تأخذك إلى أعماق الفكر

قضية آكلي لحوم البشر: معضلة أخلاقية؟

قضية آكلي لحوم البشر في قارب النجاة، أحد أشهر القضايا في بريطانيا العظمى في القرن التاسع عشر.
اهتم به القضاء البريطاني والرأي العام في ذلك العصر، وكثيرًا ما تدرس في كليات الحقوق لما أثارته من جدل بين العامة وأيضًا بين رجال القانون والقضاة أنفسهم، كما أنها تثير مسائل فلسفية أخلاقية حول مفاهيم الخير والشر والسلوك الأخلاقي السليم الذي يجب اتباعه. فما هي قضية آكلي لحوم البشر؟

قصة قضية آكلي لحوم البشر

سردت أحد الصحف البريطانية في ذلك العصر وقائع أحد أكثر القصص البحرية المأساوية والحزينة: قصة غرق سفينة “مينيونات”، غرقت السفينة في جنوب المحيط الأطلسي، وكان طاقمها يضم أربعة أشخاص:
“دادلي” كان القبطان، “ستيفنز” كان المساعد الأول، و”بروكس” كان بحارًا، بينما كان الأخير “ريتشارد باركر” غلام السفينة. شاب يبلغ من العمر سبعة عشر عامًا وكان يتيمًا لا عائلة له على حسب الصحيفة التي نشرت القصة.

تعرضت السفينة لضربات الأمواج الهادرة حتى تحطمت وأخذت في الغرق شيئا فشيئًا، فما كان لطاقم السفينة إلا الهروب عبر قارب النجاة، وكان الطعام الوحيد الذي يحملونه هو عبوتان من اللفت المعلب، بدون ماء صالح للشراب، أو أي شيء آخر.
في الأيام الثلاثة الأولى على القارب لم يتناول أفراد الطاقم شيئًا، في اليوم الرابع فتحوا إحدى عبوات اللفت وأكلوها، في اليوم الخامس لم يتناولوا شيئا، في اليوم السادس فتحوا عبوة اللفت الأخيرة وحتى اليوم الثامن لم يكن لديهم أي شيء للأكل أو الشرب، وهذا ما لم يتحمله الغلام “ريتشارد باركر” الذي أخذ في شرب مياه البحر على خلاف نصيحة الآخرين حتى بدا عليه المرض وكأنه شارف على الموت.
كان وضعهم لا يطاق، لا يمكن احتماله ولا تخيله.
اقترح الربان إجراء قرعة لاختيار من سيضحي بنفسه في سبيل نجاة البقية، وافق الجميع ما عدا البحار “بروكس” فتم التخلي عن الفكرة. لكن لابد من حل ينقذهم من مأساتهم وإلا سيكون مصيرهم الهلاك!

فكان الحل هو اتفاق كل من القبطان ومساعده والبحار على قتل الغلام الصغير وأكله، ووقع اختيارهم عليه بحجة كونه الأصغر وأنه يتيم لا عائلة تنتظره في الوطن وأنه مريض وموته قريب مقارنة بالآخرين، قام القبطان بتلاوة دعاء الصلاة وأخبر الغلام بأن ساعته قد حانت، فطعنه بسكين جيب في عنقه الصغير.

والجدير بالذكر أن “بروكس” البحار الذي رفض إجراء القرعة سابقًا شارك في هذه الغنيمة الشنيعة وكان موافقًا على التضحية بـ “باركر”.
توالت الأيام واستمر الثلاثة في الأكل من جسد الغلام الصغير حتى تم إنقاذهم من قبل سفينة تبحر في الأرجاء، إذ يسرد القبطان في مذكراته قصة إنقاذهم قائلًا “بينما كنا يوما نتناول فطور صباحنا، أبصرنا سفينة مارة ليست ببعيدة عنا، أخذنا في التجديف بكل قوة والصراخ ومناداتهم حتى انتبهوا إلينا وتم إنقاذنا والعودة بنا إلى الوطن.”
أثارت هذه القصة الرأي العام في بريطانيا آنذاك، بين مؤيد ومعارض لما ارتكبه الثلاثة في حق الغلام باركر.

