ربما تمتلك الإلكترونات وعياً

في العام الفائت حمل العنوان الرئيسي لغلاف مجلة New Scientist سؤال “هل الكون واعي؟“. الرياضي والفيزيائي العامل في مركز ميونخ للفلسفة الرياضية في ألمانيا، يوهان كلاينر كان قد أخبر كاتب المجلة مايكل بروكس أن تعريف الوعي الدقيق رياضياً، قد يعني أن الكون ممتلئ بالتجارب الشخصية. يقول كلاينر أن هذا قد يكون بدايةً لثورة علمية، مشيراً إلى بحث أجراه مع آخرين.

يركز كلاينر وزملاؤه على نظرية المعلومات المتكاملة للوعي، وهي واحدة من أكثر نظريات الوعي شهرة اليوم. كما يلاحظ كلاينر، فإن IIT (كما تعرف النظرية) نظرية روحانية شاملة Panpsychist بصورة شاملة. لأن كل المعلومات المتكاملة تملك جزءاً لها على الأقل يشغل مكاناُ في الوعي.

يمكن أن نرى صعود نظرية الروحانية الشاملة Panpsychism كجزء من النزعة الكوبرنيكية (الفكرة التي تقول أن البشر مخلوقات غير مميزة وغير ثمينة وليسوا على قمة هرم التطور حتى، وأن الأرض ليست مركز الكون). فلماذا نعتقد أن المخلوقات ذات الأدمغة مثلنا هي الحاملة الوحيدة للوعي؟. في الحقيقة، وجدت الروحانية الشاملة منذ آلاف السنين كأحد الحلول المختلفة لمعضلة العقل والجسد. يقدم كتاب “الروحانية الشاملة في الغرب” المنشور عام 2007 لكاتبه ديفيد سكربينا تاريخاً رائعاً لهذا التقليد الفكري.

 ربما تمتلك الإلكترونات وعياً بدائياً للغاية

بينما هنالك نسخ عديدة للروحانية الشاملة Panpsychism، فإن النسخة التي أجدها جذابة جداً تعرف باسم الروحانية الشاملة التأسيسية. لنوضح هذه النظرية ببساطة. تنص النظرية على أن كل أنواع المادة الموجودة في الكون تملك وعياً أو عقلاً مرتبطاً بها والعكس صحيح. حيث توجد المادة يوجد العقل، وحيث يوجد العقل توجد المادة. فالعقل والمادة مترافقان تماماً. وكما يحاجج الروحانيون الشاملون الحديثون كألفريد نورث وايتهيد، ديفيد راي غريفين، غالن ستراوسن وغيرهم، فكل أشكال المادة تملك سعة صغيرة للمشاعر وإن كانت مشاعر بدائية للغاية في معظم تكوينات المادة.

لا يرى مفكرو الروحانية الشاملة أي فيصل واضح بين العقل واللاعقل عندما ينظرون إلى الدرجات العديدة لسلم التعقيد في الطبيعة. في عام 1974 طرح الفيلسوف توماس ناغل سؤاله الشهير “ماذا يعني أن تكون خفاشاً؟ أن تقدر على الطيران ورصد الصدى؟” لا يمكن أن نعرف ذلك بأي قدر من اليقين، ولكن يمكننا أن نستنتج بشكل منطقي استناداً إلى ملاحظة سلوكيات الخفافيش المعقدة والقرابة الجينية الوثيقة بين جميع الثدييات والبشر –وحقيقة أن التطور يتقدم تدريجياً- أنهم يتمتعون بحياة داخلية غنية. بنفس المنطق، يمكننا أن ننظر باستمرار إلى أشكال السلوك الأقل تعقيداً بما يسمح لنا باستنباط وجود شكل من أشكال العقل مرتبطاً بأي نوع من المادة. نعم, حتى الإلكترون الصغير مشمول بذلك.

إعلان

في حين أن المادة الجامدة لا تتطور كالمادة الحية، فهي تملك بعض السلوكيات، وتقوم ببعض الأشياء كما وأنها تستجيب للقوى. فالإلكترون يتحرك بطرق محددة تختلف باختلاف شروط التجربة. دفع هذا الشكل من السلوك فيزيائيين محترمين إلى اقتراح إمكانية امتلاك الإلكترونات لنوع ما من العقل البدائي. كالفيزيائي الأميركي الراحل المشهور فريمان دايسون، الذي ذكر في كتابه Disturbing The Universe عام 1979 أن عمليات الوعي البشري تختلف في الدرجة فقط -وليس في النوع- عن عمليات الاختيار بين الحالات الكمومية والتي نسميها (فرصاً) عندما تقوم بها الإلكترونات.

من الأفضل أن نصيغ معنى مصطلح “فرصة كمومية” على الشكل “اختيار كمومي”, اختيار وليس فرصة، على كل مستوى من مستويات الطبيعة. جادل ديفيد بوم بحجج تشابه حجج دايسون. بوم فيزيائي أميركي مشهور أيضاً. قال بوم أن قدرة الشكل على أن يصبح نشطاً هي أكثر سمة مميزة للعقل، ولدينا بالفعل شيء شبيه بالعقل على صعيد الإلكترون.

العديد من علماء الأحياء والفلاسفة أدركوا أنه لا يوجد فيصل صارم بين المادة الحية والمادة الجامدة. جون هولدن، عالم الأحياء البريطاني البارز، أيد وجهة النظر القائلة بعدم وجود خط فاصل واضح بين الحياة واللا حياة. يقول هولدن:

“لا دليل واضح على وجود الحياة أو العقل في ما يسمى بالمادة الخاملة، ولكن إذا كانت وجهة النظر العلمية صحيحة فسوف نجدهما في النهاية، على الأقل في شكل بدائي ومن خلال الكون.”

