تأخذك إلى أعماق الفكر

كيف يمكن أن تنقذنا النرجسية؟

عندما تكتب كلمة “النرجسية” في محرك البحث ستظهر لك عشرات النتائج التي تصف سلبيات المصابين بها وكيفية تفاديها، ومدى خطورتهم على المجتمع والعلاقات العاطفية أو الصداقة.

ولكن في الحقيقة أن النتائج التي تظهر هي استعراض لأحد الاضطرابات الشخصية ألا وهو NPD أو اضطراب الشخصية النرجسية. الذي تتجلى أعراضه في التمركز حول الذات، التنمر، لوم الآخرين على أخطائه منذ الطفولة. سببها مثل السمات الشخصيات المضطربة الأخرى؛ قد تكون وراثية إلى حد ما أو متجذرة جزئيًا في الطبائع التي تظهر على الأطفال في وقت مبكر، أو بسبب ما يقدمه الأهل من مغالاة في المديح لشخص الطفل وليس أفعاله، أو عدم الاهتمام بأفكار الطفل وما يريده وما لا يريده وقهره بالسلطة الأبوية أو عدم المبالاة به من الأساس.
إن تشخيص اضطراب الشخصية النرجسية هو في الواقع سلبي. لكن النرجسية في حد ذاتها ليست بالشيء السيء أو الجيد؛ فهي تعبر عن حب الذات أو تقدير الذات.

لكن في أواخر القرن العشرين تطور مفهوم النرجسية ببطء من التحليل النفسي التقليدي، ونُحت منه مصطلح جديد ليعبر عن الجانب الجيد من النرجسية، أو ليعبر تحديدًا عن قيمة تقدير وحب الذات دون انقطاع الاتصال بالعالم الخارجي، وأطلق على هكذا أمر اسم
“النرجسة الصحية”.

“(…) وانظر     إلى آثار ما صنع المليك
عيونٌ من لجَيْن شاخصــــات    بأبصار هي الذهب السبيك
على قضب الزبرجد شاهدات    بـأن الله ليس له شريــــك”
-أبيات في وصف النرجس، أبو نواس.

إذًا ما فائدة التحلي بالنرجسية الصحية؟

في حياتنا يمر علينا أشخاص نراهم يتحلّون بصفات مثيرة مثل: الذكاء، القوة، والجمال. لكن مع ذلك لا يشعرون بالرضى عن أنفسهم، بل لا يرون هذه الصفات تستحق أن يمدحهم أحد بسببها ويتغافلون عنها، ويشعرون بالقلق ويرتكبون إذا اهتم بهم أحد أو علّق تعليقًا إيجابيًا على أحد صفاتهم. بل حتى إننا نجد فتيات يذكرون أنهن يهربن من المرآة؛ حتى عند مصفف الشعر؛ لأنهن لا يستطعن النظر لأنفسهن. وهناك أيضًا رجال يعترفون أنه عندما تتقرب منهم فتاة بغرض الإعجاب يرتبكون بشدة، بل أحيانًا يتصرفون بعدائية بغرض التهرب. بجانب أنه توجد شريحة كبيرة من الأشخاص لا يتمتعون بأي إنجاز لهم ليس بسبب القلق وحده أو ما شابه؛ ولكن لأنهم لا يرون أن هناك إنجاز حققوه! مثل هؤلاء لا يقدرون أو يعترفون بأي من صفاتهم الجيدة.

إعلان

لذلك النرجسية الصحية مهمة لمثل هؤلاء؛ فهي تساعد على تجربة الانتشاء أو الفرح بما فعلت أو بما تتحلى به؛ لأن ذلك قادر على انتشالهم من محطات الإحباط غير المبررة ومنع احتمال الوقوع في الصراعات النفسية. افتقار الشخص لقدرته على تقدير ذاته يرغمه على تقبل أشياء مؤذية سواء علاقات عاطفية أو منصب متدنٍ في شركة ما، الحصول على مبالغ ضئيلة رغم كم المجهود المبذول يساعد بشكل كبير على رغبة التخلص من تلك الذات!

لماذا لا يتحلى الجميع بالنرجسية الصحية؟

ببساطة لأن بعض الناس لا يطورون حب الذات خاصتهم لأسباب عدة، يمكن من أهمها نشأتهم مع آباء لا يعطونهم مساحة لاكتشاف أو النظر لأنفسهم. وهناك من يخاف أن يتهمه أحدهم بالغرور و التكبر، ويتراجعون إذا بدؤوا في النظر لصفاتهم وتقديرها بسبب عدم التعود على ذلك، والخوف من أحكام الآخرين عليهم.

وفي هذه النقطة يبزغ سؤال اعتبره مهمًا: هل يمكن أن تنقذنا النرجسية وإلى أي مدى؟

فأتذكر جان بول سارتر وهو يحكي في كتابه Les Mots الكلمات عن أول موعد له في صالون الحلاقة وهو آنذاك في السابعة، فيقول:

“انطلقت صرخات مجلجلة، ثم حبست أمي نفسها في غرفتها كي تسلم نفسها للبكاء، كانت أمي تجد ما يبرر لها رفض دمامتي الواضحة(…)، قصصت شعري فصرت بشعًا كضفدع. وهكذا لم يعد أحد يرغب في التقاط صورة لي”.
في تلك اللحظة تحددت معالم مستقبل سارتر بل كيانه كاملًا؛ الدمامة. وهو شيء محبط لأي طفل يعي ذلك وما يترتب عليه من تلك النظرة. ولكن مع ذلك ولكي يحمي نفسه -سارتر- ويوطد احترامه لذاته رسخ داخل نفسه كونه محبوبًا من قِبل جده، كما أنه اعترف ومن غير تواضع بأنه طالما شعر بأنه (ضروري للكون) وبدون شك هذا التقدير للذات هو ما ساعده أن يصبح مفكرًا لا يفوح من سمته إلا الثقة.