إعلان

وتمت محاكمتهم بتهمة القتل العمد واعتبر القاضي أن جريمة القتل العمد تبقى دائمًا جريمة مهما كان.
والأهم أن هذه القضية تعتبر معضلة أخلاقية تطرح مجموعة من التساؤلات الفلسفية حول “إلى أي مدى يمكن اعتبار ما فعله طاقم السفينة في حق باركر جريمة وشيئًا سيئًا وشريرًا وفعلًا لا أخلاقيًا؟ إلامَ نستند في الحكم على هذا الفعل؟ وكيف نبرر ما فعله هؤلاء؟ لماذا ينقسم الناس في الحكم عليهم بين معارض ومؤيد أو مبرر؟”

الدفاع عن طاقم السفينة: مذهب النفعية

ذهب العديد من المدافعين عما فعله طاقم السفينة في حق الغلام “باركر” إلى تبرير هذه الفعلة بحجة أنها عملية حسابية بسيطة، موت شخص واحد في سبيل إنقاذ ثلاثة أشخاص، وأنه في تلك الوضعية وفي تلك الظروف عليك فعل ما يجب فعله، فالغاية تبرر الوسيلة، وإن كان قتل ذلك الشاب الصغير من جهة يعني نجاة ثلاثة آخرين من جهة أخرى فذلك ما يجب فعله وذلك هو الفعل الأخلاقي السليم، لأن المبدأ أنه لا حاجة تبرر القتل أو السرقة أو العنف أو شكل من أشكال الجرائم. لكن عند نقطة معينة درجة حاجتك تبرئك من أي ذنب أو عقاب قانوني أو أخلاقي، وخاصة إن كانت نتائجها تعود بالنفع على أكبر عدد ممكن من الناس، مقارنة بالمتضررين من هذا الفعل المرتكب.

نشهد في هذه التبريرات لفعلة طاقم السفينة تكريسًا واضحًا للفلسفة النفعية، وهي فلسفة أخلاقية أسسها الفيلسوف الإنجليزي جيرمي بنثام، حيث يعتبر هذا الفيلسوف أن الفعل الأخلاقي السليم هو الذي يحقق الزيادة القصوى في المنفعة لأكبر عدد ممكن من الناس، ويعرف بنثام المنفعة على أنها ترجيح كفة السعادة، الفائدة، والخير على كفة الألم والمعاناة، وبهذا تعتبر الفلسفة النفعية أن تحديد ماهية الفعل الأخلاقي السليم والسلوك السوي مرتبط بالنتائج التي سيحققها، ولا قيمة للوسائل أو الإجراءات المتخذة لبلوغ تلك النتيجة، فإذا كان قتلُ شابًا صغيرًا سيحقق المنفعة القصوى بنجاة ثلاثة أشخاص آخرين، فذلك ما يجب فعله.

قد يحاجج البعض قائلين بأنه لا يمكن تبرير قتل شخص واحد من أجل نجاة ثلاثة، فقد يكون صالحًا اجتماعيًا أكثر منهم. وهنا تضرب النفعية من جديد وتطرح سؤالًا: “ماذا لو كان موته يعني نجاة ثلاثين شخصا؟ ماذا لو كان موته يعني نجاة ثلاثمائة شخص؟ ماذا لو كان موته يعني نجاة ثلاثة ملايين شخص؟ هل يصبح موته مبررًا حينها؟ وماذا يختلف قتل شخص واحد من أجل حياة ثلاثة أشخاص أو ثلاثة ملايين شخص؟ في كلتا الحالتين نحن نعتبر أن نجاة أكبر عدد ممكن من الناس أولوية قصوى.

