تأخذك إلى أعماق الفكر

الدين كضرورة وليس كحقيقة

الثورة على النفوذ الديني -المسيحي- بدأت من أوروبا منذ عصر النهضة على يد الشعراء والفنانين كثورة وعي، من روما في القرن الرابع عشر على يد دانتي حتى فرنسا في القرن الثامن عشر على يد كونت. فكانت ثورة الوعي في فرنسا بقيادة فولتير وروسو ومونتسكيو وغيرهم، وهي الفترة التي تم وضع فيها الأسس والمفاهيم المستخدمة في الفكر والسياسة حاليًا كمعيارِِ ونموذجِِ نميز به الصواب من الخطأ.

كانت الاتهامات حينها موجهةً لرجال الدين وليست لأحكام الدين، أساليب التطبيق وليست الأفكار، الجمود الديني وليس الدين. لأن الدين جزءٌ لا يتجزأ من الطبيعة البشرية، وتاريخ البشر كله لم يخلُ من التقديس وإن لم تكن هناك أديان صنعوا هم مقدسات أخرى في شكل صنم أو حيوان أو شخص أو فكر، فالبشر بفطرتهم كائناتٌ تسعى لتقديس شيء مطلق ومثالي، فهي متماهية ومؤمنة بطبعها.

⁃ الإنسانية كديانة جديدة:-

وبعد اضطرابات الثورة الفرنسية وانهيار المسيحية ونفوذ الكنيسة، ظهر عالم الاجتماع “أوجست كونت” ١٧٩٨-١٨٥٧ ليعترف في أواخر عمره بما ذكرته، ويضع ديانةً جديدة علمية كان السعي لها طوال التاريخ مستمرًا وهي “الديانة الإنسانية” وتؤمن بأن الإنسان كائن أخلاقي يسعي للسمو، وهذا السمو هو الإنسانية، ولكنه مفهوم نسبي ووليد الظروف التاريخية والاجتماعية والثقافية ولكن وجوده مطلق.

أزاح كونت مفهوم “الإله” ليحلّ محلّه مفهوم “الإنسانية” بنفس الصفات المطلقة والمثالية. وأزاح “الدين” ليضع مكانه “المجتمع” باعتبار أن المجتمع هو مقياس كل شيء وهو القانون العلمي الذي ستأخذه الديانة المجتمعية سبيلًا للوصول إلى الإنسانية. ووضع نفسه رسولًا للديانة أو كما يقول “كاهنها الأكبر” ووضع لها كهنةً آخرين من فلاسفة ومفكرين؛ لتسعى للمحبة والنظام والتقدم.

وانتشرت هذه الديانة في شتى أنحاء الأرض، يعتنقها الجاهل قبل العالم، والرضيع قبل الكهل، بنفس مفهوم “كونت” عنها الذي تم تصديره في الإعلام والكتب والمنظمات العالمية. فالفرد يترك ديانة عيسى أو محمد أو بوذا، ويعتنق ديانة كونت.

إعلان

ولأن الانسان يسعى للتقديس، والديانة جزء أصيل منه، والمجتمع يحتاج للدين لتوجيه السلوك نحو الخير الأسمى، ففصّل كونت الديانة الجديدة تفصيلًا دقيقًا على مجتمعات العصر الحديث، وهي المجتمعات الساخطة على السلطة الدينية ووهمت أنها بذلك ساخطة على الدين. فالدين فلسفة للعامة قبل أن يكون حقيقةً لمعتنقيه، وإنه يوجه السلوك حسب احتياجات المؤمنين به. وإن تخلّيت عن الدين ستعتنق فكرًا آخر وتصنع منه دينًا، ومفهوم الإنسانية قامت عليه كل الأفكار والفلسفات والأديان. ولكن كونت سمّى ديانته “الإنسانية” ولكن مفهومها أيضًا ليس إنسانيًا بالنسبة للبعض، فالأفضل أن تكون الديانة الكونتيّة التي تحتوي على مفاهيم إنسانية كباقي الأديان.

⁃ الدين بين الخير والشر:-

ليس الدين شر أو خير في ذاته، وإنما يتم تحديد طريقه حسب احتياجات ومتطلبات الجماعة وصدامها مع مصالح الآخرين.
فكان كونت يعتقد أن ديانته عالمية وفطرية كما تقول كل الأديان عن نفسها، ولكن حتى من أجل الإنسانية تبدأ الحروب وتشتعل الفتن وتنهار الدول، فالنزاع بين الخير والشر أو السلم والحرب جزء لا يتجزأ من البشر ليس للدين دخل فيه.

حتى وإن كان ظاهريًا سبب الحروب والصراعات فلو لم يكن موجودًا ستظل الصراعات موجودةً خلف مقدسات أخرى، لأنها قاعدة فطرية في الطبيعة عامة ومتأصلة في التاريخ البشري خاصةً وبارزة في السلوك الانساني منذ الطفولة وقبل معرفة الدين كمفهوم مبلور، فيقوم الطفل بحماية لعبته أو مشروبه أو مكانه أو حتى والديه حتى يكبر ويبدأ باستبدال هذه الأمور بالفكر والدين والوطن.

⁃ النهاية:-

المشكلة تكمن في أساليب تطبيق الدين، وليس الدين، ووجود الدين مطلق ولا أمل انت تستغني عنه البشرية. فالأديان موجودة طالما العقل البشري موجود، وإن انهارت الديانات التقليدية ستحل محلها أديان أخرى، وإن انتهت نزاعات الأديان التقليدية، ستحل محلها نزاعات أخرى، وبعد مئات السنين ستصاب هذه المقدسات بالجمود ويتم التمرد عليها مره أخرى، والديانة التي كانت محركةً للبشرية وموجهةً للسلوك ومقدسةً عند المليارات يمكن أن تنهار في سنة واحدة بسبب جمود رجل دين واحد.

- المصادر :-
قصة الفلسفة - ويل ديورانت
فلسفة الأخلاق - توفيق الحكيم
تاريخ الفلسفة الحديثة - يوسف كرم

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.