تأخذك إلى أعماق الفكر

تَخلَّصوا من المشاعر تُفلحوا عند الله

ما نَشعر به تجاه أيّ شئ رُبّما يكون هو المُحرك والقائد لخطواتنا نحو هذا الشيء إقدامًا أو إحجامًا ..ولربّما تساءلنا لماذا منحنا الله المشاعر!، هذا الوقودَ العجيب الذي عجز البشر عن خلق مثله في الإنسان الآلي..هل هذا الوَقود هو مِنحة أم محنة؟.. أَيُعقل أن يَكُون اِختبارًا واِبتلاءً….

بِداية الحكاية

في البدء خَلق الله آدم ونفخ فيه من رُوحه..فصار آدم ذلكم الكائنَ العجيب الذي يتكوَّن من مَادةٍ ورُوح..وكان هناك مُكون آخر لم يظهر تأثيره بعد..ذلك المُكوِن هو نَبع المشاعر التي هي سبب ضعفنا وقوتنا في آن واحد..هذا المُكون هو النّفس التي هي آمارة بالسُّوء..وكان ذلك بأن استَوحش آدم وشعر بالوِحدة..لتكون بذلك أولَ مشاعر عرفها الإنسان..الشُّعور بالوِحشة والوحدة.. فخلق الله له حواء لتُؤنس وحدته.. ومع حواء اِكتمل الإنسان بمكوناته الثلاثه:

فمَادةٌ لها مُتطلبات أرضية دنيوية..ونفس آمارة بالسُّوء بها مشاعر تُشعر المادة دائما بالإحتياج وتحثها على فعل ما تود وتبعدها عما تكره..ومكون آخر أشرف من كل ذلك..مكون هو حقيقة الإنسان وجوهرها..مكون يجعل الإنسان إلهًا مصغرًا..هذا المُكوِن هو الرُّوح… الرُّوح التي عليها أن تُجاهد وتحارب وتناضل لتلحق بعالمها الأصلي الشريف في أعالي السماء.. وميدان جهادها هو الجسد المادي الذي يتسلَّح بالنفس التي تتخذ من المشاعر حصنا لها لتجابه الروح.. فتقلدت الرُّوح سيف الإرادة الحرة وأخذت تُجابه الجسد بعدته وعتاده..واستمر الكرّ والفرّ بينهما مدةً هي عُمر الإنسان.. خلال هذا العُمر تارة تنتصر الرُّوح.. وتارة تنتصر النفس والجسد.. ويستمر الصراع حتى تأتي النهاية.. والعِبرَة بالخواتيم …..

قبل أن ننطلق

بدايةً أحب أن أُنوه أنَّ ما سيأتي بيانه ما هي إلاّ خواطر ترادفت على روحي وأيّدها العقل فأثبتُها في مقالة.. ربّما تكون هذه الخواطر تحمل بين جنباتِها شيئًا من الصحة..وربما تكون محض تُراهات واهية لا حقيقة فيها ……
فبينما كان عقلي يتجوّلُ تِجوالًا سريعًا بين صفحاتِ القرآن أوقفته بعض الآياتِ التي تناولت شُعورين مُهمَّين وهمَا:

شُعور الفَرح وشُعور الخوفِ.. فأخذت هذه الآيات تُحاججُه وتناقشه في أفكاره وهو بدوره يُناقشها ويحاجِجها وقد سجلت خطابَهما على ما سيأتي..

