تأخذك إلى أعماق الفكر

صراع فلسفي :هل القلب مكمن الشعور والروح ، أم أنه مجرد مضخة ؟

يتميز التاريخ الإنساني بالتطور الفكري المذهل عبر آلاف السنين ، وقد كان هذا أمرا ضروريا جدا لإستمرار الجنس البشري ، كما كان نتاجا عن فضوله في فهم الطبيعة واللعب مع قوانينها الفيزيائية والكيميائية .
يمكننا اعتبار الضرورة والفضول سببان رئيسيان في هذا التطور ، كان هذان السببان دائما مُرَكزان في الجنس البشري نفسه من ناحية فهمه كذات ومن ناحية أخرى فهمه كجسم بيولوجي ، كما رافق الإنسان معتقداته الفردانية والإجتماعية والتي لها اعتبار مهم إضافة إلى أهميتها في بناء الحضارات .
ندد الفلاسفة في أزمنة بعيدة بأن القلب هو مصدر الشعور ، وآخرون قالو أنه هو مسكن الروح ، وهذا أمر واضح جدا في الديانات ، و أغلبها يحث على أن الإيمان والنقاء الروحي يخضعان لسيطرة القلب .

منافسة فكرية ومفاهيمية بين القلب والعقل:

كان الدماغ عند أبقراط مصدرا للذكاء والأحاسيس أيضا ، ومضى في نهجه أيضا أفلاطون بمفهوم جديد قليلا ، بتوضيحه أن الجزء العقلاني من الروح يقع بالدماغ .
لكن التلميذ النشط والمجد لأفلاطون ، أرسطو قال أن القلب هو مصدر الأحاسيس والمشاعر ، بل واعتبر أن الدماغ مجرد جزء يقوم بتبريد الدم ، سبق هؤلاء العلماء حضارة عريقة ، حضارة المصريين حيث اعتبرو السباقيين  للإعتقاد أن القلب هو من يفكر و يحلل .
في بداية القرن الحادي عشر وصف الطبيب ابن سينا الدماغ على أنه سلطان الخيال ، ويقوم بتخزين كل ما يسجل على الحواس أثناء عملها
بعد عدة قرون ، وتحديدا في عصر التنوير ، حدث تطور هائل في مجال دراسة الدماغ ، و توجهت الدراسات إلى هذا العضو الغريب .
حيث بدأ فهم وطائف هذا العضو تجريبيا بفضل الطبيب جون بيير فلورينس ، وقد حاول إثبات أن لكل جزء من الدماغ وظيفة معينة و خاصة.
نهاية القرن الثامن عشر شهدث ظهور اقتراح أو مقولة مميزة تقول أن كل الوظائف العقلية ناتجة عن نشاط الدماغ وليس القلب ، ( فرضية للعالم فرانز جوزيف غال) وكان دليله ودليل العديد ممن وافقوه دليلا عاينوه جيدا ، ألا وهو آثار السكتات الدماغية والإصابات الأخرى التي تمس هذا العضو مما ساقهم إلى تلك الفرضية ، وزيادة على ذلك فقد طرح هذا الطبيب تقسيما للدماغ يعد جد مهم ، حيث قسمه ل 27 منطقة وكل جهة مسؤولة عن وظيفة أو مجموعة من الوظائف ، مثل إدراك الألوان والأصوات ، الكلام واللغة ، والذاكرة ، والحركية ، ودفعه اجتهاده إلى الإعتقاد أيضا أن مشاعر الصداقة والحب ، والإقدام على الخير يديرها السلطان الذي يسمى الدماغ.
سلطان جسمنا حيث ينظم العديد من العمليات الفيسيولوجية  وسلامته مهمة جدا لاستمرار صحة الجسم ، فأي ضرر بسيط قد يفقد الإنسان العديد من الميزات ، كالذاكرة أو البصر …

لكن ما دور القلب ؟ وأين تتجلى تدخلاته ؟


سنفصل قليلا وظيفة مهمة للقلب ، حيث أن أهم المراجع والكتب العلمية تعتبر القلب مضخة دموية جد مهمة .
تشريح القلب يبين فرقا أو تقسيما واضحا بين الجهة اليسارية والجهة اليمينية ، تستقبل الجهة اليمينية الدم القادم من مختلف أعضاء الجسم ، ويكون الدم في هذه الحالة مليئا بثنائي أوكسيد الكاربون ، فتقوم بضخه وتوجيهه إلى الرئتين حيث تكون عمليات التبادلات الغازية ، ويفقد الدم ثنائي أوكسيد الكاربون نتيجة فرق الظغط ليحمل بعدها ثنائي الأوكسيجين .
يتوجه الدم الحامل للأوكسيجين إلى الجهة اليسرى من الدم ، ليتم ضخه إلى جميع أعضاء الجسم من كليتين و أمعاء ودماغ…
تتم هذه العمليات بشكل متفاوت جدا ، حيث تتسارع التبادلات عندما تكون دقات القلب متسارعة ، والعكس صحيح .

