تأخذك إلى أعماق الفكر

لعنة فتور المشاعر: عندما تشعر باللاشعور  

قد يكون فتور المشاعر عدوَّك اللدود 

إن كنت تتساءل عن ماهية فتور المشاعر (apathy) بالتحديد، يمكننا أن نشبهه إلى حدٍّ ما بالوقوع بالحب. فيُمكِنك أن تصِفه كما تشاء وتُخمن شعور الإنسان عندما يكون بحالةٍ من الفتور، إلا أنك لن تفهم ماهيته حتى تقع ضحية براثنه. ومِن عجيب المفارقات هنا أن ما يميز فتور المشاعر عن غيره هو أنه الشعور بأنك لا تشعر بشيءٍ على الإطلاق؛ ولا بد أنك شعرت به خلال مرحلة ما من مراحل وجودك. فعندما تشعر بأن حياتك ينقصها شيء جوهري ولكنك تفتقر إلى الحافز الذي يدفعك إلى ملاحقته، فأنت بذلك قد ابتُلِيتَ بهذا الشعور الذي يخلو من أي مشاعر. 

وإثر إجراء العديد من الأبحاث السيكولوجية، تمَّ التسليم بالحقيقة التالية: حتى يتصرف المرء بتصرفٍ يحمل قيمة شخصية، يجب أن يشعر بما يحفزه على القيام بذاك التصرف. وبناءً على ذلك نرى أن غياب الشعور الذي يُلِزمُك على توجيه سلوكِك نحو القيام بتصرف ما يعني أنّك لن تشعر بالحافز الداخلي للقيام بأي شيء -وإن بحثنا عن المعنى الحرفي لكلمة “apathy” سنجد أنه “اللاشعور“. 

رغم أن فتور المشاعر يُعتبر شعورًا، إلا أنّه أحد الاتجاهات النفسية كذلك -والاتجاه في علم النفس يشير إلى درجة حب أو كره الفرد لموضوع معين وكيفية تصرفه عند مروره بمواقف تتمحور حول هذا الموضوع. ولكن هذا الاتجاهَ واحدٌ من أكثر الاتجاهات النفسية التي تمتاز بعدم الاهتمام وخدران المشاعر وعدم الاستجابة للمحفزات، فضلًا عن الانسحاب من الواقع واللانفعاليّة. حيث يستنزف هذا الاتجاه معظم طاقتك النفسية لدرجةِ أنك تشعر بالخمول وفتور الهمة والوهن الذي يشعرك بأنك مُصاب بالشلل وبأنك لا تمتلك الإرادة الكافية للقيام بأي شيء. فما يميز الفرد المصاب بِلعنة فتور المشاعر هو الخمول الذي يمنعه من أن يكون فعالًا في الحياة؛ فهُو لا يهتم بتاتًا بمواجهة تحديات الحياة. وبكل صراحةٍ وشفافيّة، لا يكترث المصاب بأنه لا يهتم بأي شيء. 

لاحظ كل من Junko Ishizaki و Masaru Mimura في بحثٍ أَجرياه عام 2011 أنّ فتور المشاعر يطرأ عند إصابة المرء بإحدى الاضطرابات المرضية التالية: 

  • انفصام الشخصية
  • السكتة الدماغية
  • مرض باركنسون (الشلل الارتعاشي)
  • الشلل فوق النَّوَى المُتَرقِّي
  • داء هنتنغتون
  • أمراض الخرف كَالزهايمر وخرف الأوعية الدموية والخَرف الجبهي الصدغي

ووجد بعض الباحثين -دون إثبات ذلك عبر الأبحاث العلمية- وجودِ رابطٍ بين فتور المشاعر ومُدة الشعور بهذا الفتور من جِهة ونمط الحياة غير الصحي الذي يسوده الحرمان من النوم -والإرهاق العام- والنظام الغذائي السيء وقلة التمارين الرياضية أو قصور في أعضاء الجسم كقُصور الغدة الدرقية أو قصور في الجهاز الحوفي من جهةٍ أخرى. وفيما يتعلق بالتشخيص النفسي، تم ربط فتور المشاعر بالإصابة بالاكتئاب الجزئي والاكتئاب الحاد والاضطراب ثنائي القطب، إضافةً إلى الإفراط في تعاطي بعض المواد المُخدِّرة كمُسكِّنات الألم والماريجوانا والهيروين. 

