تأخذك إلى أعماق الفكر

الوقائع الغريبة لكائنات تتعلم بلا أدمغة

العفن الغروي وإعادة تعريف الذكاء.

  • إلى أين تقودك أفكارك حين تسمع أخاك في الغرفة المجاورة يصيح قائلًا: “فيزاروم بوليسي فالوم Physarum polycephalum؟ هل جُنَّ أخي، أو لربما يُلقي بتعويذةٍ سحريّةٍ أمام المِرآة لعلَّه ينجحُ في المرور عبرها إلى عوالم نارنيا، أو لعلّه -كما جرت العادة منذ فترة ليست بالقصيرة- يتخيّل نفسه هاري بوتر في حربه المقدسة ضد السحرة الأشرار.

مُخطئ أنت في حق أخيك، فهو لم يُجنّ ولا يحاول عبور المرآة، كل ما يفعله ببساطةٍ أنه يدخل الآن إلى موقع Science Alert؛ ليطالع مقالًا عن كائنٍ غريبٍ حيّر العلماء بقدرته الغريبة على التعلُّم دون أن يمتلك عقلًا، متحديًّا بذلك مفاهيمنا الرّاسخة عن الذكاء وارتباطه الحتمي بالمخ والجهاز العصبي.

فالبرغم من أن العلماء لا يتّفقون إلى يومنا هذا على تعريفٍ محددٍ لمفهوم الذكاء، بل ويراه بعضُهُم مفهومًا مراوغًا ومعقدًا للغاية، إلا أنه يمكِّننا جميعًا من أن نتفق على أنّ هناك شرطًا أساسيًّا لوصف كائنٍ ما بأنّه ذكي؛ ألا وهو وجود المخ، وحبذا لو كان متصلًا بجهازٍ عصبيّ.

هنا يطرح السؤال نفسه من فَوره: “ماذا عن الكائنات وحيدة الخليّة؟ هل يمكن أن تكون ذكيّة؟ ويبدو أننا وجدنا الإجابة عند “فيزاروم بوليسي فالوم”.

في المُجتمع العلميّ يُعرف “فيزاروم بوليسي فالوم” اختصارًا باسم “البلوب”The Blob“، أو “الوحل ذو الرؤوس المتعدِّدة”، وهو عبارةٌ عن عفن غروي يعيش في الغابات المُظلمة مستمتعًا بالرّطوبة والبُرودة، وهو بخلاف الفِطريات لا يبقى ساكنًا في موضعه، بل يتجوّل فوق النباتات المَيّتة والمُتحلِّلة بسرعةٍ كبيرةٍ مقارنة بحجمه، حيث يقطع مسافةً تصل إلى 4 سنتيمترات (1.5 بوصة) في الساعة، مُلتهمًا ما يصادفه من فطريات وبكتيريا، وموادٍ مُتحلِّلة. وعلى الرّغم من أنّ كل كائنٍ منها يتكوّن من خليةٍ واحدة، فإنّها تنمو معًا؛ لتشكيل بركةٍ صفراء من الوحل.

main article image

إعلان

و”فيزاروم بوليسي فالوم” كائنٌ عاشقٌ للظلام، ذو حساسيّة مُفرطةٍ للضوء، وربما كان هذا سببًا في أن يُطلِق عليه أعضاء المجتمع العلمي اسم “البلوب” The Blob”، نسبةً إلى فيلم رعب أمريكي  شهير من إنتاج سنة 1958.

وكما بدا ذلك الكائنٌ الفضائيّ في فيلم The Blob عصيًّا على الموت، باستطاعة العفن الغرويّ مجابهة الظروف القاسية من حرائقَ مُتأججةٍ وثلوجٍ مُنهمرة. وحتّى لو مزّقته إربًا، لا يلبثُ أنْ يعيد ترتيب أشلائه ليعيش من جديد.

ويبدو أن عجائب “فيزاروم بوليسي فالوم” لا تنقضي، ففي شهر أبريل من عام 2016، كان هذا الكائن الغريب على موعد مع التاريخ، حين كشفت مجموعةٌ من العلماء الفرنسيين من جامعة تولوز النقابَ عن كشفٍ مثير، جاء في أعقاب دراسةٍ أثارت في حينها ضجةً كبيرةً بين المُتخصصين في علم الأعصاب، وذلك حينما أعلنوا عن عثورهم على أدلّة تثبت أنّ “فيزاروم بوليسي فالوم”، قادرٌ على تعلُّم كيفية تجنُّب المحفزات غير السّارة خلال التجارب المكررة.

 ذلك الكائن وحيدُ الخلية، قادرٌ على أن يتعلّم بنفس الطريقة التي تتعلّم بها المخلوقات الأكثر تعقيدًا، هو مثلنا تمامًا يتعلّم من تجاربه.

وتتوالى المُفاجآت

وقبل أنْ ينتهي العام، وبحلول شهر ديسمبر من نفس العام، عاد الفريق الفرنسي إلى الأضواء وفي جعبته  المزيد من المفاجآت. فقد أصبح  Romain P. Boisseau ورفاقه على ثقةٍ من أن الوحل “المتعلِّم” لا يحتفظ بخبرته التي اكتسبها من تجاربه فحسب، بل هو قادر أيضًا على نقل هذه المعرفة إلى كتلِ الخلايا التي لم تتعرّض لمثل تلك التجارب حينما تندمجُ تلك الكتل الخلوية معًا.

