا أن تحصل على وظيفة مرموقة بمؤسّسة دوليّة مثلَ الأمم المتحدّة.

نقدّم إليكَ إذا بعض النصائح العامة إذا رغبت في البدء في تعلّم اللّغة الصينية:

انتظم في دراستك للصينية ومارس ما تعلمته باستمرار.
استمع إلى أغاني صينية، تابع نشرات الأخبار الصينية، شاهد الأفلام الصينية باستمرار، سافر إلى الصين والدول المجاورة لها ومارس ما تعلمته مع السكان المحليين وإن كانت معارفك بسيطة.

يمكنك تطبيق ما تعلمته مع متعلمي اللغة الصينية مثلك على منصات التواصل الاجتماعي، أو تصفح موقع  wechat  وهي منصة صينية للتواصل الاجتماعي يمكنك عبرها أن تتعرّف على أصدقاء جدد وتتابع ما ينشر من مقالات ومواضيع بكلّ من الإنجليزية والصينية.

تستطيع أيضا متابعة العديد من المدونات التي تساعد متعلمي اللغة الصينية على إتقانها مثل:
Hacking Chinese
Sinosplice
Sapore Di Cina
Chinese Hacks
East Asia Student
iLearn Mandarin
En Route to Fluency
Living a Dream in China
Chinese Breeze
Dig Mandarin

في النهاية ربما تجد تعلم اللغة الصينية صعبا عليك في البداية. لا تقلق، فهي لغة جديدة تماما عليك ومن المألوف أن تشعر بذلك. لكنها لغة ممتعة جدا وسهلة عند انتظامك في تعلمها، المهم ألا تتوقف أبدا عن التعلم. الاستمرارية والممارسة مفتاح تمكنك من تعلم هذه اللغة.
ستجد أسبابك الشخصية لتعلم اللغة الصينية، لكن على كل حال ستستفيد من ذلك على المستوى الشخصي وتوسع مداركك، وتتعرف على حضارة عريقة وثقافة مختلفة تستحق ذلك.

نرشح لك: ما هي الطريقة الأمثل لتدريس اللغات

المصادر:
https://www.bu.edu/wll/home/why-study-chinese/
https://www.thoughtco.com/mandarin-timeframes-2279615
http://blog.tutorming.com/mandarin-chinese-learning-tips/how-long-to-learn-chinese
https://www.sciencedaily.com/releases/2017/01/170118163756.htm
https://www.languagemagazine.com/tonal-languages-use-both-sides-of-the-brain/
https://accent.gg/10-reasons-why-you-should-learn-mandarin/
https://blog.keatschinese.com/7-reasons-why-learning-chinese-is-important
https://www.researchgate.net/publication/305639211_The_spread_of_Mandarin_Chinese_as_a_global_language
https://www.simplyhired.com/search?%3Fq=chinese+native+speaker&iuchoicehistory=
https://cn.hujiang.com/new/p1141903/
https://www.fluentu.com/blog/chinese/2018/01/02/jobs-requiring-chinese-language-skills/
https://www.bu.edu/wll/home/why-study-chinese/
https://www.fluentin3months.com/mandarin-chinese-is-easy/
https://www.fluentu.com/blog/chinese/2014/04/07/chinese-blogs/

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: سمر فؤاد

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

تدقيق علمي: بشرى مخازني يحيى العداسي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.