تأخذك إلى أعماق الفكر

ظاهرة بادر ماينهوف

عندما تظهر الكلمة التي تعلمتها حديثاً في كل مكان

هل سبق لك أن تعلمت كلمةً جديدة لتراها في أخبار اليوم التالي أو في محادثةٍ جماعية بعد دقائق معدودة؟ هل سبق أن حادثت نفسك قائلاً: “إن هذا لشيء غريب، لقد سمعت عن هذا المفهوم منذ قليل”؟ إن كانت إجابتك نعم، فلا تقلق؛ إذ أنّك لست الوحيد الذي مر بهذه التجربة. إن التجربة التي مررت بها شائعة جداً، لدرجة أنّ لها اسمان: “وهم التكرار” و “ظاهرة بادر ماينهوف“. 

التعريف بِظاهرة بادر ماينهوف

في عام 2006، استحدث آرنولد زويكي -بروفيسور اللغويات في جامعة ستانفورد- مصطلح وهم التكرار؛ والذي عُنِيَ بوصف ماهية الشعور التي يداهم الفرد عندما يَظهَر مفهوم تعلمه حديثاً في كل مكان. حيث يرى زويكي أن هذا الشعور ناتج عن خداع دماغك لك وأنّه يتضمن مزيجاً ثُنائياً من العمليات السيكولوجيّة. 

إن العملية الأولى التي تؤدي إلى ظاهرة بادر ماينهوف هي التركيز الانتقائي؛ أي التركيزُ على بعض الجوانب وتجاهل جوانِب أُخرى. فعندما تتعلم كلمةً أو مصطلحاً أو فكرةً جديدةً، يشرع عقلك بالترقب ومراقبة محيطك بحثاً عن الحالات التي يظهر فيها ما تعلمته حديثاً؛ بينما يُعير قدراً أقل من الاهتمامِ للأفكار التي تُلِّم بها منذ زمن. أما العملية الثانية التي تعرَّف عليها زويكي فهي الانحياز التأكيدي. فدِماغك بطبيعة الحال يوحي لك في كل مرةٍ ترى فيها تلك الكلمة الجديدة أنها تظهر لك بوتيرة أكبر. فنظراً لأنك لم تلاحظ وجودها قبل تعلُمِها، يوحي لك دماغك أنها لم تُوجَد في محيطك قبل تعلمك إياها. 

ولكن من الضروري أن تدرِك أنّ ظاهرة بادر ماينهوف مجرد وهم؛ فالدِماغ البشري يعشق البحث عن أنماطٍ في بيئته المُحيطة. لذلك فعندما يلاحِظ دماغك الظهور المتكرر لمعلومة جديدة، يصاب بفورةِ حماسٍ ويستمر في البحث عن هذه المعلومة مجدداً. وبذلك نرى أن الكلمة التي تعلمتها حديثاً لم تُضافَ للغة حديثاً، بل استجابة دماغك لهذه الكلمة هي الأمر الجديد في هذا السيناريو. 

تظهر الكلمة في كل مكان 

منذ أكثر من عقدٍ لاكتشاف زويكي لوهم التكرار، وُجِد مصطلح “ظاهرة بادر ماينهوف” لِيصِف الأمر ذاته. ومِن المثير للدهشة أن من أطلق هذا اللقب على هذه الظاهرة هو قارئ صحف اسمه تيري مولن -الذي نُشِرت ورقته البحثية في صحيفة  St. Paul Pioneer Press في السادس عشر من شهر أكتوبر لعام 1994. حيث استخدم مولن الاسم الاسم المستعار “Gigetto on Lincoln” الذي اشتهر به في الصحف ليكتب في القسم المعنون بلوحة الإعلانات (Bulletin Board). ورغم أنّ منشورات هذا القسم ضاعت في خضم بدايات انتشار الإنترنت، إلا أنّ مجلة Pioneer Press صرحت عمّا كتبه مولين فيها:

إعلان

يتمثل مبدأ هذه الظاهرة كالتالي؛ عندما تتعلم كلمةً أو مصطلحاً أو فكرةً جديدة، ستراها مطبوعة في مكانٍ ما خلال 24 ساعة من قرائتك إياها. وهذا ينطبق على الكلمات ذات المعنى غير الملموس  لا على الموضوعات النقاشية. وكما قد تتوقع، أطلقتُ على هذه الظاهرة مصطلح “ظاهرة بادر ماينهوف” إثر المرة التي كنت اتحدث فيها مع صديقي عن عصابة بادر ماينهوف -وذلك بعد سنوات عديدة من شهرتهم في الصحف. وفي اليوم التالي، اتصل بي صديقي ليُطلِعني على مقال نُشِر في صحيفة اليوم وذُكِر فيه عصابة بادر ماينهوف. يا للمُفاجأة!

وفي عام 2006، تواصل مولن مع آلن بيلوز المسؤول عن موقع Damn Interesting ليُزيل الالتباس الحائم حول المصطلح. حيث بدا مولين متفاجِئاً بالطريقة التي اشتهرت فيها هذه الظاهرة بعد أكثر من عقدٍ لابتكاره مصطلح “ظاهرة بادر ماينهوف” في الصحيفة المحلية لمدينته. فكتب قائلاً: “على أيّة حال، لم أكن أحاول اختراق المعجم وزيادة كلماته؛ فقد كنت أحاول تسلية أصدقائي… ومن ثم أعلمت أفراد المجتمع بوجود ظاهرة بادر ماينهوف من خلال سلسلة من الرسائل التي نُشرت في قسم لوحة الإعلانات من صحيفة St. Paul Pioneer Press. وقد نشرتها تحت الاسم المستعار “Gigetto on Lincoln“؛ والذي يشير إلى كلبي من فصيلة wheaten terrier الذي اسميته اينشتاين وأطلقت عليه لقب Gigetto”. (ملاحظة المترجمة: يمكنك الاطلاع على المقال في موقع Damn Interesting من خلال الضغط هنا). 

ويبدو أن علينا توجيه الامتنان لفهمِنا لظاهرة بادر ماينهوف إلى مولن وكلبه اينشتاين الملقب ب Gigetto وزويكي وعصابة ألمانية موجودة في المدن. فأنت الآن تعرف السبب العجيب وراء هذه الظاهرة بفضلهم. لذلك لا تتفاجئ إن لاحظت ذِكرَ ظاهرة بادر ماينهوف في كل مكان في الأيام القليلة القادمة؛ إن هذا مجرد تذكيرٍ غريبٍ لسهولة اختلال مفهومنا البشريّ. 

إعلان

مصدر المصدر
فريق الإعداد

إعداد: راما ياسين المقوسي

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.