تأخذك إلى أعماق الفكر

تفكيك الحب: هل نحب الشخص لذاته أم لصفاته؟

حُبُّ الرجلِ لجمال المرأة أمرٌ فطريّ، لكنّه مقلقٌ بالنسبة للمرأة الجميلة المحبوبة -أو على الأقل ينبغي أنْ يكون كذلك- حيثُ إنّها ستجد نفسها في حَيرة أمام السؤال التالي: هل يُحبني لذاتي أمْ لجمالي؟
“هل يُحبّ الشخصُ شخصًا آخر، أمْ أنّه يحبُّ شيئًا ما في ذلك الشخص؟”، سؤالٌ يَطرحُهُ فيلسوف التفكيك -جاك دريدا- حين  سُئِلَ في إحدى المُقابلات التلفزيونية عن الحب، وبهذا السؤال يُحْرِج دريدا الحب ويُحْرِجُ المُحبَّ أيضًا، ولا نُبالغ إنْ قُلنا بأنّه يَضَعُ الاثنين في مأزقٍ وموقفٍ لا يُحسدانِ عليه.

بهذا السؤال يأخذنا دريدا بعيدًا عن كل آراء الفلاسفة عن الحُبّ، هُنا يَتَعاملُ دريدا مع الحُبِّ بجديّةٍ وموضوعيّة بالغتين. يخضعُ الحُبّ إلى اختبار دقيقٍ وفحصٍ شاملٍ ثلاثيّ الأبعاد ويحصرُهُ بين أداتي استفهام، ماذا” و “من”. ماذا نحب؟ ومن نحب؟ هل نُحِبّ الشخصَ كذاتٍ مُطلقةٍ أمْ نُحِبّ صفاته؟(1)

لنوضِّح المسألةَ أكثر ولنأخذْ المِثال التالي: يقولُ فلانٌ بأنّه يُحِبّ فلانًا، وحين نسألُ هذا المُحِبّ، لماذا تحبُّ هذا الشخص؟ غالبًا ما يجيبُ بالصفات والمزايا التي جذبتهُ إليه؛ على سبيل المِثال اهتمامه الدائمُ به، طيبةُ قلبه، وحسُّه الفُكاهيّ، وجمالُهُ، وأخلاقُهُ أو طريقةُ حديثِه إلخ..، وهذهِ المَزايا تتعلَّق بالشقّ الثاني من سؤالِ دريدا: “ماذا نحب؟” أمَّا سؤال: “من نحب؟” فهو مُتعلِّق بصاحب هذه الصِفات والمزايا، أيْ المَحبُوبُ نفسُه.

أينَ تبدُو المشكلة؟ ثمَّة خطٌّ رفيعٌ جدًا يرسمُهُ دريدا بين السُؤالين “ماذا نحب” و “من نحب”، فعندما يسألني أحدُهُم، لماذا تحب هذا الشخص بعينه؟ وأبدأ بسرد مزاياهُ وصفاته، ألا يعني هذا بأنّي أحببتُ تلك المزايا فيه وليسَ الشخص نفسه مُطلقًا؟ أنا أدَّعي بأنني أحبُّ الشخص نفسه ولكن في الحقيقة ما جذبني للشخص هو مَجموعةُ صفاتٍ معيّنة يتّصف بها.

هل الصِّفاتُ جزءٌ من الذات أمْ مُنفصلةٌ عَنْها؟

لا شكَّ أنّ أسئلة دريدا مهمةٌ ودقيقةٌ جدًا لكنّها  تُحيلنا إلى أسئلةٍ لا تَقِلُّ أهميةً عَنْها:  

ألا يحاول دريدا من خلال طرحِه التفكيكيّ للحُب تجريدَ الذات من الصفات؟ لعلّ السَؤالَ الأهمّ: هل من المُمْكِن فصلُ الصفات عن الذات؟ أمْ أنّ “الصّفاتَ هي عينُ الذّات”، كما يقال؟ هل “الصفة هي المَوصوفُ أم غيره”؟ ماذا تكون الذّات بدون صفاتٍ تمنحها شكلًا و قالبًا مُحددًا؟ وإذا سلَّمنا بأنّ الصفات هي جزءٌ من الذات ألا يعني هذا بأنّ حُبّ المرء لصفاته هو أيضًا حبٌّ لذاته بحكمِ أنّها جزءٌ من هذه الذّات؟

إعلان

من المُهِمِّ الإشارة هنا إلى أنني لا أطرحُ هذه الأسئلة بهدف الإجابة عنها  -على الأقلّ بشكلٍ صريح- بقدر ما أحاول من خلالها نقدَ وتحليلً وجهة نظر دريدا الفلسفيّة للحُب من عدةِ زوايا، لكنني آملُ في فقرات المقال القادمة أنْ تتّضح هذه النقاطُ والأسئلةُ أكثر، بحيث يصبح معها القارئُ قادرًا على أنْ يُجيب عن هذه الأسئلةِ بنفسه.

