تأخذك إلى أعماق الفكر

علم النفس الديني بين تأييد الدين ومعارضته “قصة ملهمة وثرية”.

علم النفس الديني لماذا بعض الناس أكثر تدينًا من آخرين؟

كانت إحدى ذكرياتي الأولى من رحم الكنيسة. اعتدنا دائمًا أن نصل مبكرًا بما يكفي لترديد الصلوات. بيد أنني كنت وأخي وأمي متأخرين في صباح ذلك الأحد فاستعجلنا في صعود ذلك الدرج بغية بذل الجهد لفتح تلك الأبواب المعدنية الصلبة لتلك الكنيسة الكاثوليكية التقليدية ذات القرميد الأحمر. فما وجدنا غير أبوابها المغلقة. وقد كان يبدو أن دخولنا قد مُنع نظرًا لتأخرنا لذلك كنا مضطرين للبقاء بغرفة انتظار صغيرة باردة خالية إلا من إعلانات معلقة تروج لمشاريع محلية ومحطتين للماء المقدس. ولأننا كنا أربعًا فقط، فقد شعرت بالملل. بدأت الترتيلة. اختلست النظر خلال طريق الممر المغلق. بدأت ألسنة المصلين تلهج بأغنية:

“أنا هنا أيها الرب.
هل هذا أنا يا رب؟
سمعتك تنده في جوف الليل.
سأذهب مُلَبِّيًا يا رب
إذا أخذت بيدي”

ظننت أنها كلمات تبعث الحيوية في النفس. إلا  أنني لم ألحظ أي ضرب من العاطفة لدى أيٍ من المصلين. لم يواصل كثير من المصلين غناءهم طويلًا. إن حقيقة أنني لا زلت أذكر تلك الحادثة بوضوح تكشف شيئًا عن ميولي الدينية والروحية. كما ألحّت هذه  الحادثة علي بسؤال أصبح فيما بعد نقطة ارتكاز لكثير من حياتي المهنية وهو: “ما الذي يفسر تدين بعض الناس أكثر من آخرين؟”.

في غضون الخمس عشرة سنة الماضية، دَرَّست مساقًا للمرحلة الجامعية في علم النفس الديني والروحي. لم يألف معظم طلابي التنوع الديني والروحي المهم. لذا، طلبت من حوالي 10 أو 15 طالبًا مشاركة قصصهم خلال الفصل على طاولة حوار بين الأديان. أصبح من الواضح، خلال هذه الطروحات، كيف يختلف الناس في نظرتهم إلى الدين والروحانيات. وهذا ما يحدونا إلى دراسة السبب.

كانت إحدى أكثر الفرضيات شيوعًا بين المتحاورين والطلاب كذلك هي أن غير المتدينين أكثر ميلًا إلى معالجة المعلومات معالجة تحليلية أو منطقية بينما، يرتكز المتدينون أكثر على الحدس أو العاطفة. وقد تم تأسيس الدليل على فرضية هذا الأسلوب من المعالجة. ففي دراسة أجريت عام 2011، كان من المدهش أن نجد المشاركين المكلفين بالكتابة عن فترة اتبعوا فيها حدسهم أكثر ميلًا إلى الإيمان بالله فيما بعد من أولئك الذين تم تكليفهم بالكتابة عن فترة استعملوا فيها عقولهم في وضع ما. وفي الميدان ذاته، كشفت دراسة أجريت عام 2012 أن أولئك المخولين بعرض عمل فني يعكس التفكير التحليلي مثل منحوتة المفكر The Thinker للفرنسي رودين (Rodin كانوا أقل ميلًا إلى الإيمان بإله من أولئك المخولين بعرض عمل فني ذو خصائص سطحية متشابهة مثل منحوتة Discobolus للنحات الأثيني ميرون Myron.

إعلان

بيد أن بحثًا أجري مؤخرًا وأحدث ضجة كبيرة في الأوساط الصحفية يرسم صورة مغايرة، إذ اقتفى علماء من جامعتي كوفنتري وأوكسفورد أثر حجاج في Camino de Santiago الذي تبلغ مساحته 500 ميل في إسبانيا الشمالية لسؤالهم عن قوة قناعاتهم الدينية والروحية وعن مدة مكوثهم في الحج. ثم عرض الباحثون على هؤلاء الحجاج مهمة اختيار الاحتمالات حيث يمكنهم الاختيار بين الاستجابة المنطقية أو الشعور الغريزي. لم تتنبأ أي من قوة القناعة أو فترة الحج باستجابة منطقية أو غريزية للمهمة.

ففي دراسة متابعة، تبين أن المنطقة المعنية بالتفكير التحليلي في الدماغ التي يعتقد أحيانًا أنها أكثر نشاطًا عند ذوي الشكوك الدينية قد استثيرت لدى المشاركين في البحث. وهذا ليس لديه أي تأثير عام على الإيمان بالله. ففي العلم، هذا ما يسمى فشلًا في التكرار. وبعبارة أخرى، لا تتسق النتائج باستخدام عينات وأساليب أخرى. يمكنني تخيل نقاش منتشر بين زملائي من المختصين بعلم النفس الديني بشأن كيفية تفسير كل هذا. فربما يقول البعض بتفضيل فرضية نمط المعالجة نظرًا لكون مطبوعات هذا النوع من البحث أكثر رسوخًا ورصانة باستثناء الأبحاث التي أجريت في الآونة الأخيرة من القاعدة العامة.