إذن لدينا أسئلة تنبع عن حيرة كبيرة ، أهذا كل شيء بالنسبة للقلب ؟ أهو مجرد مضخة ؟ ماذا عن ملايين أبيات الشعر التي تتحدث عن القلب ؟ والكثير الكثير من الأسئلة .

لقد مرت سنوات عديدة من الزمان ظل فيها العديد من الفيسيولوجيين والعلماء يظنون أن القلب مجرد عضو يحرك الدم ويوجهه ، هذا الفهم القاحل قضى على كثير من المعتقدات والأفكار التي كانت تتسم بجمالية كبيرة ، لكن كالمعتاد يعود العلم ليكشف عن صور جديدة ومفاهيم ثورية .
أصبح واضحا الآن أن القلب بترابطه الكبير مع الدماغ ، يقوم بإرسال معلومات عديدة له وكذا تنشيط أو تقليص عمليات جهات معينة منه وذلك حسب إحتياجاته العديدة.
اكتشف مؤخرا أن القلب يضم حوالي 40000 خلية عصبية ، و شبكة كبيرة من ناقلات عصبية لها امتداد مهم مع دماغنا ، يعد القلب العضو الذي يرسل إشارات دورية له وذلك حسب المعلومات العضوية التي استقبلها ، وهذا يجعلنا نستنتج أن هذا العضو الذي كان مشكوكا في عمله يمكن اعتباره غدة مفرزة للهرمونات أيضا ، مثلا الاوسيتوسين ( هرمون السعادة ).
بدأ العلم يفهم قليلا قليلا تأثيرات المجالات الإلكترومغناطيسية النابعة من القلب ، وتم التأكد أن هذه المجالات تؤثر كثيرا في أعضاء الجسم المختلفة إضافة إلى إمكانية التأثير في الآخرين .

المعطيات التالية قد تثقل كفة دور القلب :

عندما نريد دراسة شيء علمي ما ، نقوم بإحداث تغييرات عليه أو تغيير بيئته أو جعله يتفاعل مع شيء آخر إضافة إلى العديد من المبادىء التي تحكم التجربة لنستخلص بعدها النتيجة .
لكن في مجال الطب قد لا نعتبر عملية الزرع تجربة للوصول إلى استنتاج في المقام الأول ، بل الأولوية هي إنقاذ الشخص
وبالنسبة لمجال زراعة القلب ، أورد الدكتور بول بيرسال نتائج لأناس خضعو لهذه العملية سنذكر بعضها من أجل التوصل لأستنتاج :

إعلان

تعرض شاب محب للشعر والموسيقى والغناء لحادثة أدت إلى وفاته ، تم نقل قلبه إلى فتاة في نفس عمره تقريبا ، نجحت العملية وبعد مدة تم إعداد مقابلة بين الفتاة ووالدى الشاب ، بدأت الفتاة في عزف موسيقى كان يحبها ابنهم كما أكملت مقاطع كن يحبها الشاب ، رغم أنها لم تمر على أذنيها قبل ذلك اليوم.
من جهة أخرى تمت زراعة قلب إصطناعي لمريض كان في حالة تستلزم ذلك ، اعترف المريض بعد نجاح عمليته أن مشاعره تغيرت كثيرا ، بل يقول أنه لم يعد يشعر بأبناءه كما كان قبل عملية الزرع .
شفرة القلب للكاتب بول بيرسال يعرض الكثير من هاته التجارب التي صادفها أناس دعت الضرورة إلى المساس بقلوبهم .
ويمكننا الإظطلاع على العديد من التجارب كهذه على  اليوتيوب للتأكد من الأمر أكثر .
ختاما ، نحن كائنات عقلانية نرجح الأمور ونعمل بالمنطق ، فهذا الأساس الذي وجب علينا العمل به والمضي به دون أي تردد .
يمكنك الآن أن تأخذ استنتاجك الشخصي حول القلب ، أو أن تواصل البحث لترضي فضولك وتؤكد معتقداتك حول هذا العضو الذي حير الملايين.

التركيب الضوئي الصناعي .. إنتاج المادة العضوية بعيدا عن عالم النباتات

خيال علمي بطلته الخلايا الجذعية وآمال قد تغدو حقيقة في القريب

مغالطة العالم العادل The just world fallacy

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.