Romain BOISSEAU | Master of Science | University of Montana ...
العالم  Romain P. Boisseau

بدايةُ القصة، احذر هناك قهوة على الجسر:

يعدُّ الشوفان من الوجبات المفضّلة لدى “فيزاروم بوليسي فالوم”، أما بالنسبة للمشروبات فإن الطعم القابضَ للكافيين يزعجه، إذن هو كائنٌ لا يعشق القهوة.

من هنا استغلَّ الباحثون في تجاربهم نقاطَ ضعف “فيزاروم بوليسي فالوم”، فيما يتعلّق بعاداته الغذائيّة،  فقاموا بوضعه في  طبق بيتري يتصل عبر جسرٍ صغيرٍ بطبقٍ آخر مليء بالشوفان اللذيذ. إذن هي خطوات بسيطة يقطعها “فيزاروم بوليسي فالوم” ليستمتع بوجبته، لكن الأمور لا تسير أبدًا حسب ما نريد ونشتهي، فقد لوّث الباحثون الجسر ببقعٍ من الكافيين المُركّزة ذات الطعم القابض، فماذا أنت فاعل يا “فيزاروم بوليسي فالوم”؟

في البداية، انزعج الوحل من وجود بقع الكافيين على الجسر، وحاول تجنُّبها، وهو ما كان متوقعًا؛ لأن جميع الكائنات الحية تميل دومًا إلى تجنُّب مصادر الإزعاج، وبالطبع استغرق الأمر من الوحل عدة محاولاتٍ لعبور الجسر عبر مساراتٍ ضيقةٍ جدًا تركها الباحثون عمدًا حول بقع الكافيين، وبدا الأمر كما لو أنّ “فيزاروم بوليسي فالوم” يتحسّس طريقه عبر حقلٍ للألغام.

المثير في الأمر هو أنّه بمرور الأيام، ومع إعادة “فيزاروم بوليسي فالوم” إلى الطبق الأول، دفعه الجوع إلى عبور الجسر مرة أخرى، لكن هذه المرة فوجئ العلماء بالكائنِ العجيب وقد صقل مهارته في التنقل خلال المسارات “الآمنة” على الجسر. لقد تعلّم من جولاته السّابقة! الحقيقة الآن بيّنةٌ كالشمس في وضح النهار “فيزاروم بوليسي فالوم” يتمتّع بشكلٍ من أشكال الذكاء الأساسي.

فيزاروم بوليسي فالوم

وجد الفريق أنّه عند دمج عيّنة متعلّمة واحدة من “البلوب” مع ثلاث ساذجات، فإنها تسير معًا عبر الجسر كما لو كان يعرف بالضبط أين كانت العقبات، نعم، استغرق الأمرُ قليلًا من الوقت، لكن في النهاية وجدت المعرفة طريقها إلى الأجزاء الساذجة من الكائن الحي.

ما شهدته التجاربُ التي أجريت على “فيزاروم بوليسي فالوم” وهو  كائنٌ حيّ سبق البشر على الأرض بنحو 500 مليون سنة، تشير إلى أن مفهوم” التعلُّم ” في الكائنات الحية كان موجودًا قبل ظهور الأجهزة العصبيّة المتخصّصة.

يبقى السؤال، إذن، ما الذي حدث بالفعل؟

كيف يحدث كل ذلك مع عدم  وجود دماغ لدى العفن الغرويّ؟

وطالما لا توجد إجابةٌ مقنعةٌ حتى الآن، يمكننا أنْ نكتفي بقول “مايكل ليفين”، من جامعة تافتس، الذي  لم يشارك في البحث. من وجهة نظره ربما لا يكون الأمر بتلك الغرابة، فبحسب اعتقاد “ليفين” نَقْلُ المعرفة في هذه الكائنات يتم بصورة بيوفيزيائية، دون الحاجة لوجود خلايا عصبيّة متخصّصة، أو تشابكاتٍ عصبيّة تعمل على حفظ المعلومات بطريقة بيوكيميائيّة كما في الكائنات الرّاقية.

هل نحن بحاجةٍ لإعادة تعريف الذكاء؟

أيُّهما سبق الآخر إلى الظهور على سطح الأرض، مفهوم الذكاء أم المخ نفسه؟ سؤالٌ يفرض نفسه على علماء النشأة والتطور، وبالرغم من أن شكل الذكاء الذي يظهره الوحل يختلف اختلافًا كبيرًا عن الطريقة التي نفكر نحن بها عادةً؛ على سبيل المثال، فإننا نملك الوعي، وتمنحنا عقولنا القدرة على حلّ المشكلات، والتنبؤ بالمستقبل.

تقول “تانيا لاتي” الباحثة في جامعة سيدني، والتي لم تشارك في الدراسة: “أعتقد أننا بدأنا ندرك أن وجود العقل ليس شرطًا مسبقًا للسلوك المعقّد والمثير للاهتمام“. أمّا في المستقبل، فقد تساعدنا بحوثٌ من قَبيل ما تمّ على “فيزاروم بوليسي فالوم” نحو فهمٍ أعمق لكيفية تشكيل الذكاء، من خلال إلقاء المزيد من الضوء على آليات التعلم لدى كائنات مثل الفيروسات والبكتيريا، وهي عوالم وإن بدت بسيطةً جدًا على السطح، ولكنها في الواقع تملك تأثيرًا لا يمكن إنكاره على الوجود البشري.

نرشح لك: كيف يمكن للبكتيريا أن تغيّر من مزاجك!

المصادر
https://www.sciencealert.com/single-celled-brainless-slime-can-learn-without-a-nervous-system-study-finds
https://phys.org/news/2016-04-intelligent-brainless-slime.html

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.