تأخذك إلى أعماق الفكر

سيدة الغسيل ـ اسحاق باشفيس سينجر

https://www.oceansbridge.com/shop/artists/w/wau-wes/weir-julian-alden/the-oldest-inhabitant

لم يكن لمنزلنا عهدٌ بأناسٍ غير يهوديين، فالمسيحي الوحيد الذي كان يسكن المبنى هو البواب، يأتي أيام الجمعة ليتسلم أجره (نقود يوم الجمعة). كان يقف عند الباب ممسكاً قبعته بيده لتعطيه أمي ست قطع نقدية. غير هذا البواب كانت تلك النساء المسيحيات اللاتي يأتين إلى منزلنا لأخذ الثياب وغسلها وحكايتي عن واحدة منهن.

كانت هذه السيدة صغيرة الحجم، كبيرة السن ومجعدة الوجه، حين بدأت بغسل ثيابنا كانت قد جاوزت السبعين من العمر، معظم اليهوديات اللواتي في مثل عمرها يشتكين من المرض فيما يعتلي أجسادهن المحطمة الضعف والوهن.

كل العجائز في حينا كن محدودبات الظهر، يمشين في الشارع وهن متكئات على عصي. إلا أن هذه السيدة  مع صغر حجمها ووهن عودها امتلكت قوةً وبأساً ورثتها عن أجدادها الفلاحين. كانت تعد أمي لها حزمة من الثياب المتراكمة منذ أسابيع فتحمل العجوز الحمولة الضخمة وتضعها على أكتافها المتقوسة لتسير بها على طريقٍ طويلة إلى المنزل.

تعيش السيدة في شارع كروشمالنا أيضاً ولكن في الطرف الآخربالقرب من منطقة وولا، لا بد أن السير إلى هناك يستغرق الساعة و نصف الساعة. تعيد السيدة الثياب بعد انقضاء أسبوعين، لم تكن أمي مغتبطة مع أي امرأةٍ أخرى، فكل قطعة من الكتان كانت تشع مثل قطعة فضة مصقولة وقد كويت ورتبت بانتظام، و لم تكن لتطلب ثمناً أعلى من الأخريات. بالنسبة لأمي كانت السيدة لقطة، ولأن المسافة طويلة بالنسبة للسيدة تعد أمي لها النقود مسبقاً.

إعلان

لم يكن غسل الثياب بالأمر الهين في تلك الأيام، فالسيدة العجوز لم تمتلك حنفية في بيتها، بل كان عليها أن تحضر الماء من المضخة، كما أن أقمشة الكتان كانت بحاجة إلى أن تُفرك بعناية في إناء الغسيل ثم تشطف بالصودا وتنقع ثم تغلى في وعاء ضخم لتقوم بنشرها بعد ذلك وكويها. أما تجفيف الملابس فكان مستحيلاً بمجرد نشرها لأنها ستكون هدفاً سائغاً للسرقة. بعد عصره كان الغسيل ينقل إلى السقيفة ليُنشر على حبل الغسيل.

في الشتاء تصبح الثياب هشة مثل الزجاج وقد تنكسر إذا لمسها أحدهم. كثيراً ما كان يحصل لغطٌ وضجة بين ربات المنازل والنساء اللاتي يغسلن الثياب فجميعهن يردن استخدام العلية لنشر الملابس. الله وحده يعلم كما كان على المرأة أن تتحمل من المشاق في كل مرة تغسل فيها ثيابنا. كان من الممكن أن تجلس عند باب الكنيسة لتستجدي أو أن تعيش في دار للعجزة والمعدمين، إلا أن ما بداخلها كان نعمة حظي بها الكثير من المسيحيين ألا وهي الكبرياء وحب العمل، لم تشأ هذه المرأة أن تكون عبئاً على أحد، بل فضلت أن تحمل عبئها بنفسها.

كانت أمي تتحدث البولندية قليلاً، لذلك دارت بينها وبين السيدة أحاديث حول أمورٍ عدة.  لشدة ولع السيدة بي فإنها كانت تشبهني بيسوع، وتردد ذلك دائماً، مما أثار امتعاض والدتي والتي كانت تهمس مع نفسها بالكاد محركة شفتيها: “فلتذهب كلماتك هذه سدى!”

كان للسيدة ولدٌ ثري. لا تسعفني الذاكرة لأتذكر نوع العمل الذي كان يزاوله، إلا أنه كان يستحي من كون والدته تغسل الثياب لذلك لم يكن يأتي لزيارتها على الإطلاق بل إنه لم يكن يساعدها حتى بفلسٍ واحد. كانت السيدة تحدثنا عن ذلك دون أن تضمر في داخلها أي حقد أو بغض اتجاهه. ذات يوم علمنا أن ابنها قد تزوج، لابد وأنه عثر على شريكة جيدة.