جون هولدن

وقد صرح الفيزيائي الدنماركي الذي لعب دوراً أساسياً في تطوير نظرية الكم، نيلز بور بالآتي:

“إن تعريفات الحياة والميكانيك مسألة تسهيلية في نهاية المطاف … ستخسر قضية تقييد تطبيق الفيزياء في علم الأحياء كل معانيها إذا ما قمنا بتوسيع مفهوم الحياة ليشمل جميع الظواهر الطبيعية بدلاً من أن نميز الكائنات الحية عن الجمادات.”

في الآونة الأخيرة, سأل عالم الأحياء الفلكية بجامعة كولورادو، بروس جاكوسكي الذي عمل مع وكالة ناسا في البحث عن حياة خارج كوكب الأرض, سأل بشكل خطابي:

هل مرت لحظة معينة على الأرض انتقلت فيها من حالة عدم وجود حياة إلى حالة وجود الحياة كما لو أن مفتاحاً ما انقلب في هذه اللحظة؟”

وأجاب “ربما لا”.

قد يعجبك أيضًا

اتخذت عالمة الفيزياء النظرية ومؤلفة كتاب Lost In Math (2018) سابين هوسينفيلدر موقفاً مخالفاً. ذكرت سابين في منشور بعنوان “الإلكترونات لا تفكر” أنه إذا أردنا لجسيم ما أن يكون واعياً فيجب لهذا الجسيم على أقل تقدير، أن يمتلك القدرة على التغير. فمن العسير أن تملك حياة داخلية وليس لديك إلا فكرة واحدة. ولكن لو كانت الإلكترونات تملك أفكاراً، لكنا رأينا هذا عند مصادمة الجسيمات منذ فترة طويلة. لأنه سيغير عدد الجسيمات الناتجة عن التصادمات.

مع ذلك إن كلمة “التغيير” تحمل معانٍ عديدة ومختلفة, بما في ذلك الموقع في الفضاء بمرور الزمن. ما يرمي دايسون الوصول إليه في ملاحظته حول الإلكترونات ونظرية الكم هو أن نتائج التوزيع الاحتمالي للتجارب الكمية (كتجربة الشق المزدوج) تفسر على أنها نتاج للعديد من الخيارات البدائية للغاية حول مكان وكيفية الظهور من قبل كل إلكترون في كل لحظة، وليست مجرد صدفة.

تعيد مجموع وايتهيد للروحانية الشاملة –وهي النسخة الأساسية المعمول بها اليوم من الروحانية الشاملة- تصوير طبيعة المادة بشكل جوهري. بالنسبة لوايتهيد. جميع الكيانات الواقعية –بما في ذلك الإلكترونات والذرات والجزيئات- هي “قطرات من التجارب”. باعتبار أنها تتمتع بقليل من التجربة وقليل من الوعي. للوهلة الأولى يبدو هذا المنظور غريباً لكنه في النهاية يملك معنى عميقاً وكبيراً جداً.

يتصور وايتهيد الجسيمات (كالإلكترونات) كسلسلة من التكرارات المتتالية لإلكترون واحد بدلاً من أن تكون أشياء غير متغيرة تتحرك في وعاء من الزمكان (وهذه هي النظرة الحديثة باختصار). تحمل عناصر هذه السلسلة تشابهاً قوياً مع بعضها البعض في كل تكرار، لكنها ليست متطابقة تماماً. كل تكرار يختلف قليلاً عن سابقه. ولا يوجد أي إلكترون ثابت لا يتغير. الدرجة التي يزداد أو ينقص اختلاف كل تكرار عن سابقه بحسبها، يحددها منزلة ذرة من العقل والفرص. تتراكم ذرات الفرص هذه صعوداً, ومن خلال مسار التطور البيولوجي ينتج عنها أنواع معقدة من العقل والخيارات التي نتمتع بها نحن البشر مع غيرنا من الثدييات.

قام وايتهيد. وهو الفيلسوف الرياضي بتجسيد عملية “التوافق” هذه بالتفصيل. تكلم عن الطبيعة المتذبذبة لكيانات مثل الإلكترونات لحظة بلحظة في أعماله الفلسفية الثلاثة. كتاب Science and The Modern World، وكتاب Process and Reality، وكتاب Modes of Thought. هذه الأعمال الثلاثة صعبة في عدة مواضع منها، لكن المرور فيها يستحق الكفاح إذا كنت مهتماً ببناء الفيزياء على أساس أكثر تجريبية وميتافيزيقية.

لقد أصبح العديد من المفكرين المعاصرين يتبنون أفكار وايتهيد والروحانية الشاملة بدرجات متفاوتة. ومنهم الفيزيائي ديفيد بوم. حيث أشار إلى وايتهيد كمصدر إلهام في كتابه. Wholeness and the” Implicate Order” وهو أعظم ما ألفه في الفيزياء الحديثة وطبيعة الحقيقة.

أفكر دائماً أثناء عملي، كيف يمكننا تحويل هذه الاعتبارات الفلسفية المجردة حول طبيعة العقل في شتى أنحاء الطبيعة، إلى مجموعة تجارب قابلة للاختبار مع بعض الأفكار الأولية الموضحة في هذا المقال. تجارب كهذه ستنقل المناقشات حول الروحانية الشاملة من نطاق الفلسفة إلى نطاق العلم بكل حزم.

لذا سأقول نعم، هناك مجال واسع في الفيزياء الحديثة لكي نعتبر أن الإلكترونات “تفكر”.

نرشح لك: البيولوجيا الكمية

المصدر

إعلان

اترك تعليقا