اتهام طاقم السفينة: الجريمة تبقى جريمة

من جهة أخرى، ذهب العديد إلى اتهام طاقم السفينة بتهمة القتل العمد واعتبار أن ما ارتكبه هؤلاء جريمة لا تبرير لها، ولو كان ذلك يعني نجاة البقية مقابل موت شخص واحد.
حيث يعتبر الرافضون لفعلة طاقم السفينة أنه لا يجوز التضحية بشخص لإنقاذ غيره، فعلى الجميع تحمل المسؤولية معًا. فهو كإنسان، كذات بشرية له الحق في الحياة كبقية أفراد طاقم السفينة، لا شيء ينقص أو يضعف أو يسلبه هذا الحق خصوصًا وإن لم يرتكب جرمًا ولم يخطئ في شيء وأنه يعاني محنة الجوع والعطش والإرهاق على قارب النجاة مثل البقية، وقد يفسر بعض الماركسيين الماديين قتل الشاب باركر والتضحية به كصورة من صور الصراع الطبقي، حيث أن الدافع الأساسي لقتله كان لكونه الأضعف والأقل منزلة اجتماعية بينهم باعتباره مجرد عامل بسيط في السفينة، وهنا الصراع الطبقي يؤسس ويفسر الفعل الأخلاقي مهما كان شنيعًا بالمفهوم العام، حيث لم تكن هناك مساواة ولا عدل بينهم وذنب الشاب فقط أنه كان من منزلة اجتماعية متدنية، وأنهم في لحظة ما يعتبرون أن حياتهم أهم من حياته، و أنه يجب أن يموت لكي يعيشوا.

بغض النظر عن تفسير بعض الماركسيين، يبدو أن كل الرافضين لفعلة طاقم السفينة يحاججون من خلال إيمانهم بالمبادئ الأخلاقية المطلقة التي تعتبر أن الخير والشر ثابتان لا يشوبهما تغيير في أي زمان ومكان، فالقتل جريمة في أي وقت وعصر وفوق أي أرض، القتل حسب هؤلاء جريمة لا يمكن أبدًا تبريرها مهما كان الدافع قويًا أو ناجمًا عن سيطرة العواطف أو المصلحة الشخصية.. إلخ، فالعقاب واجب في كل الحالات وإن تفاوتت درجة العقوبة فهذا لا ينفي وجودها، فهي ضرورية في أي صورة من صور ارتكاب جريمة القتل، وهذا ينطبق على بقية الجرائم والأفعال الشريرة.
وهذا يتعارض بطريقة أساسية مع القول بأن “الغاية تبرر الوسيلة” لماكيافيلي، فينتفي من خلالها أي إيمان بالمبادئ الأخلاقية المطلقة.

خاتمة

في الأخير يبدو كلًا من الموقفين قويًا جدًا، سواء من المدافعين عن فعلة طاقم السفينة أو الرافضين لها.

و يمكن أن نطرح مجموعة من الأسئلة التي قد تساعدنا على فهم هذه الوضعية والحكم عليها:

  • هل “موافقة” باركر على التضحية تعفي طاقم الجريمة من أي تهمة وجريمة جراء ما ارتكبوه؟
  • ماذا لو كان “باركر” هو صاحب الفكرة وطلب التضحية به في سبيل نجاة بقية رفاقه، هل في هذا تبرير وتبرئة للبقية؟
  • هل يمكن المحاججة بكون طاقم السفينة لم يكونوا في حالة عقلية مستقرة تسمح لهم بالتفكير السليم كتبرير لما فعلوه؟
  • ماذا لو لم ينجُ طاقم السفينة بعد التضيحة بباركر، هل يجعل هذا منهم مجرمين بلا شك أم أن نجاتهم تبرئهم؟
  • هل “القرعة” تبرر قتل أي أحد من أفراد الطاقم لنجاة البقية وتجعل الفعلة جائزة أخلاقيًا؟

ماذا عنك أيها القارئ؟ كيف تقيم فعلة طاقم السفنية في حق الشاب “باركر”؟ هل هي جريمة؟ هل هي فعلة مقبولة ومبررة أخلاقيًا؟ ماهو تفسيرك وتبريرك للموقف الذي ستتخذه؟

نرشح لك: تشريح الجريمة: قراءة في كتاب علم الأدلة الجنائية لڤال ماكدرميد

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: أحمد الكنزاري

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

تدقيق لغوي: سارة إبراهيم

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.