تأخذك إلى أعماق الفكر

فنّ النقطة: من السيميولوجيا إلى الإثيقيا وقلق الزوال

“جُملك طويلة، تقطع الأنفاس… يجب أن تتعلّم فنّ وضع النقطة”، هكذا أنهت معلّمة اللّغة العربيّة، توزيع “وظيفة التعبير الكتابيّ”، ثمّ قذفت بورقتي جانبًا.

قد تبدو هذه الملاحظة سريعةً، تمرّ مرور الكرام، إلا أنّها ظلّت تصول وتجول في ذهني ولم أفقه معناها الحقيقيّ إلى أن نضجت ودخلت في متاهات الحياة وطرقها الوعرة.

إنّها أكثر من علامة ترقيم…سيميولوجيا “النقطة”

علامات الترقيم، جزءٌ من التشكيل البصريّ للنصّ، وهي رموز وعلامات وإشارات، تُستعمل للفصل بين أجزاء الكلام، بهدف تنظيم النصّ وتيسير قراءته وفهمه. وقد وُضعت علامات الترقيم، بهدف أوّليّ ألا وهو ضبط نبرة الصوت في أثناء القراءة، لهذا تُعتبر إشارات محوّلة (Converter signs)، تحوّل الضوابط الصوتيّة في عمليّة القراءة (الوقف، التنغيم، التنبير، الحصر، الإيقاع، سرعة الدفق، الوصل والفصل…)، إلى أشكال بصريّة هندسيّة تقوم بهذه الوظائف المذكورة آنفًا.

“النّص هو مدينة”، تخيّل أنّك تسير في مدينة تفتقر إلى إشارات مرور تنظّم السير، أو إلى لوحات تحدّد أسماء الشوارع المتقاطعة ومسارات الطرق والأنفاق والجسور… فإنك سوف تضيع في جغرافية هذه المدينة، وسيكون سيرك عسيرًا أمام اكتظاظ السيّارات وازدحام المرور وعدم انضباط الحركة.

في فضاء النصّ، تمثّل السيّارات المورفيمات وما تحمله من سمات صوتيّة ومعجميّة ودلاليّة، وهي في حركة دائمة مع السياق. فلولا وجود علامات الترقيم، لكان النصّ أشبه بخريطة من دون مفاتيح، تربك القارئ وتعيق عمليّة الفهم.

إعلان

وبعيدًا عن وظيفتها الشكليّة المعروفة، تخضع علامات الترقيم لمبدأ الانزياح (Écart)، فتنحرف عن دلالاتها الاصطلاحيّة، بحيث تسهم في حركة إنتاج الدلالات النصيّة وغير النصيّة. فما نصيب “النقطة” من هذا الكلام؟

النقطة – وتسمّى الوقفة – تُستعمل لإنهاء جملةٍ متكاملة من حيثُ قواعد اللّغة، ليس هذا فحسب، بل هي كفيلة بأن ندرك أنّ المعنى قد تمّ، وأنّ جملةً أخرى سوف تلي. وكما أنّ “اللّغة هي كائن اجتماعي”، فإنّ النص هو “إنسان”؛ أعضاؤه هي الأصوات والكلمات والجمل التي تتغذّى على أقرانها لتشكّل هيكل النصّ. وهذه العمليّة تتعطّل من دون وضع النّقط؛ فالجملة التي تتوّلد تحتاج إلى التقاط المعنى الأخير الذي توقّفت عنده الجملة السابقة. وهكذا تصبح النقطة نهايةَ جملة وبداية لجملة أخرى.

إنّ استعمالها يشبه إلى حدٍّ ما الحركة التنفسيّة المتمثّلة بالشهيق والزفير. ولا يقتصر استعمال النقطة على بيان موضع الوقوف أو السكوت التي ينبغي للقارئ مراعاتها في أثناء القراءة، بل إنّ استعمالها بمهارة يجعلها تقوم بمفردها مقام كلمة أو تركيب. وقد تحمل – بالرّغم من صغر حجمها – مدلولات “ما بعد لسانيّة” (Metalinguistic)، يكتشفها القارئ الفطن.

