تأخذك إلى أعماق الفكر

النفس البشرية بين الضمير والنزعة الحيوانية

مارينا إبراموفيتش -فنانة صربية- قامت بتجربة فريدة في عام 1974، حيث قررت تجربة السلوك البشري في حال تم منحه الفرصة لفعل ما يريد دون أية مقاومة، حيث وقفت ست ساعات أمام الجمهور، بجانب طاولة عليها العديد من الأشياء المختلفة، كالسكاكين، الشوك، العِصي…إلخ  

في البداية، كان الناس مسالمين جدًا، ثم بدأت ردة فعلهم تزداد عندما رأوها لا تتحرك، حتى إن أحدهم صوب مسدسًا نحو رأسها، لولا تدخل أحدهم لمنع الكارثة التي كان من الممكن أن تحدث، تمت تعريتها، والتحرش بها، وضربها بالسلاسل، ووخزها بالأشواك.

مارينا أبراموفيتش

عندما انتهت مدة الست ساعات، تحركت، دون أية ردة فعل؛ دموعها وحدها كانت تكفي لشرح ما شعرت به؛

لا يُعلم على وجه الخصوص ما الذي دفع الناس إلى التطرف في ردة فعلهم؟ هل هي الهمجية، أم هو الفضول؟

إعلان

وهل يُبرّر أي منهما ردة الفعل الوحشيّة للبشر؟

يمكن القول، إنه لم يسلم أيّ مجتمع إنساني على مر عصور التاريخ من الوقوع تحت وطأة التعذيب، أو ممارسته، سواءً بفعل من خارج المجتمع أو من داخله!

في كل زمان تفنّن البشر في ابتكار وسائل مختلفة لتكون هي الأبشع من نوعها والأكثر إيلامًا، وعلى مر العصور كان الفلاسفة وعلماء النفس يبحثون عن إجابة السؤال المحيّر حول السبب الذي يجعل الإنسان أكثر عدوانية وضراوة وجُبنًا!

لماذا يتعاطى الإنسان مع العنف؟!

قد لا يمكن تقديم إجابة وافية عن هذا التساؤل الإشكالي، لكن التتبع التاريخيي لظاهرة العنف، والتحليل السوسيولوجي لمعطياتها يمكن أن يقرب الباحث بشكل موضوعي من جوهر الممارسة لفعل العنف في التاريخ الإنساني.

المسيح

بالعودة إلى التاريخ، فإن الأديان جميعًا وبدرجات متفاوتة حسب الظرف والمكان، استخدمها البشر لرفع راية العنف والقتل المقدس الذي يصل إلى أبشع الممارسات الهمجية، ابتداءً من القرابين البشرية كما في كثير من الديانات البدائية، وصولًا إلى الحروب الدينية والاضطهاد الديني والتكفير، ولم تنصت على الإطلاق لما ورد بها من نصوص مسالمة تدعو إلى الرحمة والتسامح.

 لعل مشهد يسوع المسيح، وهو معلق على الصليب في طريق الآلام يختزل ذلك النوع من العنف المبالغ، والذي قد لا يهدف للقتل بقدر ما يهدف إلى الإذلال والتشفي، حتى أنه وضع بين لصين وفوق رأسه تاج من الشوك كنوع من السخرية والتنكيل.

المسيح

تعكس مشاهد تعذيب يسوع المسيح الموجودة على الجداريات في كل  كنائس العالم جزءًا من وقع هذا الحدث على النفس البشرية، وما رُوي من أهوال تعرض لها النّبيّ أو الإله حسبما كان المعتقد، ليخلص البشرية من آثامها. قبض حراس الهيكل على يسوع المسيح بسبب تهمة مزيفة، وجروه إلى رئيس الكهنة، ولأن اليهود لم تكن لهم سلطة رسمية، أخذوه إلى الحاكم الروماني “بيلاطس البنطي”، والذي استجوبه محاولًا إنقاذ حياته، فأمر بجلده ظنًّا منه أن هذا سيُرضي رؤساء الكهنة. جَلد الجنود ظهر يسوع، ثم أخرجه بيلاطس كي يرى الشعب كيف أنّه ضُرب لعلهم يشفقون عليه، وقال لهم، “لَسْتُ أَجِدُ فِيهِ عِلَّةً وَاحِدَةً” (يوحنا 19: 4).حين رآه رؤساء الكهنة صرخوا، “اصلبه! اصلبه!”، قال لهم بيلاطس، “خذوه أنتم واصلبوه؛ فأنا لا أجد فيه علة”.

صرخ قادة اليهود، وقالو: “إن أطلقت هذا الرجل فأنت لست صديقًا لقيصر

قال بيلاطس: “هل أصلب مَلِكَكم؟” صرخ رؤساء الكهنة، “ليس لنا ملِك سوى قيصر

ثم سلَّم بيلاطس يسوع إلى الجند، وقبل صلبه جلدوه مرةً ثانيةً، وضفّروا تاجًا من شوك ووضعوه على رأسه، ثم ألبسوه رداءً أرجوانيا -كنوع من السخرية- ثم اقتادوه خارجًا ليُصلب.

حمل يسوع الصليب الذي سيصلب عليه في مشهد هو الأقوى فهو يعلم أنه سيموت عليه!