إعلان

ولكن بعيدًا عن مسببات فتور المشاعر، تتشابه عواقب هذه الحالات والاضطرابات الصحية بشكلٍ واضح. أي أنّ ما يفتقر إليه المصابون بلعنة فتور المشاعر هو الأمل الجوهري بإمكانية الوصول إلى السعادة الغامرة وتحقيق الذات. فإما أنهم قد فقدوا إيمانهم بأهمية الأهداف التي سبق أن حددوها لأنفسهم، أو أنهم قد فقدوا إيمانهم بقدرتهم على تحقيق هذه الأهداف. وبذلك فَهُم لا يعتقدون أنّ هنالك شيئًا يستحق أن يسعوا وراءه. وعليه فإن الطاقة الذهنية والبدنية والعاطفية التي تُغذي رغبة الفرد في تحقيق ما هو ذو قيمة بالنسبة له تختفي من حياته. ورغم أنّ مشاعر الاكتئاب عادةً ما ترافِق فتور المشاعر-وأحيانًا يصعب التمييز بينهما- إلا أن فتور المشاعر قد يباغتُ الفرد دون أن يكون مكتئبًا. 

وإليك الآن بعض ما قد يؤدي بك إلى فتور المشاعر: 

  • هل تراودك أفكار سلبية حول نفسك أو فُرصِك المستقبلية؟
  • هل تمتنع عن القيام بتصرف ما خوفًا من الفشل أو النبذ أو من أن تثبِت لنفسك أنّك أدنى مقامًا من غيرك أو أنّك تفتقر الكفاءة المطلوبة أو أنك غير ملائم لمحيطك أو أنّك عديم القيمة؟
  • هل تعرضت للفشل أو الرفض منذ مدة قصيرة وأنت الآن عاجزٌ عن تجاوز الأمر والعودة إلى حياتك الطبيعة؟
  • هل تعرضت أنت أو شخص عزيز عليك لشيءٍ خيّبَ من أملك وامتص العزيمة من روحك وجعل منك شخصًا متشائمًا ويائسًا؟
  • هل أثرت عليك أي أحداثٍ محلية أو عالمية بحيث أمسيت شخصًا لا يثق بوجود ذرة خير في الطبيعة البشرية وكأن كل محاولاتك بتغيير ما يحيط بك ستبوء بفشلٍ ذريع؟ 
  • هل تشعر بالإرهاق  أو الملل الشديد عند قيامك بروتينك اليومي لدرجة أنك تُيقِن بأنّ لا شيء يستحق التطلع له في يومك؟ 
  • هل تشعر بأنّ شيئًا ما في أعماقك قد تآكل أمله لدرجة أنه تخلّى عن العمل على بناء مستقبلٍ مُبهجٍ ومُرضٍ؟
  • هل تخليت عن الاستمتاع بحياتك لحظةً بلحظة ومواجهة المشاكل التي تعترض طريقك بشكلٍ فوري وتمسكت بدلًا من ذلك بحياة يغزوها ملل سقيم؟ 

إن رأيت أنّ أيًّا من السيناريوهات أعلاه تفسر شعورك بفتور المشاعر أو إن تمكنت من تحديد أي عواملَ أخرى مسؤولة عن عيشك حياةّ منفصلةً عن الواقع، فمِن المحتمل أنّك ستجد نفسك في إحدى السيناريوهات التالية أو كلها: 

  • أتتذكر فترةً توقفت فيها عن بالاهتمام بما كان يوقد شعلة الحماس داخل روحك، كالعمل على تنفيذ مشروع ما أو ممارسة هواية أو لعب رياضة أو مشاهدتها أو لقاء الأصدقاء أو الخروج في موعد غرامي؟ 
  • هل مررت بفترةٍ لم  تشعر فيها بدافعٍ يحفزك على أداء عملك أو الاستمتاع مهنتك؛ فأمسيت تشعر بملل إزاء المهام المتكررة التي يجب عليك تأديتها والمسؤوليات الملقاة على عاتقك؟
  • هل تتذكر فترةً أضعت فيها وقتك مُتسمِّرًا أمام شاشة التلفاز أو عبر لعب ألعاب الفيديو أو عبر تصفح الإنترنت بإفراط ودون تركيز؛ وبذلك توقفت عن ممارسة التمارين الرياضية وبررت ذلك لنفسك عبر الادعاء أنك لا تشعر بالروح المعنوية اللازمة لذلك؟
  • هل مررت بفترة لم تستطع فيها تكريس نفسك للقيام بشيء محدد -ناهيك عن الالتزام به- وذلك لأنك تؤمن بأن لا شيء -بما في ذلك أيّ أهداف أو طموحاتٍ أو نشاطاتٍ- يستحق جهدك المبذول؟ 