في السيميولوجيا، تُدرس العلامات في ضوء الحياة الاجتماعية، انطلاقًا من مصطلحين أساسيَّين وضعهما العالم السويسري البنيوي، فرديناند دو سوسور، وهما الدال (signifier) والمدلول (signified). إنّ الدال هو الشكل المحسوس أو الأصوات، والمدلول هو المعنى المضمون أو الجوهر أي الصورة الذهنية.

وقد اعتبر البنيويون، أنّ العلاقة بين الدال والمدلول هي علاقة اعتباطيّة يستحيل الفصل بين طرفيها، فبمجرّد أن تسمع بكلمة شجرة سرعان ما تظهر في مخيّلتك صورة شجرة خضراء، وهي علاقة اعتباطيّة لأنّ الشجرة تُسمّى شجرةً في العربيّة في حين تُسمّى بأسماء مختلفة في لغات أخرى، وهكذا يحافظ المدلول على ثباته بينما يتعدّد الدال. وهذا هو سبب اختلاف اللّغات.

ولكنّ هذه النظرة، بدأت تتغيّر مع انبثاق الفلسفات ما بعد البنيوّية، وعلى رأسها “التفكيكيّة” ورائدها “جاك دريدا”. فمع استحداثه لمصطلحات الحركة والسيولة، تغيّرت النظرة إلى العلاقة بين الدال والمدلول. فالمدلول – حسب تصوّر دريدا – يتوّلد من اختلاف دال عن الآخر؛ إذًا العلاقة هي بين الدوال الواحد والآخر، وليس بين الدوال والمدلولات. ويعني هذا الكلام، أنّ مدلول كل إشارة يتحدّد من خلال غياب المدلولات الأخرى. وهكذا تسقط المدلولات في شبكة “الاختلاف” (différance) أو في لعبة الدوال “اللامتناهيّة”. فما علاقة ذلك بالنقطة؟

إنّ النقطة، هي دالٌّ، هيئة أو علامة بصريّة كميّة تحمل سمات دلاليّة، فهي وحدة دلاليّة وظيفيّة (sememe)، تتفاعل مع الوحدات التركيبيّة (syntagmes)، الظاهرة منها والخفيّة؛ فهي خاضعة إذًا للاختلاف الدريدي أو لشيء من نظريّة المجاورة. وتشكّل النقطة جزءًا من بنية النص وأحيانًا تعبر فضاءه إلى فضاء نصيّ آخر فتشير إلى المسكوت عنه من الكلام. ولم تُستحدث النقطة، لتخدم التشكيل البصريّ وكأنّها زخرفة جماليّة للنصّ، بل هي عمليّة قصديّة واعية لقيمة هذه العلامة السيميائية المنسجمة مع وحدات النصّ. لذا وجب التعامل معها على أنّها وحدة دلاليّة لغويّة، تُسهم في خلق ترابط منسجم بين اللّغة والصوت والدلالة.

على المستوى التداولي، تغدو “النقطة” علامةً فارقةً (Paradoxal) من علامات الترقيم، التي لا تحمل معنًى ثابتًا ومستقرًا، فهي في كلّ مقام دال متعدّد المدلولات، تثور على وظيفتها المعتادة، على جمادها غير المبرّر، إنهّا تتشرّب أبنية النص اللّغويّة وما تحمل من مدلولات أكثر من أيّ علامة أخرى من علامات الترقيم؛ وهي “ليست مجرّد محطّة تنفسيّة بالمعنى البيولوجي للتنفس، وإنما هي وقفات معنويّة وجدانيّة نفسيّة”. ففي لحظة قد تعني التوقّف، وفي لحظة أخرى غضب ويأس وألم وتأفّف وتبرّم من واقع الحياة أو رغبة مكبوتة. وإن تعدّدت، أي إن استعملت كعلامة حذف (…)، فقد تستدعي قصّةً أخرى وربّما كلامًا محظورًا أو فراغًا أو صمتًا مطبقًا أو حريّة مطلقة…

فقد يعجز المتكلّم عن الكلام لاضطراب الشعور مثلًا أو لقصور في التعبير، فيسعى لإخفائه أو إلى إسكات الكلام – من دون سبب واضح – بالنقطة أو بعلامة الحذف التي تُنبئ عن احتمالات لم تُكتب في الموضع نفسه أو لن تُكتب نهائيًّا. كما تفتح الباب على الـتأويل اللانهائيّ للخطاب المكتوب بخطاب آخر قد يكون معرفيًّا أو وجدانيًّا، صدقًا أو كذبًا.

