تأخذك إلى أعماق الفكر

“قراءة ماركسية لروايات الأديب الإنجليزي ” تشارلز ديكنز

الماركسية هي نظرية اجتماعية ظهرت في القرن التاسع عشر بإنجلترا على يد الألماني “كارل ماركس” بمعاونة صديقه “فريدريك إنجلز“. ترجع الماركسية كل النشاط الإنساني إلى أسباب اقتصادية أي أن العامل الاقتصادي هو الأساس والحافز لأي فعل يقوم به الفرد في المجتمع. وتقسّم الماركسية المجتمع الإنساني إلى طبقتين هما: طبقة البرجوازية وطبقة البروليتاريا. ويرى “ماركس” أن طبقة البرجوازية تتمثل في أصحاب رأس المال فهم المسيطرون على أموال المجتمع، أما طبقة البروليتاريا فهم العمال الكادحون الذين يعملون في المصانع من أجل رخاء ورفاهية أصحابها الرأسماليين أو البرجوازيين.

وهذا من أحد نتائج الثورة الصناعية الذي اندلعت في أواخر القرن الثامن عشر بأوروبا، وهي أهم حدث في التاريخ الإنساني بعد الثورة الزراعية، ولكنها أدت إلى التحول من العمل اليدوي-ما يقوم به العامل- إلى الماكينة؛ مما جعل الرأسماليين يقللون من أجور العمال من أجل سيطرة أكبر على الأموال

ومن الجدير بالذكر أن الأديب الإنجليزي ” تشارلز ديكنز” عاش في القرن التاسع عشر وكان معاصرًا لعالم الاقتصاد والفيلسوف “كارل ماركس”، حيث ولد “ديكنز” عام ١٨١٢ بينما ولد “ماركس” عام ١٨١٨. لذا يوجد تناغم فكري بينهما فكان لأحداث العصر أثر واضح في أعمال ديكنز ونظريات ماركس. وكان والد تشارلز ديكنز موظفًا ولكن تراكمت عليه الديون ولم يقدر على سدادها، فاضطر تشارلز أن يعمل في مصانع للأحذية وهو يبلغ من من العمر اثني عشر عامًا فقط. وذاق الفقر فكان يتجول في أحياء “لندن” الراقية ليرى كيف يعيش الأثرياء ويقارن حياتهم المترفة يحياته، وكان لا يجد مالًا ليشتري به طعامًا. كل هذه الأحداث التي مر بها أثناء طفولته ظهرت في كثير من شخصيات رواياته. وسنستعرض قراءة ماركسية لاثنين من أشهر الروايات لديكنز.

الماركسية في رواية “أوليفر تويست”

تعتبر هذه الرواية قصة حياة “تشارلز ديكنز” نفسه. فهي تعكس حال الفقراء في العصر الفيكتوري، والأطفال على وجه الخصوص، في شخصياتها والأماكن التي وقعت فيها الأحداث التي تتشابه كثيرًا مع الأحداث والأشخاص الذين عاصرهم ديكنز. يصف ديكنز الفقراء في إنجلترا بأنهم أقل من البشر فهم “ظلال”، فالحكومة ليست مهتمة بهم ولا الأغنياء وذوو النفوذ مهتمون بآلامهم، وشخصية “أوليفر” هي عبارة عن طفل مسكين يعيش في ملجأ ويعذب معنويًا وجسديًا ويعمل أعمالًا شاقة بالرغم من صغر سنه ويتورط مع عصابة لصوص يجعلونه يسرق معهم مما فيه انتهاك صريح للطفولة.

إعلان

وشخصية “فاجن” زعيم العصابة، فهو يعمل على استغلال الناس جميعًا -حتى الأطفال- لزيادة أمواله وفرض سيطرته ونفوذه، فتلك صورة من صور الصراع الاجتماعي المنتشر وقتئذ في إنجلترا. وهناك حدث مهم في الرواية يعكس كم كان الأطفال والفقراء يعانون في الملاجئ وما شابه هو عندما كان “أوليفر” جائعًا وأراد المزيد من الطعام وطلب بأدب من الشخص المسئول عنهم، لم يرفض هذا الشخص طلبه فحسب، بل ضرب “أوليفر” ضربًا شديدًا. لذا فهي ماركسية لأنها تشجع الفقراء، وإن كان بشكل ضمني، على الثورة ضد أي مستغل وظالم.

الماركسية في رواية “آمال عظمى”

أما عن شخصية “بيب” في هذه الرواية، فهو طفل فقير لكنه يعرف فتاة غنية تدعى “إستيلا” وبذلك يحاول “ديكنز” أن يظهر الصراع الطبقي بإنجلترا في عصره. فيرسم خطين متوازيين الأول هو الطبقة الغنية قاطنة المدينة متمثلة في “إستيلا” والآنسة “هافيشام” والثاني هو الطبقة الفقيرة قاطنة الريف متثملة في “بيب” والحداد “جو”. ويربط “ديكنز” الأخلاق الحسنة بالمستوى الاجتماعي المنخفض أي أن بيب الفقير وجو الحداد يتسمون بالأخلاق بينما الآنسة “هافيشام” و”إستيلا” متعجرفات ووقحات إلى حد ما. “بيب” مخلص في العمل مع “جو” والذي بمثابة أبيه، وهذا يعكس أفكار ديكنز تجاه الفرق بين الأغنياء المستهترين والفقراء الملتزمين.

ومن ناحية أخرى، إستيلا تمقت الفقراء والجهلة فهي تنتقد ملابس “بيب” وطريقة حديثه السوقية. ولكن عندما سافر بيب إلى لندن للتعليم وأصبح من النبلاء تغير سلوكه مع الفقراء مثل “جو” الحداد وأصبح متعجرفًا، فهو يشعر بالحرج تجاه جو لأنه حداد بسيط وليس بقارئ لذا يعتبر “جو” شخصية متحولة، لأنه أصبح مثل أفراد الطبقة البرجوازية المتغطرسة التي يكرهها “ماركس” و”ديكنز” على حد سواء.

من ثم علينا القول أن الكثير من أعمال تشارلز ديكنز تعتبر ماركسية أي أنها تتبع فكر كارل ماركس والذي يحارب فيه الصراعات الطبقية في المجتمع ويشجع على إزالة الفوارق بين هذه الطبقات، و تدين إنجلترا بالكثير لهذا الكاتب الإنجليزي العبقري حيث إنه مصلح اجتماعي لأن الكثير من أعماله الأدبية ساهمت في سن قوانين مهمة مثل قانون منع الأطفال دون الثانية عشر عامًا من العمل، وقانون يخص الحبس بسبب الديون وغيرها. فالكثير اعتبروا ديكنز هو المتحدث الرسمي للفقراء والطبقات المهمشة والمظلومين. ودشن تمثال لهذا الأديب العظيم في “يورتسماوث” ببريطانيا حيث مسقط رأسه تكريمًا له كإنسان قبل أن يكون أديبًا.

فريق الإعداد

إعداد: أبانوب وجدي

تدقيق لغوي: ندى حمدي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.
تعليقات
جاري التحميل...