الذَّات مركبٌ ثنائيّ:

يقولُ كيركجور: “الإنسانُ روحٌ ولكن، ما الروح؟ الرُّوح هي الذَّات. لكن ما الذات؟ الذَّاتُ علاقةٌ تربِط نفسها بذاتها. لكنّ الذَّات ليْسَت تلكَ العَلاقة، وإنّما تعتمدُ على أنّ تلكَ العَلاقة تربِطُ نَفسها بذاتها الخاصّة.  

عند كيركجور الذات لا تُولد بل تُصنَع، وهذا جوهرُ الوجوديّة عمومًا، أسبقيّة الوجودِ على الماهيّة. الذات إذنْ توجدُ على شكل نهايةٍ اكتملت ملامِحُها وليس بداية، وهي نهايةٌ أيضًا من حيث أنَّها مركبٌ ثنائيّ مُكونٌ من عاملينِ. يرسم كيركجور عدةَ صيغٍ للذّات. (2)

ولن تَسَعَنَا مساحةُ المَقَال أنْ نتوسّع في شرحِ كل صيغةٍ ولكن سنركّز على أهمّها بالنسبة إلى موضوعنا: المتناهي واللامتناهي؛ والمتناهي بحسب كيركجور هو عاملُ التحديد، واللامتناهي هو عاملُ الامتداد. والتحديد يقصدُ به هنا معطياتِ الذّات أو صفاتِ وجودها أو “وقائعيّة الذّات”، ويشْمَلُ الصفاتَ المِزاجيّة والوراثيّة، ودرجة الذكاء، والنفسَ، والجنس (ذكر أو أنثى)، والانفعال، المواهب ومواطن الضعف في النفس. أمّا عاملُ الامتداد فيعبِّر عنه كيركجور بالخيال “و هو هنا يعني عمليّة العرض الخياليّ المُستمرِّ الذي يغلب على الحالة الوجوديّة الرَّاهنة للذات؛ بأنْ يقذِفَ بها في ضروبٍ مختلفةٍ من المُمْكِنات التي تعد بأنْ تمدَّ النطاق الكيفيَ للذات فيما وراءَ اللحظة الرَّاهنة”. (3)

الحُبُّ عنْد ليبنتز وكانط:

نظريةُ الإدراكات الصَّغيرة (Tiny  perceptions) للفيلسوف الألماني ليبنتز تقول: “بأنَّ الإنسانَ يملكُ عددًا لامتناهيًّا من الإدراكات الصّغيرة في داخِلِه عن كلّ شيءٍ في الكَون وعن تجارِبه وتفاعله واتصاله مع الأشياء والآخرين في محيطه”. (4) والإدراك هُنَا يُقْصَد به: “الحالةُ الدَّاخلية للجوهرِ التي تعبِّر عن الأشياء الخارجيّة”؛ أي إن هذه الحالة تَمثُل للعالمَ الخارجي في نفس الجوهر أو الكائن الفاعل كما يعرِّفه ليبنتز. (5)

 هذه الإداركاتُ  تتشكّل بطريقةٍ لاشعوريّة/ لاواعية في مواقفَ ولحظاتٍ معيّنة، وهي صغيرةٌ ودقيقةٌ جدًا أو متجانسةٌ جدًا إلى الحدّ الذي يصعُبُ معه تمييزُها بشكلٍ مُنفصل، ولكن حينَ تجتمع هذه الإدراكاتُ مع بعضها البعض تصبحُ فعّالة، ومن خلالها يصبحُ للأشخاص تأثيرٌ ما في نفوسنا. (6)