ويقول آخرون بتفضيل أحدث الأبحاث نظرًا لأفضلية أساليبها ولأن عيناتها تتضمن عددًا أكبر من الناس واستخدام تقنيات أكثر تقدمًا. شخصيًا، عندما أرى نتائج مختلطة كهذه فإنني أفترض أنه حتى لو كان لها تأثير فإنه يحتل حيزًا بسيطًا. وبعبارة أخرى، فحتى لو كان نمط المعالجة موجودًا بشكل ما فإن هذا لا يوضح سبب تدين بعض الناس أكثر من آخرين. لذا، ما هي التفسيرات الأفضل؟ لو كنت سأحدد نفسي بثلاثة متغيرات اعتمادًا على ما أعلم من جميع الأبحاث المنشورة في علم النفس الديني فستكون كالتالي:

سيكون الأول محدداتنا الوراثية، حيث تظهر الأبحاث التي تعضد هذا الأمر أن التوائم المتطابقة أكثر تشابهًا من حيث المعتقدات والممارسات الدينية بشكل يلفت الانتباه من التوائم الأخوية حتى لو تمت تربيتهم بعيدًا. في الحقيقة، فإن الإجماع العلمي يظهر أن من 30% إلى 50% من الفروقات الفردية في التدين هو نتيجة للعوامل الوراثية جاعلًا بذلك هذا العامل أكثر العوامل فعالية. هذا لا يعني أن التدين بطبيعته يتم توارثه، وإنما بعض السمات الشخصية التي تؤثر في التدين مثل الانفتاح والتواضع والميل إلى التساؤل والشك ربما يتم تحديدها وراثيًا بطرق تؤثر فينا بدرجة أكثر مما يمكننا أن نخمن.

أما الثاني فسيكون الحاجة إلى التحكم، فقد كلف العلماء في إحدى الدراسات أفرادًا بالكتابة عن حدث إيجابي وقع مؤخرًا، إما قد امتلكوا فيه القدرة على التحكم في الذات أو لا. وبشكل ملحوظ، ظهر أن الأفراد الذين كان لديهم استعداد للتفكير في التحكم في الذات هم أقل ميلًا إلى التفكير في إله مسيطر فيما بعد. لدي صديق ملحد يمازح قائلًا بأنه إذا عرف أنه حتمًا سيموت فإنه سيؤدي الصلاة من باب الاحتياط. ربما لا يفعل ذلك. لكن لماذا عندما يفقد أحدنا القدرة على التحكم في حياته نلجأ غالبًا إلى الدين. أما إذا كنا نملك قدرًا كبيرًا من التحكم في الذات فإننا لا نلجأ إليه.

وأما الثالث، فسيكون الجماعات التي ننتمي إليها، وأعني بذلك العائلة والمجتمع والثقافة الأشمل. ويؤيد بحث معتمد على استفتاءات Gallup الممثلة تمثيلًا وطنيًا هذه الفكرة. فمثلًا، عندما يكون السؤال: “هل الدين جزء مهم في الحياة اليومية؟ يجيب ما يربو عن 99% من المصريين نعم. قارن هذا بحال ما نسبته 66% من الأمريكيين وما نسبته 16% من السويديين. وبصفتي أمريكية، رغم ميلي إلى الاعتقاد بأنني اخترت أنشطتي الروحية ومعتقداتي الدينية، فالحقيقة هي أنني من المحتمل أن معتقداتي وتصرفاتي ستكون مختلفة تمامًا لو نشأت في مصر أو السويد. وبالتحديد، أتصور أن الاعتقادات الدينية لمن نعجب بهم هي التي لها التأثير الأكبر علينا. فلو اعتقدنا لسبب ما أن المتدينين أناس هادئون فإنه من المحتمل أن نؤمن ونتصرف مثلهم.

ولو اعتقدنا أن الملحدين هادئون فمن المحتمل أن نسلك ذلك الاتجاه. وهكذا تكتمل لدينا الوراثة والتحكم والمجموعات. وكأي سلوك درسه علماء النفس، فإن المعتقد الديني يتأثر بمزيج من الطبيعة والتنشئة. وما زال أمامنا الكثير مما لا نفهمه، إذ تولّد إحدى الإجابات المؤقتة خمس أسئلة إضافية، لفها الغموض وأظن أنه سيبقى يكتنفها. بعض الناس يميلون إلى التساؤل حول مدى تأثير البحث في علم نفس الأديان هذا على نظرتي إلى الدين والروحانيات.

هل هددت ميولي الروحية والدينية التي تشكلت عليها منذ الطفولة؟ بالتأكيد، لم تتنازع أيٌّ من مخرجات العلم التي أوردتها هنا مع معتقداتي الدينية وهي فكرة تعزز وجهة نظري العامة بأن العلم والإيمان لا يتنازعان. فإذا قمنا بتمحيص الأدلة بعمق فإن عقيدتي المسيحية تعلمني بأن الأفراد لديهم ميول ونعم فطرية مختلفة تحتاج مرساة تستقر فيها خلال الأوقات العصيبة وتتأثر بمجتمعاتهم. في الحقيقة، إذا كان هناك أي تأثير فهو أن العلم فتح لي طريقًا جديدًا لسبر أغوار الأمور العقدية. فإذا كان العلم والدين نافذتين لفهم الكون فإن حياتي ستكون مظلمة دون الاستعانة بضوئهما.

نرشح لك: القضاء على الدين.. في المهمّة المستحيلة للعلم

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.