وفي هذا المقام، أستعين بهذا المقطع من كتاب الدكتورة أمينة غصن “جاك دريدا في العقل والكتابة والختان“، حيث توضّح فيه فلسفة دريدا في نظرته إلى “الكتابة” و”الهامش”، والذي يسهم في فهمنا لأبعاد استخدام النقطة في المجال التأويلي، تقول: “فالكتابة التي تستدعي الهرمينوطيقا لتأويلها، تستدعي التجوّل في (الما بين)، أي التجوّل بين المكتوب وبين المسكوت عنه؛ أو بين الأصيل والهجين. غير أنّ التجوّل في (الما بين) لقراءته ينتهي أيضًا إلى نتائج ما بينية. فالذات القارئة لا تبدي نفسها كذات متعالية، بل هي تتنازل عن أيّ حق في الحديث باسم سلطة مطلقة، إذ تزيح سلطتها سلفًا، وبهذا تقصي عن المنكتب سلطته، لأنّ المعنى في المنكتب هو ممارسة وليس بؤرة، أو وحدة قائمة بذاتها، وهذا يعني أنّ المنكتب والمؤوّل، بإمكانهما أن يتقاطعا ولكن من دون أن ينصهرا، لأنّهما محكومان بالاختلاف. فالذات القارئة هي الذات المتسلّطة التي تُنتج الحقائق والأكاذيب، تعود بدورها لتتنازع المنكتب الذي ينوء بأثقال مجهولة، لا هي حقيقية، ولا هي كاذبة، وإنما هي كتابة الما بين الحقيقة والكذب.”

نستنتج من هذا الكلام، أنّ الكتابة لا تقف عند حدود الألفاظ التي يستعملها الكاتب ومعانيها العينيّة المقترنة بها، بل هي باب مشرّع لرياح الهرمينوطيقا التي تطلقها الذات القارئة، والتي لا يمكنها أن تقصي ماضيها وحاضرها ومستقبلها عن عمليّة النقد أو الـتأويل. من هنا تصبح الكتابة وتأويلها لعبةً خطيرةً، بدأت عندما أُطلق مصطلح “موت المؤلّف”، حيث تحرّرت الكتابة من سلطة صاحبها ودخل النصّ في عالم الأركيولوجيا. تحوّلت الذوات القارئة إلى آلاتٍ تحفر في طبقات النصّ إلى ما لا نهاية. فإلى أيّ عمق من أعماق الكتابة يمكن أن تأخذنا علامة الحذف (…) ؟ وإلى أيّ حدّ يمكن أن يكون تأويل هذه العلامة، صحيحًا أي أقرب إلى حقيقة الكتابة أو إلى وعي الكاتب ونيّته؟ يقول رولان بارت:” إن كل نصّ نسيج جديد لاقتباسات ماضية”، وتقول جوليا كريستيفا في تعريفها النصّ:” إنّه عبارة عن لوحة فسيفسائية…هو امتصاص وتحويل وإثبات ونفي لنصوص أخرى”.

وهنا نعود لقلق السؤال مجدّدًا:” إذا كان النصّ – أيّ نصٍّ- هو تحويل للتراكم المعرفي عبر آليات الدلالة ليصبح موضوع الذات المنتجة، فما هو حال نصٍّ أو ذاكرة أو وعي، غير مصرّح عنه مباشرةً إنّما بعلامة حذف ؟”. هنا نقف عاجزين عن الإجابة أمام قدرة الكتابة على احتواء الذاكرة والوعي البشريّين، لا بل تصبح الإجابة مستحيلةً أمام فوضويّة الـتأويل.

وحتى تتوضّح خصائص النقطة السيميولوجيّة لا بدّ أنّ نشير إلى التصوّر الثلاثي، الذي وضعه السيميائي الأمريكي “شارل سندرس بيرس” للعلامة السيميائيّة.

