تأخذك إلى أعماق الفكر

في الطرقة العتيقــة

قصة قصيرة

يوم جديد بدأ في العاصمة، يغلفه الصقيع والضباب. صباح بارد من صباحات فبراير، بدأت الحرارة تسري إليه من النشاط الصباحي المعتاد. نحن الآن في منطقة وسط البلد حيث سريان سيارات الملاكي والتاكسي والأتوبيسات. وثمة أيضًا حركة حثيثة للمارة من كهول وشباب وسيدات وآنسات. وتزداد كثافة المركبات والناس بمضي الوقت والاقتراب من مواعيد العمل والدراسة، وتزداد معها حرارة الجو المنفلت من أدبار الشتاء والمتطلع إلى مقدمة الصيف؛ جاعلاً الناس يضيقون بمعاطفهم إذ خدعتهم بقايا البرودة الليلية. مبنى المؤسسة العريقة يطل بجلاله على المشهد. ثاوٍ في مستقره منذ عقود كشاهد على توالي العصور وتداول الدول. حاملاً في خزائنه وأدراج مكاتبه من التاريخ ما يجعل الشهادة أشد قوة من شهادة مظهره الرمزي لما تحتويه من تفاصيل؛ لهذا السبب الذاته هي شهادة أكثر إيلاماً.. بدأ موظفوه على اختلاف درجاتهم يتوافدون إلى مكاتبهم. السيارات الفخمة أخذت تتقاطر أمام مدخله المهيب، ينزل منها قيادات المؤسسة بالمبنى ومن فروعه المختلفة في بذلاتهم الفخمة ووسط تابعيهم. الجمهور اليومي المعتاد بدأ يسري في شرايين المبنى ككل يوم ضاخًا النشاط في دهاليزه وأروقته، مادًا المكاتب بالطاقة الإجبارية التي تشغل ماكينته البيروقراطية. لكن كل هذا ليس بجديد على المبنى، حتى قدوم القيادات الفرعية لم يكن أمرًا قليل الحدوث، فثمة اجتماع دوري يأتي بهم. لكن الجديد كان في الطرقة المؤدية إلى قاعة اجتماعهم.

طرقة رطبة عالية السقف على الطراز القديم. طويلة جدًا وملتوية. فرشت بسجاد أحمر بللته أقدام التاريخ. في بدايتها تناثرت على الجانبين دواليب حديدية وشانون مكتظة بالملفات القديمة البارزة من فتحات الدواليب وأدراج الشانون. جدران بدت غير نظيفة وسقف نالت منه يد الزمن. ثمة بوفيهات في بداية الطرقة حتى وسطها تحتل المساحات الصغيرة الداخلة في الجدار والبارزة من الخارج، تبنعث منها رائحة القهوة المحترقة بسبب فورانها على المواقد. بخلاف الموظفين المتنقلين عبر الطرقة بين المكاتب المطلة عليها،  كان ثمة طائفة جديدة من البشر، شباب توافدوا من مختلف ربوع البلاد، من العاصمة والأقاليم، ومن الحضر والريف، صعيده ودلتاه. كل واحد منهم جاء مرتديًا أفضل بذلة عنده، إما أنه يحتفظ بها للمناسبات الهامة أو اشتراها خصيصًا لهذا اليوم الحاسم في مستقبله، يحدوه أمل النجاح في المقابلة الشخصية اليوم مع قيادات المؤسسة ومن ثمَّ القبول في العمل بجهازها الإداري الرفيع. في بداية الطرقة تراهم أفرادًا، هذا يرتكن إلى الجدار ممسكًا بأوراق متداولة لأهم الأسئلة التي تطرح في المقابلة، وآخر يتحدث في هاتفه المحمول، وهذان عائدان لإحضار شيء ما من الخارج أو لإمضاء الوقت في عند أحد البوفيهات أو في مكان ما بعدما علما أن دورهما بعيد. وكلما سرت في الطرقة قلّت الدواليب وتحسنت حال السقف والجدران وبدأ حذاؤك ينغرس في السجاد، وازداد كذلك عدد شباب الدفعة الجديدة. وبالوصول إلى نهاية الطرقة حيث قاعة الاجتماع تختفي الدواليب، وتتلاشى رائحة القهوة المحترقة، وتتبدى نظافة الجدران والسقف، وتتدلى الثريات ذوات اللون الأصفر. ويتركز زحام المتقدمين ما بين فرادى ومثنى وجماعات. علا ضجيج حديثهم، واختنق الجو بروائح عطورهم النفاذة وأدخنة سجائرهم. وما انفك الموظفون المسؤولون عن تنظيمهم يطالبونهم بالهدوء، ويدعون أصحاب الدور فيرتبونهم صفًا شارحين لهم البروتوكول المتبع في كيفية الدخول إلى القادة والانتظام في المقاعد والرد على الأسئلة، ثمَّ طريقة الانسحاب ومغادرة القاعة.