إعلان

ماذا قال القُرآن؟

أوّل ما اِستوقف عقلي هي آياتٌ تمنع الإنسان من الفرح ..وأنّه لا ينبغي على الإنسان أن يفرح بالمنحة..ولا ينبغي عليه كذلك أن يحزن إذا نزلت به محنة..بل الصَّبر في كلتا الحالتين تحت أقدار الله..ولعل أوضح الآيات التي بينت ذلك ما جاء في سورة الحديد (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَة فِي الأَرضِ ولَا في أَنفُسِكُم إِلاَّ في كِتَاب مِن قَبلِ أَن نَّبرَأهَا إِنَّ ذَلك عَلى الَله يَسِيرٌ …لِكَيلاَ تَأْسَوْا عَلى مَا فَاتَكُم ولا تَفرَحُوا بِمَا آتَاكُم وَالله لا يُحِبُّ كُلَّ مُختَالٍ فَخُورٍ) فتعجبت من ذلك..أينبغي على المرء أن لا يحزن حينما يصاب بمصيبة وألاّ يفرح حينما يُصاب بنعمة ولكن لماذا؟ ..لتأتي سورة الأنبياء فتقولَ لي (وَنَبلُوكُم بِالشَّرِّ وَالخَيرِ فِتنَةً وَإِلَينَا تُرجَعُونَ) فتعجبت أكثر..أفهم أنّ الشّرّ اِبتلاء وفتنة..لكن كيف يكون الخير كذلك؟..هل على المرء أن يصبر على الخير أن ينقضي ويَعبُر كما الشّرُّ تمامًا؟..لأجد سورة الشرح تخبرني عن حقيقة الدنيا كيف تَسير (إِنَّ مَعَ العُسرِ يُسرًا) فيتقلب علينَا اليُسر والعُسر باستمرار لا ينقطع ،متلاحقين، حتى يكاد المرء لا يستطيع أن يعرف تحديدًا الحدّ الفاصل بين اليُسر والعُسر.. فقط لنصبر ولا نفرح ولا نحزن بل نترقَب أقدار الله..فلا نعلم أين الخير وأين الشر..

ولكن ما المُشكلة إذَا فرحتُ للخير ولم أُلقي بَالًا للحذر منه..فوجدتُ سورة القصص تُجيبني بقصة قارون..الذي كانت مفاتح خزائنه تُثقِل كاهل العبيد عن حملها وقد حذّره قومه فقالوا (لاَ تَفرَح إِنَّ الله لَا يُحِبُّ الفَرِحِينَ) لكنه لم يستمع لنُصحهم فدفعه فرحه لأن قال (إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلمٍ عِندِي) فدفعه الفرح الذي هو أقوى سلاح من أسلحة المشاعر لدى النفس، لأن ينتصر لنفسه ويجعلها نِدًّا لله فخسرت روحه المعركه مبكرًا (فَخَسَفنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرضَ). وإذا بصاحب الجَنّتين في سورة الكهف يتكرّر معه عين الأمر، خدعته النفس بشعور الفرح والإطمئنان لما لديه، فوقع في فتنته وخسرت روحه المعركة.(فَأَصبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيهِ عَلى مَا أَنفَق فِيهَا وهي خَاويَةٌ على عُرُوشِهَا ويَقُولُ يا لَيتَنِي لَم أُشرِك بِربِّي أَحَدًا). فتعجبت من ذلك الشُعور الرَّهيب الذي تستخدمه النفس كسلاح فتاك تحسم به المعركه مع الروح مبكرًا، إذا لم تتسلح الروح بالصبر على الخير كما الشر..ثم تابعتُ سيري وتوغّلت أكثر بين صفحات القرآن، لأجده يحذرني من شعور آخر تستخدمه النفس كسلاح فتاك..هذا السّلاح الغريزي الفطري سلاح الخوف، فتعَجبت.. أينبغي أن لا أخاف..أينبغي على روحي أن تهزم الخوف..

ولكن ذلك الرجل القاتل الذي هدّدني أن يقتل أبنائي إن شهدت بالحقيقة ضده في المحكمة ماذا أفعل معه..فجاءني الجواب من سورة النساء(وَليَخشَ الذين لَو تَركُوا مِن خَلفِهِم ذُرِّيَّةً ضِعافًا خَافُوا عَلَيهِم فَليتَقُّوا الله وَليقُولُوا قَولًا سَدِيدًا). فقلت ولكن القول السَديد سيؤدي بحياتي وحياة أبنائي إلى التهلكة..فجذبتني سورة التوبة وهزتني بقوة وقالت (قُل لَن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ الله لَنا) ثم ظهرت سورة الحديد مرة أخرى تخبرني هل نسيت (مَا أَصَابَ من مُّصيبَة في الأرضِ ولا في أَنفُسكُم إلاّ في كِتَابٍ من قَبلِ أَن نَّبرَأهَا إنّ ذلك على الله يَسيرٌ ..لِكَيلاَ تَأسَوا على ما فَاتَكُم ولا تَفرَحُوا بما آتاكم) وظهر صوت سورة الأنبياء مرة أخرى في الخلفية (وَنَبلُوكُم بالشَّرّ والخَير فِتنَة). ثم تابعت مسيري، مع شعور الخوف لأجده يناديني مرة أخرى كما نادى المُشركين من قبل الذين قتلوا أبناءهم صغارًا خوفًا من الفقر..وهو نفس الشعور الذي يدفعني الآن لأقبل رشوة أو أشهد زورًا أو أخون أمانة لأجل أن أُؤَمِن مستقبل أولادي..فصفعتني سورة الإسراء على وجهي وقالت أيتها الروح الغبية لماذا لا تفهمين أنّ النّفس تخدعك (وَلا تَقتُلُوا أَولادَكُم خَشيَة إِملاَقٍ نَّحنُ نَرزُقُهُم وإيَّاكُم إنَّ قَتلَهُم كان خِطئًا كَبيرًا).