ومات بعد نزاع ثلاث ساعات.

لم يكن مشهد تعذيب يسوع المسيح هو الأول ولا الأخير في ملف العنف والإيذاء الجسدي والتنكيل الجنسي، فالمسيحيون الذي عانوا العنف المُمَارس ضدهم في بداية ظهور المسيحية، هم أنفسهم الذين مارسوا العنف بعد ما وصلت الكنسية إلى الحكم في الغرب، حتى تمكنت النُظم العلمانية من كبح جماح الكنيسة الكاثوليكية ووضعها في إطارها الطبيعي كدين شخصي، وإن لم تتورَع هذه النظم من ممارسة العنف إبّان الحقبة الاستعمارية تجاه شعوب العالم الثالث.

جان دارك (1412-1431)

جان دارك القديسة الفرنسية والبطلة الوطنية، التي أنقذت فرنسا من الاحتلال الإنجليزي في حروب المائة عام، لم تكن تسعى إلا لاستقلال بلدها، كانت تؤمن أن الله خلقها لقيادة فرنسا في حربها ضد الإنجليز.

جان دارك

عندما كانت في السابعة عشرة من عمرها شاهدت رؤيا، وسمعت أصواتًا تطلب منها إنقاذ فرنسا من أعدائها، فذهبت إلى البلاط الفرنسي مرتدية ملابس الرجال، وأقنعت الملك بالسماح لها بالانضمام إلى جيشه، وقادت الجيش وتمكنت من إنقاذ مدينة أورليانز الفرنسية المحاصرة.

حُوكمت جان دارك عندما وقعت في الأسر وأعدمت تحت راية الكنيسة الكاثوليكية،  بعد اتهامها بالسحر والشعوذة، وقُدمت جان إلى محكمة كنسية ترأسها أسقف “بيير كوشون”، واعتُبرت بموجب قرار المحكمة ملحدة ومجدفة، وهو ما ترتب عليه حرقها حية في 30 مايو 1431م.

لم تسمح لها الكنيسة بالدفاع عن نفسها،  طلبت جان دارك أن تكون وجبتها الأخيرة هي القربان المقدس، ولكن الكنيسة رفضت طلبها، حتى لا تنال الرحمة.

جان دارك
جان دارك وقت إعدامها على العمود، للفنان هرمان ستيلك (1843)

أقيمت محكمة خاصة لتكريم جان دارك عام 1450م أي بعد 19 عامًا من إحراق جسدها، ثم في عام 1909، أخذت لقب “مباركة” أي بعد 450 عامًا على موتها، وهي الخطوة المؤهلة للقب القديس وفي عام 1920 تم تلقيبها “بالقديسة” جان دارك أي بعد 461 عامًا بعد موتها.

الحلاج

والله لو حلف العشّاق أنهمُ موتى من الحب أو قتلى لما حنثوا

ترى المُحبين صرعى في ديارهمُ كفتية الكهف لا يدرون كم لبثوا

قومٌ إذا هجروا من بعدِ ما وصلوا، ماتوا، وإن عاد وصلٌ بعده بُعثوا.

الحلاج، جان دارك

هكذا قال الحسين بن منصور “الحلاج” عن الحب الإلهى وحال العشّاق والمبتهلين إلى الله.

عاش عمره يتحدث عن عشق الله والفناء فيه وظل يُردّد أن (التوحيد الحق إنما هو توحيد الذات بالله، وكل ما هو دون ذلك إن هو إلا تَعلق بالوهم الخادع).

فكانت كلماته وعشقه الإلهي سبب موته، فلم تُعجب أقواله فقهاء عصره، فقد أُحيل للمحكمة  في عهد الخليفة العباسى المقتدر، بتهمة التطاول على الله وحُكم عليه بألف جلدة، ثم تقطيع يديه ورجليه، قبل أن تقطع رقبته، وتضمن الحكم أيضًا حرق كتبه ومنع الوراقين من نسخها.

مشهد النهاية: فوجئ المحتشدون فى ساحة الإعدام بالحلاج يمسح وجهه في الدماء التى سالت من يديه وقدميه بعد قطعهما، وسأله أحدهم: ماذا تفعل؟ فأجاب: أتوضأ، فسأله: أيُّ وضوء هذا؟ فأجاب: ركعتان فى العشق لا يصح وضوؤهما إلا بالدم.

الحلاج

وفي النهاية علينا الاعتراف أنه مهما  بلغ الإنسان من مَدنّية وتَحضُّر، إلاّ أنّه ما زال يلتمس طريقه في فجر الضّمير البشري، عله يُدرك ذات يوم النُّور الحقيقي، عله يَكفُّ عن قتل الآخرين تحت راية الدين، ويعلم أن الطريق إلى الله له خصوصية وذاتيةٌ لا يمكن أن تَقبل وصاية من أحد، وعله يكبح تلك النّزعة الحيوانية الكامنة، والتي تتطلع دومًا نحو الفرصة، تمامًا كالجزء المظلم من القمر لا نراه، ولكن لا يمكن أن نُنكر أنّه موجود.

المراجع :
مأساة الحلاج (صلاح عبد الصبور)
جان دارك (جورج برنارد شو)

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.