ومن زاوية أخرى ويمكن أن نطلق على الجانب العملي لتلك الإشكالية ما خطّه مايكل ماكوبي في مقاله سنة 2000 حيث أطلق اسم “narcissistic leaders” أو “القادة النرجسيون” على فئة معينة من البشر، فيقول عنهم ما مفاده أنه على مر التاريخ برز النرجسيون دائمًا لإلهام الناس وصياغة المستقبل. عندما هيمنت الساحات العسكرية والدينية والسياسية على المجتمع، كانت شخصيات مثل: نابليون بونابرت، والمهاتما غاندي، وفرانكلين ديلانو روزفلت، هي التي حددت الأجندة الاجتماعية. لكن من وقت لآخر، عندما أصبحت الأعمال التجارية محرك التغيير الاجتماعي، فإنها أيضًا ولدت حصتها من القادة النرجسيين. كان هذا صحيحًا في بداية هذا القرن، عندما استغل رجال مثل: أندرو كارنيجي جون دي روكفلر، وتوماس إديسون، وهنري فورد، التقنيات الجديدة وأعادوا هيكلة الصناعة الأمريكية. وأعتقد أنه صحيح مرة أخرى اليوم.

قادة مثل جاك ويلش وجورج سوروس هم أمثلة على النرجسيين المنتجين. إنهم خبراء استراتيجيون موهوبون يرون الصورة الكبيرة ويجدون معنى في التحدي المحفوف بالمخاطر المتمثل في تغيير العالم والتخلف عن إرث. في الواقع أحد الأسباب التي تجعلنا نتطلع إلى النرجسيين المنتجين في أوقات التحول الكبير هو أن لديهم الجرأة لدفع التحولات الهائلة التي يقوم بها المجتمع بشكل دوري. ثم يرفق في مقاله جزءًا عن الشخصيات الثلاثة التي حللها فرويد واهتم بالشخصية النرجسية ثم أكمل فروم على نفس المنوال، فيقول:
“النوع الثالث وهم النرجسيون، مستقلون ولا يشعرون بالإعجاب بسهولة. هم مبدعون، مدفوعون في مجال الأعمال للحصول على القوة والمجد. النرجسيون المنتجون هم خبراء في صناعاتهم، لكنهم يتجاوزون ذلك. كما يطرحون الأسئلة الحرجة. إنهم يريدون تعلم كل شيء عن كل ما يؤثر على الشركة أو المؤسسة التي ينتمون إليها ومنتجاتها”.

ثم يستطرد ماكوبي لتحقيق التوازن الطبيعي لتلك المعادلة، فيقول:

هم أيضًا سارقون يمكنهم تحويل الجماهير من خلال خطابهم. يكمن الخطر في أن النرجسية يمكن أن تتحول إلى نتائج غير مثمرة عندما يصبح النرجسيون حالمين غير واقعيين(…) وأن هذا الميل نحو العظمة هو نقطة ضعف لدى النرجسيين. بسبب ذلك؛ حتى النرجسيين الأذكياء يمكن أن يتعرضوا للاشتباه في تورطهم الذاتي أو الفردانية، وعدم القدرة على التنبؤ، وفي الحالات القصوى، جنون العظمة أيضًا. بجانب هذا، إنهم يفتقرون للتعاطف الذي يعد سمة أساسية للتواصل مع البشر ولكن رغم ذلك لم يمنعهم قصور التعاطف من التواصل أو الإلهام. ويضرب ماكوبي المثل ببيل غيتس وآندي غروف. ولكن أحيانًا يكون الافتقار للتعاطف ميزة إيجابية. يوضح ماكوبي أن القائد النرجسي يشعر بالقليل من الأسف عند بيع أو شراء شركته أو تسريحه من عمله أو خسارة صفقة ما؛ لأنه لن يضيع الكثير من الوقت على الحزن و تذكر خيبات الأمل. وهنا مرة أخرى يمكن أن تنقذ النرجسية الفرد من الانهيار.

إن ما قاله ماكوبي يعد عادلًا وواقعيًا؛ لأنه كلما زاد وعي الفرد بنفسه يصبح أكثر قدرة على التحكم في سلوكه وأفعاله وفهم دوافعه. بل إنه يصبح أكثر قدرة على الإنتاج وإفادة غيره ممن يشاركه نفس التجربة. المضطرب المستبصر بحالته أفضل من السوي غير المستبصر لِما يدور من حوله. وهذا لن يحدث إلا إذا أدرك كل فرد نقاط القوة والضعف التي تكمن داخله وتحركه وتفهمها. وفي هذا السياق يمكن أن نطبق مقولة خودوروفسكي: “داخلك وخارجك هناك ملائكة وشياطين، قوى إيجابية وسلبية، هذه القوى ليست طيبة أو شريرة، إنها ضرورية للتوازن الحيوي للعالم”.

المصادر:
مقال What Is Healthy Narcissism?The ability to experience joy in yourself can get you through difficult times.Contemporary Psychoanalysis in Action
Narcissistic Leaders: The Incredible Pros, the Inevitable Cons
Michael Maccoby

 

إعلان

أفادك المقال؟ شاركنا رأيك في التعليقات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.

فريق الإعداد

إعداد: مي المغربي

تدقيق لغوي: أبرار وهدان

الصورة: صالح عبدالحفيظ

تعليقات
جاري التحميل...