***

في وسط الطرقة حيث الهدوء والنظافة النسبيين كان اثنان من المتقدين متواجدين منذ السابعة رغم أنَّ الساعة المحددة للحضور كانت التاسعة. أحدهما بدين وقصير يرتدي جاكيت قطيفة بيج أسفله بلوفر أزرق، يغطي الكرافتة عدا عقدتها الفوشيا البارزة، وبنطالاً كحليًا، يستند إلى الجدار بظهره وبطن قدمه اليمنى فبرزت ركبته وكرشه. انكفأ برأسه الضخم وذقنه المدببة يراجع أسئلة المقابلة في مذكرة أمسكها بكلتا يديه. أما الآخر فبدت عليه الثقة، فانتصب بقامته الطويلة وجسده النحيل في بذلته الفضية بجوار صاحبه عاقدًا ساعديه، وأخذ يراقب بعينيه الخضراوين ما يدور في الطرقة. في حوالي العاشرة، مرّ عليهما شابان متوسطا القامة في بذلتين سوداوين ماركة “زارا” أظهرتا جسديهما الرياضيين، كانا عائدين من أمام قاعة الاجتماعات. كان أحدهما بوجه أسمر وقميص شفاف أظهر كشف عن سلسلة أسفله، والآخر بوجه مورد منمش وشعر بني مفلفل بالجل.

جذب الثاني الأول من ذراعه أن يتوقفا عند صاحبينا، فوقف الأول في وسط الطرقة مصعرًا خده مدخنًا سيجارة كان يضع مؤخرتها في جانب فمه، وتقدم الثاني وسأل بصوت أخن: “لو سمحتما، ما هذا الورق الذي يراجعه كل الناس هنا؟”. رفع البدين عينيه عن مذكرته وضحك: “هِئ هِئ هِئ” (مشددًا على كسر الهاء)، وانعكس ضوء الطرقة على وجهه السمين، وقال بصوت رفيع “تسأل الآن؟!”، بينما ابتسم رفيقه الطويل ابتسامة صغيرة وبرقت عيناه بالسخرية.

إعلان

التفت السائل إلى الأخير وسأله: “ماذا يعني؟”، فرد بصوت غليظ بعض الشيء: “هذه أسئلة مثل التي يسألونها في المجابلة، ألا تعرف؟”، رفع السائل حاجبيه دهشة وقال: “يا رجل؟! ومن أين أتيتم بها”، وأثناء رد الريفي الطويل “من الدفعات السابقة” تدخل صاحبه البدين قائلاً: “قابلتم أم لا؟”.

– لا.

– طيب خذ يا باشِه اجرا لك شوية.. هِئ هِئ هِئ.

فقال السائل: “وأنتما ماذا ستفعلان إذًا؟ أنا ممكن أصورها بالخارج وأعيدها إليكما”، فأجاب البدين: “لا تشغل نفسك بنا، نحن نحرث فيهما منذ أسبوع”، وأردف الطويل: “يا باشِه نحن هنا من السابعة صباحًا وشبعنا مراجعة”. فدهش السائل من جديد: “الساعة سابعة؟!”.