وظهر قارون أمامي وقال يا أحمق ألا تتعظ بقصتي، دفعني الفرح لأن أشرك بالله وأظن أن ما رزقنيه هو بمهاراتي، فهل تنخدع أمام الخوف وتظن أنك من ترزق أولادك..فقلت له ولكن ماذا أفعل إنهم أولادي.. ماذا أفعل في هذه العاطفة تجاههم..لا يهم أن أعصي أمر الشرع لأجلهم..سيتفهمون تضحيتي لهم وسيساعدونني حتما على النّجاة في الآخرة..فقال لي أو تظن أن هذه العواطف حقيقية.. ألم تشك مرة أنها ربما تكون من خداع النفس لك.. قلت كيف.. فتنحّى وقال لستُ أنا من أجيبك.. وخرجت سورة عبس تخبرني يا أحمق هل تعلم ماذا سيفعل أبناؤك يوم تحتاج إليهم.. قلت بالطبع سيقفون معي حتى لو كنتُ على باطل.. فضحكت وقالت هذا في الدنيا لأنّ نفوسهم ستخدعهم أيضا بالمشاعر ..لكن في عالم الحقيقة سيكون الأمر مختلفاً..

اسمع يا أحمق (يَومَ يَفِرُّ المَرءُ من أَخِيه.. وأمِّه وأبِيه.. وصَاحِبتِه وبَنيه.. لكلِّ امرئٍ مِنهُم يومَئذٍ شَأنٌ يُغنيهِ) فقلت لالا.. لا يمكن أن يحدث هذا.. كيف يفرُّ مني أبنائي.. فقالت سورة الشعراء وَيلك أتنكر ما جاء في القرآن يا أحمق ألم تسمع (يَومَ لا يَنفَعُ مَالٌ ولا بَنُون إلاَّ من أَتى الله بِقلبٍ سَلِيمٍ) وقبل أن أقول ولكن ..ظهرت فجأه سورة الأنفال تقول (وَاعلَمُوا أنَّما أموَالكُم وأولادُكُم فَتنةٌ وأنّ الله عِندَه أجرٌ عَظيمٌ) فشردت في سورة الأنبياء مرة أخرى (وَنبلُوكم بالشّرّ والخَير فِتنَة).وقلت هل الأولاد من هذا القبيل ..الخير الذي هو فتنة وابتلاء.. فجذبتني سورة التغابن (يا أيُّها الذين ءامَنُوا إنَّ من أزوَاجِكُم وأَولادِكُم عَدوًا لكُم فاحذَرُوهُم وإن تَعفُوا وتَصفَحُوا وتَغفِرُوا فإنَّ الله غَفورٌ رَحيمٌ) فشعرتُ بالحُزن..

هل سيكون في العالم الآخر كل شيء مختلفاً ..هل سيقول كل شخصٍ نَفسي نفسِي.. فخرجت أمامي سورة النُّور ساخرة.. هل نسيت أن نفسك هي أعدى أعداءك (يَومَ تَشهَدُ عَليهِم أَلسِنَتُهُم وأيدِيهِم وأرجُلُهُم بِما كَانوا يَعمَلُون). فهززت رأسي كالمجنون ووضعت أصابعي في أذني كقوم نوح، وهرولتُ مسرعًا خارج صفحات القرآن، التي أرتني حقيقة السلاح التي لطالما هزمتني به النفس..والحقيقة دائما ما تصعق.