ولكن إن كان هنالك سبب رئيسي وراء لعنة فتور المشاعر فهو تشاؤمك بخصوص خفايا المستقبل. وأسلوب التفكير المُحبِط للذات هذا قد ينبع من برمجة الدماغ منذ الطفولة على التفكير بعقليةٍ تؤمن بأنك لن تنجح مهما استثمرت من جهدك في تنفيذ مهمة ما، أو قد ينبع من تعاقب سلسلةٍ من الأحداث في الحاضر التي جعلت منك شخصًا يشعر بأنّ المقاومة بعد الفشل لن تنتهي بنجاحك -وهو السبب الأكثر شيوعًا بين المصابين بلعنةِ فتور المشاعر. 

وأما الحل فيتمثل غالبًا بالتنقيبِ عن مكنونات النفس وخفاياها؛ وهي عملية تدريجية تتطلب اتباع العديد من الخطوات. 

إذًا كيف يمكنني التخلص من فتور المشاعر؟ 

إن ما يُبقيكَ حبيسًا في حالة الفتور هذه -بغضِّ النظر عن السبب الرئيسي وراء غياب الحافز الذي يدفعك نحو القيام بأي مجهود يذكر- هو الطريقة الحالية التي تنظر فيها لمستقبلك. وبذلك نرى أن مهمتك الحالية تتمثل بتعديل نظرتك للمستقبل. أي أنّه يفضّل أنّ تركز على كيفية إصلاح ما يدور في بالك بدلًا من محاولة إصلاح ما يحدث خارجه. ومن المؤكد أنّك ستضطر إلى إجبار نفسك على اقتلاع ما ضرب بجذوره عميقًا داخلك. لذلك وجّه إلى نفسك السؤال التالي: “هل أنا مستعد لألتزم أمام نفسي بمحاربة فتور المشاعر هذا في معركةٍ أهزِمه فيها شر هزيمة رغم أن هذا القتال سيستنزِف مقدارًا من الطاقة والجهد يفوق قدرتي الحالية؟” 

وإليك الآن بعض الحلول التي قد ترغب في تطبيقها: 