جرت مراسيم الزفاف في الكنيسة لكن العريس لم يقم بدعوة أمه للحفل مع ذلك فقد ذهبت إلى هناك ووقفت عند الدرج تترقب قدوم ابنها لتراه يقود عروسه الشابة إلى المذبح. قصة هذا الابن الجاحد خلفت أثراً عميقاً عند والدتي، وظلت تتحدث بها لأسابيع وشهور. بالنسبة لها كانت هذه إهانة ليس للسيدة العجوز فحسب بل للأمومة بأكملها، كانت أمي تقول: “هل تنفع كل التضحيات من أجل الأولاد؟ تستنفد الأم آخر نفس لها من أجلهم أما الابن فإنه لا يعرف حتى معنى الولاء؟” ولشدة تأثرها فقد كانت تلمح بين الحين والآخر إلى أنها لا تثق بأبنائها أنفسهم: “من يدري ما قد يفعلونه في يوم من الأيام؟” لكن ذلك لم يثنها عن تكريس حياتها من أجلنا.

كانت تحفظ الطعام اللذيذ جانباً من أجلنا وتختلق شتى الأعذار لتخبرنا عن سبب امتناعها عن تناوله، وكثيراً ما كانت تتلو على مسامعنا عبارات من السحر ورثتها عن أجيالٍ مضت من الأمهات والجدات المتفانيات. لو أن أحد الأطفال تذمر بسبب الألم كانت تقول، “ليتني أذهب فداءً لك ويكون عمرك أطول من عمري!” أو تقول “ليتني أكون تكفيراً عن أصغر أظفاركم!” وعندما نأكل كانت تقول، “صحة وعافية تغمر عظامكم!” أذكر أنها عند بداية كل شهر كانت تطعمنا نوعاً من الحلوى تمنع الديدان الطفيلية من التطفل على أمعائنا، وإن دخل شيء في عين أحدنا كانت تلعق العين بلسانها حتى تنظفها، وكان تطعمنا كذلك نوعاً من الحلوى الصلبة ضد السعال. وبين الحين والآخر تأخذنا حتى تتم مباركتنا من العيون الحاسدة. كل هذا العمل لم يثنها عن مطالعة بعض الكتب الفلسفية المهمة مثل كتاب “فرائض القلب” و “كتاب العهد” وغيرها.

وبالعودة إلى السيدة العجوز… ذلك الشتاء كان قارساً فقد اتشحت الشوارع بطقسٍ باردٍ جداً، وفي المنزل لم تنفع محاولاتنا في رفع حرارة المدفئة في درء الصقيع عن النوافذ حتى أن الدلات الجليدية تكونت عليها. ذكرت الصحف عن حالات أناسٍ ماتوا من البرد، كما أن الفحم أصبح من الأغراض العزيزة جداً. ولشدة قسوة الشتاء امتنع الأهالي عن إرسال أبنائهم إلى المدارس. وحتى المدارس البولندية أغلقت.

وفي يوم من تلك الأيام الباردة قدمت السيدة العجوز إلينا آملةً في الحصول على الثياب التي تكومت عندنا منذ أسابيع. حضرت أمي الشاي من أجلها لتدفئ نفسها وأعطتها بعض الخبز. جلست العجوز على كرسي المطبخ ترتعش من البرد وتحاول تدفئة يديها بكوب الشاي الساخن، كانت أصابعها بارزة لشدة تشوهها جراء العمل، أو بسبب التهاب المفاصل. أما أظفارها فقد بدت بيضاء على نحوٍ غريب. إن هاتين اليدين تحكيان عن صلابة البشر وقوة الإرادة في العمل لديهم، تلك الإرادة التي لا تقف عند حدود طاقة الإنسان بل تتعداها. أعدت أمي قائمة مطولة بالملابس، حتى أنها تضمنت الثياب الدينية التي يرتديها الرجال، تلك أيضاً قامت السيدة بغسلها.

الحزمة هذه المرة أكبر من المعتاد، وعندما وضعتها السيدة على ظهرها غطتها بالكامل، ولثقل الحمولة ترنحت السيدة قليلاً وأوشكت على الوقوع. إلا أن شيئاً ما بداخلها كان يعاندها ويمنعها من السقوط: كلا، لا يمكن أن تسقطي! قد يسمح الحمار لنفسه أن يقع تحت الحمولة التي على ظهره ولكن ليس الإنسان، سيد المخلوقات.

بدا ذلك مخيفاً أن نرى السيدة تتمايل مع تلك الحمولة الضخمة وتسير وسط الصقيع، حيث الثلج المتناثر يبدو جافاً كالملح والريح تعصف مثيرة في الهواء زوبعة من الغبار الأبيض تبدو لمن يراها مثل جنياتٍ ترقص وسط البرد. هل ستصل السيدة العجوز إلى بيتها يا ترى؟ واختفت السيدة عن أنظارنا وتنهدت أمي مطلقةً صلواتها من أجلها. اعتدنا أن نستلم ثيابنا بعد أسبوعين أو ثلاثة على الأكثر. لكن الأسابيع الثلاثة مضت ومضى معها الرابع والخامس ولم نمسع شيئاً عنها وبقينا دون ألبستنا الكتانية فيما يزداد البرد أكثر فأكثر، ويزداد معه سمك الجليد على كابلات الهواتف، أما أغصان الأشجار فقد أصبحت أشبه بالزجاج.  ولكثرة ما هطل من الثلج في الشوارع فإنها بدت غير مستوية وأصبح من الممكن أن تنزلق المزالج عبرها كما لو أنها تنحدر من مرتفع. وفي وسط هذه الظروف قام مجموعة من الناس الطيبين بإضرام النار في الشارع ليتدفأ عليها المشردون ويطبخوا عليها البطاطا إن كان لديهم بعضها.