ما الذي يحدث؟

الذي يحدث أنّنا مَنفِيُون في هذا العالم…مقطوعون عن عالمنا الأصلي..عالمنا الذي ليس به وِحشةٌ ولا ملَلٌ ولا كللٌ ولا تعَب (لا يَمسُنا فيها نَصبٌ ولا يمَسُنا فيها لُغُوب) .وهذه القطيعة جعلها الله اختبارًا لنا في دنيا يملؤها التعب والنّصَب ..فمنح الله النفس سلاحا ذو حدين، هو سلاح المشاعر.. فنشعربالحب والكُره.. والحزن والخوف والقلق.. والفرح.. وغيرها ..ولكن هذه المشاعرَ التي تجعلنا نتماشى مع طبيعة الدنيا، إن لم تكن تحت سيطرة الروح فستتمكن النفس من قتالنا بها.. لقد بكى النّبيّ حين مَوت وَلده.. فتعجّب الصحابة من ذلك ..لكنه أخبرهم أنه في النهاية بشر.. تدمع عينه ويحزن فُؤَاده..

هذه هي طبيعة المشاعر التي جعلهاالله إختبارًا لنا، لكن مع ذلك تحكمت روحه الشريفة بها فقال (ولا نقول إلا ما يُرضي ربنا)، هذا هو محور الحديث، فالمشاعر تدفعنا لأن نَخرِق الشرع ونرمي به خلف ظهورنا ..فكم من ملحدٍ ألحد لحزنه على وفاة طفله أو أمه أو أبيه.. وكم من شاهدٍ شَهٍد زورًا وهو يعلم أنّ الله قال في سورة الجح (وَاجتَنِبُوا قَولَ الزُّور).إلاّ أنّه نبذ الشرع خلف ظهره بدافع الخوف من عدو أو الرجاء في مال ..وكم من مجاهد تقاعص عن الجهاد لإعلاء كلمة الله خوفا على بنيه من بعده ..وكم .وكم .وكم وكل هذا لو أرجعنا سببه سنجده من النفس التي سلطت على أرواحنا المشاعر فهزمتها بها رغم أن ذلك لن يغني شيئًا يوم القيامة…

إنّ طبيعة الإنسان المركبه لغزٌ محيّر.. والروح التي يحملها، لها قوى رهيبة، لكن لا تظهر قُوتها إلا بعد أن تهزم النفس بمشاعرها. ولذلك نتعجب من أم تبعث أولادها للقتال وتأمرهم أن يقتلوا في سبيل الله، ليس هذا لأن مشاعرها تبلدت ولكن لأنها فطِنت الحكاية وانتصرت روحها على نفسها، والروح تتغذى وتنتصر بالإيمان، والمؤمن دائمًا مختلف عن الباقيين. ففي سورة هود يخبرنا الله عن صفات الإنسان الطبيعية التي هي غريزة في نفسه (وَلئِن أذقنَا الإنسَان منَّا رحمَةً ثم نَزعنَاهَا مِنهُ إنَّه ليئُوس كَفُور..ولئن أذقنَاه نَعمَاء بَعد ضَراء مَسَته ليقولَن ذَهبَ السَيئاتُ عني إنَّه لفَرحٌ فَخُور).فبيَّن أن ذلك طبيعة في الإنسان يفرح بالنعمة ويشكر ربه، ويحزن للنقمة فيكفر. لكن ليس هو الإنسان الذي يريده الله، فبيّن الله ما يريده في الآيه التي تليها (إلاَّ الذين صَبَرُوا وعَملُوا الصَالحَات أولئِكً لهم مَغفِرةٌ وأَجرٌ كَبيرٌ) . فهؤلاء المُستثنين يصبرون على الخير كما الشر، لايفرحون ولا يحزنون ولا يرجون ولا يخافون، لأنهم يعلمون أن كل ذلك فتنة وأنه اختبارٌ ليتبين الله من يعبده في جميع أحواله ومن هو (ومِن النَّاس من يَعبُد الله على حَرفٍ فإن أصَابَه خَيرٌ إطمَأن به وإن أصَابَته فِتنَة انقَلَب على وجهِهِ خَسِر الدُنيَا والآخِرة ذلك هو الخُسرَانُ المُبِين )

وختامًا

إنّنا لا ننفي المشاعر بل نثبتها، ولولاها لشعر الإنسان بما فيه من وروح إلهية مُنزهة عن المشاعر، أنّه إله. فكانت المشاعر ليعلم دائما أنه إنسانٌ ضعيفٌ محتاج، وكانت المشاعر لتكون اختبارًا وإمتحانًا وإبتلاءً ،إذا نجحت فيه الرُوح كان لها نصيبٌ من حُب الله ومعرفة بعض أسراره.

نرشح لك: كتالوج المشاعر

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.