  • حدد مصدر فتور مشاعرك ومن ثم اعترض طريق الافتراضات الكامنة وراءه. فنظرًا لأن فتور المشاعر يتمحور بشكلٍ أساسيٍّ حول اتجاهك النفسي في الحياة، اشرع بالنظر إلى نفسك وإلى مراحل حياتك السابقة من زاويةٍ مختلفة. وهنا تبدي لنفسك قدرًا أكبر من التعاطف والرأفة والتفهم، ولربما تسامح نفسك على ما ارتكبته في الماضي من انتهاكاتٍ للمحظور أو عدم مراعاة الغير أو لأيٍّ من عيوبك البشرية. فقد حان وقت التغاضي عن أي رسائل سلبية تلقيتها عن نفسك في الماضي لِتدِرك أن نجاحك مضمونٌ شريطةً ألا ترفع سقف توقعاتك بشكلٍ خيالي وأن تكون مستعدًا لتكرِّس نفسك في سبيل إنجاز ما تراه ذا أهمية في حياتك. 
  • الانتقال من حالة الانسحاب من الواقع وعدم الانغماس في الحياة إلى أسلوب حل المشكلات. حيث تتمثل الخطوة الأولى والأكثر سهولة في طريق الخروج من حالة خدران المشاعر التي انزَلقتَ إليها بإعداد قائمةٍ تحتوي على الصعوبات التي تواجهك والأمور التي يمكنك القيام بها لِتحسن من موقفك. وإن كانت ظروفك غير قابلة للتغير، يمكنك تقبلها على ما هي عليه ومن ثم تجاوزها والمضي قُدمًا في حياتك. 
  • أدخِل شيئًا جديدًا على روتين حياتك؛ تحدَّ نفسَك لبدء محادثةٍ مع زميلٍ لا تعرفه جيدًا على المستوى الشخصي. أو غيّر من النظام الذي تتبعه في ممارسة التمارين الرياضية. كما ويمكنك تغيير بعض تفاصيل حميتك الغذائية؛ فيمكنك تجربة أطباقٍ أو مزيج غذائي ما للمرة الأولى. ويمكنك أن تخرج في رحلة أو أن تتمشى بين أحضان الطبيعة. فقد تفتح لك تجربة أيٍّ من الأمور السابقة أبوابًا على مصراعيها تدعوك إلى الاستمتاع بحياتك، وهو أمرٌ يستحق النظر فيه. 
  • تحدى لعنة فتور المشاعر بكل الطرق الممكِنة. فكِّر بما كان يثير حماسك قبل أن تحدِق بك مصيبة فتور المشاعر؛ كصديقٍ لم تعد على تواصلٍ معه ولكنك كنت ستسمع بصحبته -خصوصًا إن كان يجلب الضحك إلى حياتك. أو كنوعٍ معيّن من أنواع الموسيقى كنت تستمتع بها، أو أماكن كانت تجلب لك الإلهام. فكلما اتسع نطاق الأمور التي تجربُها، كلما زادت احتمالية تحررِك من قيود فتور المشاعر التي تضيق الخناق عليك. 
  • تذكر وقُم بإحياء فترات السعادة التي كنت فيها أكثر حماسًا وحيوية؛ تذكر الهوايات أو النشاطات التي كنت تمارسها في أوقات فراغك والتي كانت تُبهِج روحك. إلا أنّ الأمر لا يتمحور حول ما كان يجلب السعادة إلى قلبك في الماضي فحسب؛ فأيٌّ شيء يجلب لك السعادة الآن يمكن أن يخلِّصك من لعنة فتور المشاعر. لقد نشرت مقالًا على موقع Psychology Today بعنوان “The Purpose of Purposelessness” والذي ذكرت فيه أنّ ما يشار إليه “بالنشاطات التي يؤديها الفرد بلا أي هدف يُذكر” تخدم هدفًا جوهريًا؛ وهذا الهدف هو توسيع مدارِكِك لتلاحظ المسرات البسيطة التي تجلبها الحياة. 
  • وجه انتباهك نحو الهدف الذي سوف تسعى إلى تحقيقه خلال هذه الفترة. اختر أيَّ هدفٍ قد يجذب انتباهك واهتمامك ويساعدك على إعادة الاتصال بالحياة الواقعية بطريقةٍ إبداعية -وذلك حسب قيمك وكفاءتك وتفضيلاتك في الحياة. ولكن إياك أن تسمح لنفسك بأن تتلوى في الحسرة والكرب حتى وإن عنى ذلك أنك ستضطر إلى أن تختار عشوائيًا بين ثلاث أو أربع أهدافٍ كنت تسعى إلى تحقيقها فيما مضى؛ وذلك لأنه يمكنك تغيير رأيك متى ما شئت مستقبلًا. فَالضرورة المُلحة تقتضي أن تنتشل نفسك من المستنقع الذي تتخبط فيه، وننصحك هنا بأن تبتعد عمّا هو معقد. 
  • استشر معالجًا نفسيًا متخصصًا خاصة إن لم تتمكن من التخلص من لعنة فتور المشاعر رغم اتباعك للاقتِراحات المذكورة أعلاه، وذلك لأن عدم فعالية الاقتراحات السابقة قد يشير إلى أنك تعاني من اكتئاب عميقٍ. ولعلاج هذا الاكتئاب، يتوجب عليك اللجوء إلى الاستشارات النفسية. فلا يمكنني التشديد بشكلٍ كافٍ على أهمية اللجوء إلى الخبراء؛ فالأمور التي يصعب عليك علاجها لوحدك قد يغدو علاجها سهلًا ويسيرًا باللجوء إلى من يفهم ديناميكيات المُعضلة التي تعاني منها -والذي يمكنه أن يقدم لك طرقًا فعالة للتغلب عليها.

نرشح لك: سايكوباث المشاعر

إعلان

مصدر المصدر
فريق الإعداد

إعداد: راما ياسين المقوسي

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

تدقيق لغوي: ندى حمدي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.