غياب السيدة العجوز هذا الوقت كله حل علينا كمأساة، فقد كنا بحاجة للثياب، ولم نكن نعرف عنوانها ولم يساورنا الشك في أنها قد انهارت أو حتى ماتت. قالت أمي أن هاجساً تملكها عندما غادرت السيدة المنزل آخر مرة بأننا لن نرى حاجاتنا مرة ثانية. وجدت أمي بعض القمصان القديمة والممزقة فقامت بغسلها ورتقها. كنا نشعر بالأسى من أجل ثيابنا وكذلك من أجل السيدة العجوز التي أصبحت قريبة منا طوال السنوات التي خدمتنا فيها بكل تفانٍ وإخلاص.

مضى شهران أو أكثر، هدأ البرد قليلاً إلا أن موجة صقيعٍ أخرى قدمت إلينا، موجة جديدة من البرد. ذات مساءٍ وبينما أمي جالسةٌ تصلح أحد القمصان بالقرب من مصباح الكيروسين، فُتحت الباب و هبت نفحة صغيرة من البخار متبوعة بحزمة ضخمة من الثياب دخلت المنزل.

تحت الحزمة كانت السيدة العجوز تتمايل ووجها أبيض مثل قطعة كتان وقد تدلت بضع خصل من الشعر الأبيض من تحت شالها. عند مرآها صرخت أمي بذهول كما لو أن جثة دخلت الغرفة. ركضت باتجاهها وساعدتها على رفع الحمولة، لقد بدت أنحف من ذي قبل وجسدها كان أكثر اعوجاجاً، بدا وجهها نحيلاً جداً ورأسها يتمايل من ناحية لأخرى كشخص يؤمئ برأسه علامة الرفض. لم يكن بوسعها النطق بكلمة واضحة إلا أنها كانت تهمهم بشيءٍ ما بفمها الغائر وشفتيها الشاحبتين، وبعد أن التقطت أنفاسها قليلاً أخبرتنا أنها مرضت بشدة، لا أذكر طبيعة مرضها بالضبط إلا أنها قالت أن مرضها اشتد كثيراً حتى أن أحدهم استدعى الطبيب الذي قام بدوره بطلب كاهن. أخبر أحدهم ولدها بالأمر، فتبرع ببعض المال للكفن ومراسم الجنازة. ولكن الله لم يرد أن يقبض هذه الروح الأليمة إليه، فقد شعرتْ بالتحسن وما إن أصبحت قادرة على الوقوف على قدميها حتى استأنفت عملها في غسل الثياب، ولم يكن على عاتقها غسل ثيابنا فحسب بل وثياب عائلات أخرى.

“لم أستطع أن أرتاح في فراشي بسبب الغسيل، لم يكن الغسيل ليدعني أموت”.

فدعت لها أمي قائلة: “بعون الله ستعيشين مئة و عشرين سنة”.

قالت السيدة العجوز: “لا قدر الله! ما الجيد في حياةٍ طويلة كهذه؟ العمل يغدو أصعب فأصعب… و بدأت قواي تخور شيئاً فشيئاً، لا أريد أن أصبح عبئاً على أحد!” ثم أخذت تدمدم شيئاً و أدت صلاتها و عيناها صوب السماء.

لحسن الحظ أن النقود كانت متوفرة في المنزل. أعطت أمي السيدة ما تدين لها به. حين نظرتُ إلى النقود و هي في يديها المهترئتين بدت لي وعلى نحو غريب أنها نقود متهرئة ومؤمنة ونقية كما كانت السيدة العجوز نفسها. نفخت السيدة على النقود ولفّتها في منديل، و غادرت بعد أن قطعت وعداً بأنها سوف تعود في الأسابيع المقبلة لتأخذ حمولةً جديدة من الثياب لكنها لم تعد أبداً. الغسيل الذي أحضرته هذه المرة كان آخر جهد لها على الأرض. إرادة لا تقهر كانت تحثها على إرجاع الثياب لأصحابها، لتكمل ما تعهدت بإنجازه.

أما الآن فقد تداعى جسدها، الذي لم يكن سوى قطعة مكسورة تسندها قوة الواجب وروح الإخلاص، وانتقلت روحها إلى تلك الأفلاك السماوية التي تجتمع فيها الأرواح المقدسة على اختلاف مشاربها و مذاهبها.

لا أستطيع تخيل النعيم بدون هذه السيدة المسيحية، حتى إنني لا أستطيع تصور عالمٍ لا يكافئ فيه من يقوم بمثل هذا الجهد الذي بذلته السيدة العجوز.

 

فريق الإعداد

إعداد: زهراء طاهر

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.
مصدر مصدر القصة
تعليقات
جاري التحميل...