– إيوة. صلينا الفجر وطلعنا من البلد.

– ياه!!!

– ماذا نفعل؟! الطريج غير مضمون، والبلد هنا زحمة.

– آه.. ربنا معاكم.

– وأنت، من أين؟

– من المعادي.

لم يرد الطويل وإنما ابتسم ابتسامته الصغيرة وعادت عيناه تبرقان من جديد سخرية، وتدخل صاحبه البدين من جديد قائلاً لذي الوجه الوردي المنمش: “خذ يا عم ولا تضيع الوجت”. حاول الأسمر المدخن أن يثني صاحبه عن أخذ الأوراق، فنكزه في ذراعه قائلاً بصوت دسم أكسبه التدخين غلظة لا تناسب السن: “يا عم كبر دماغك وهيا بنا”، فأجابه صاحبه: “نلقي نظرة فقط، لن نخسر شيئًا”. ضحك الريفي البدين غامزًا بعينيه بلؤم للأسمر قائلاً: “شكلك واثج من نفسك يا باشِه.. هِئ هِئ هِئ”. فابتسم الأخير بتقزز ولم يرد.

***

وقف القاهريان في مواجهة الريفيين. طفق ذو الوجه المنمش يراجع الأسئلة وأجوبتها، بينما أشعل ذو الوجه الأسمر سيجارة جديدة أخرجها من علبته الدافيدوف السوداء ووضعها في جانب فمه، وأخذ ينفث دخانها بضيق مصعرًا خده أثناء سحب الدخان، ونظر إلى بذلتَيْ الريفيين نظرة فاحصة، والريفي الطويل يواجهه بنظرته الساخرة البراقة، ثم عاجله البدين قائلاً: “واثج واثج يعني. هِئ هِئ هِئ”. هنا رفع القاهري ذو الوجه المنمش وجهه عن الأورق وضحك من هذا التعليق: هَأ هَأ هَأ. (فاتحاً الهاء)، وعاد لمراجعة المذكرة. وأخرج الريفي البدين من جيبه علبة سجائره ماركة إل إم حمراء، وانتزع سيجارة ووضعها في وسط فمه واستطالت شفتاه وأخذ يشفط دخانها مادًا رأسه لحظتئذ.

استمر هذا المشهد نصف ساعة تقريبًا، القاهري الأسمر يدخن السيجارة من جانب فمه مصعّرًا خده، ويميل كل بضع دقائق على صاحبه ذي الوجه المنمش المستغرق في مراجعة الأوراق معلقًا على الريفيين بتعليقات مثل: “انظر إلى ملابسهما!! بذلة سيلفر، وجاكت بيج قطيفة على كرافتة فوشيا على بلوفر أزرق طالع للرقبة!! يذكرانني بفيلم صعيدي في الجامعة الأمريكية”، “يقولان جاءا الساعة السابعة، يا لهوي!! هل جاءا ليفتحا المبنى؟!”، “آه لو أتمكن من مشاهدة هذين الحمارين بالمقابلة. خصوصًا البغل أبو هِئ هِئ هذا”. وصاحبه ذو الوجه المنمش يضحك على كل تعليق “هَأ هَأ هَأ”.. وتكرر المشهد في الجهة المقابلة، الريفي البدين مشغول في شفط سيجارته مطيلاً شفتيه مادًا رأسه، وصاحبه الطويل يميل عليه من آن لآخر معلقًا: “ربنا وعدنا بزوج من اللطوخ ممن اعتادوا على بابي ومامي”.. “ولا على بالهما مواعيد ولا مذكرات! الواسطة يابا”.. “ألا يأتيان مرة عندنا الغيط خصوصًا الأخ الأسمراني المغتر بنفسه هذا أبو سلسلة مثل النسوان؟! نفسي أراه مرة يشارك في درس الغلة أو يطعم البهايم”، فيضحك البدين على تعليقاته: “هِئ هِئ هِئ”..

تمت

نرشح لك: الغُرفة…قصة قصيرة

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.