يبدأ التصوُّر “البيرسي” للعلامة من “رُؤيةٍ فينومينولوجيةٍ للإدراك ترى في كُلِّ الأفعال الصادرة عن الإنسان سيرورةً بالغة التركيب والتداخل”. ويُطلق بيرس على هذا التصوّر، “السميوز” (Semiosis)، أيْ النشاط الترميزي الديناميكي، الذي يقود إلى إنتاج الدلالة وتداولها. وفي ما يلي، سوف نوضّح هذا التصوّر من خلال سلسلة من المصطلحات التي وضعها بيرس.

يسمّي بيرس الماثول (Representation) : “شيءٌ ما ينوب لشخصٍ محّدد عن شيءٍ ما من وجهةٍ معيّنة وبصفةٍ معيّنة، فهي المُصوَّرة التي تخلق في عقل ذلك الشخص علامةً مُعادلةً أو رُبَّما علامةً أكثر تطوُّرًا، فهُو يبرز كأداةٍ أولى للتمثيل – خارج إطار الوجود الفعلي المحسوس – ليقوم بالإحالة إلى ما يُعادله رمزيًّا، من دون تقديم معرفةٍ أو شيءٍ مادِّيّ.” وبمعنى آخر، يُمكن القول إنَّه قريبٌ من مفهوم الدالّ – كما يظهر لدى ” سوسور”؛ فالنقطة -بشكلها المجرّد- أي خارج عالم الكتابة والكلام والرياضيّات وما إلى هنالك من مجالات تستعمل فيها هذه العلامة، لا تحيل إلى شيء محدّد أي هي علامة اعتباطيّة أمّا إذا استعملت في إطار زمكاني محدّد فإنّها تحيل إلى دلالة معيّنة انطلاقًا من قوانين المجال الذي استخدمت فيه ومن وجهة نظر الذات الكاتبة من جهة والذات القارئة من جهة أخرى.

ففي الرياضيات، تشير النقطة إلى علامة أخرى وهي (×) والتي تعني عمليّة الضرب (Multiplication Operation)، أمّا في البوذيّة فهي تعني بشكلها الدائري إلى التنوير والكمال والاتحاد بالأصل”. وانطلاقًا من مفهوم الإحالة يطرح بيرس مصطلح الموضوع.

الموضوع (object) يُعرِّفه “بيرس” بأنَّه :”المعرفة التي تفترضها العلامة لكي تأتي بمعلوماتٍ إضافيةٍ تخصُّ هذا الموضوع”، وهو – أوَّلًا – المعادل الرمزي المباشر الذي يُحيل إليه الماثول، ثُمَّ ما يضاف إليه من السياقات الزمكانيّة والحضاريّة والشخصانيّة والسيرورات المعرفية والهرمينوطيقيات المتنوعّة. وبناءً على هذه الكلام، ينقسم الموضوع إلى فرعين: “الموضوع المباشر والموضوع غير المباشر.”

الموضوع المباشر هو أحد الأجزاء المُكوِّنة للعلامة، الذي يُشكِّل المعرفة المباشرة المرتبطة بالعلامة والمعطى الأوَّلي البارز فيها؛ النقطة تشير إلى “التوقّف أو الانغلاق” على مستوى الإحالة الذهنية المباشرة.

الموضوع غير المباشر، هو حصيلةٌ لسيرورةٍ سيميائيةٍ سابقةٍ يُطلق عليها “بيرس” :”التجربة الضمنية (experience Collaterater) ويتَّسم هذا الموضوع بالديناميكيّة، فهُو مُتجدِّدٌ مُتكرِّرٌ ويتعلَّق بما يُضفى على العلامة من إيحاءاتٍ وإحالاتٍ معرفيّةٍ ناتجةٍ عن التجارب الضمنيّة التي تتَّسم بالتجدُّد والتغيُّر والاختلاف، تبعًا لما تحمله الذات المدركة أو الذوات تجاه الموضوع. هذه السيرورة الكيميائية هي التي تجعل النقطة تحمل دلالات متعدّدة بحسب مجال استخدامها.” ولعلّ بحثًا صغيرًا تحت عنوان “Point symbolism”، يكشف لك عن دلالات، لا حصر لها لهذه العلامة المميّزة، والتي باستغراب فريد تحمل مدلولين فلسفيّين متناقضين “النهاية” و “اللانهاية”.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: أنطونيوس نادر

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.