ومن هُنا يمكن القول بأنّ نظريةَ ليبنتز تفتَرِضُ بأنّ الحُبَّ ناتجٌ ثانويّ عن إدراكاتنا الصّغيرة لصفاتِ ومواصفاتِ الشخصِ المَحبُوب. إذن، عندما يسألك أحدهم: لماذا تحبُّني أو ما الذي حبَّبّكَ فيّ؟ ولا تعرف كيف تجيبُ عن السؤال بشكلٍ صريحٍ ومباشر، فهذا لأن هناك أسبابًا لامتناهيةً إلى الحدّ الذي لا يمكنكَ معه معرفتها أو إدراكها. من المُهِمّ الإشارة هنا أيضَا إلى أنّ نظرةَ ليبنتز للحُبّ نظرةٌ منفعيّة إلى حدٍ ما؛ فهو يرَى أن مقدار رغبتنا في شخصٍ ما تتحدَّد بحسبِ مقدار السّعادة التي يَمْنَحُنا إياها هذا الشخص. وغالبًا ما تكونُ صفاتُ الشخص الجيّدة أو الحسنة، هي مصدرُ هذه السّعادة.

في المقابل، يرى كانط بأنّ الحُبّ الحقيقيّ هو الحُبّ الذي لا يقوم أساسُه على صفاتٍ مُعينة تمنحُ المُحبّ شعورًا بالسعادة والرضا، ويقولُ بأنّه يفسِدُ أصلَ الحُبّ الذي ينبغي أنْ يكون بدونِ أي مُقابل. ويوصَفُ الحبُّ عند ليبنتيز ب “الحب المساري” “Pathology love“؛ لأنه ناتجٌ عن عدّة مساراتٍ أو طرقٍ ترسمُ وتحدِّدُ مَيلنا لشخصٍ بعينه، وتفضيلنا له عن سِواه. والجدير بالذكر أنْ كانط يشيرُ هُنا إلى مُلاحظةٍ مُهمةٍ وشيّقة جدًا؛ وهي أنَّ الحب الفعليَّ أو الحقيقيّ (الاهتمام بالشخصِ بدون مقابلٍ سواءً كان شعوريًّا أو غيره)؛ سيؤدّي حتمًا إلى الحُبّ المساري؛ لأنّه سيثير في نفس الشخص المُعتنَى به مشاعرَ الحُبّ والامتنان تِجاه الشَخص الذي يهتمُّ به. وهذا الكلام واقعيٌّ وعمليّ؛ إذْ أنّنا دائمًا نميل إلى الأشخاصِ الذين يهتمُّون بنا. (7)

هل يخضعُ الحبُّ للشروط والأسباب؟

“الحبُّ الحقيقيّ غير مَشروط”،  “الحب الصّادق هو الحبُّ لذاته“، “ لا يوجد هُناك أسبابٌ للحُبّ”، وغيرها من المقولات التي نرددها و نسمعها ولكن لم نتوقّف لبرهةٍ عندها لفهمها وتفكيكها ولنسأل أنْفُسَنا: ما الذي نحبّه تحديدًا في الشخص الذي نحب؟ لا بدَّ أن هذا الحب يرتبط  بشيءٍ ما، و إلّا لماذا أحببتُ هذا الشخص بعينه دون كل الناس؟ من غير المنطقي أنْ نحبَّ شخصًا بدون سببٍ سواءً كان ذلك السبب واضحًا بالنسبة لنا أمْ غامضًا، وإلا لكانَ فعل الحبّ عشوائيَّا واعتباطيًّا، لا بد أن يكون في هذا الشخص شيءٌ ما لامسَنِي أو جذبني نحوه بطريقةٍ أو بأخرى، أو أنّه يمنحني شعورًا خاصًا لا يمنحه إيايَ الآخرون.

قد يجادل أحدهم ويقول: إذا كانَ الحب ناتجًا عن إدراكاتنا اللاشعوريّة لصفاتِ الشّخص أو بمعنًى آخر لو أحببنا الشخص لصفاته فهذا يهدّدُ استمرارية حبّنا لهذا الشّخص؛ لأنّ هذا يعني بأنّه سيكونُ قابلًا للاستبدال بشخصٍ آخر يَمْلِكُ صفاتٍ مطابقةً لصفاته وبالتالي فإنّ أساسَ هذا الحب هشٌّ أو ضعيف. لكن الأمر ليس بهذه البَسَاطة، الحُبُّ شعورٌ غامضٌ جدًا ومهما حاولت الفلسفة أو العِلم تفسيره يظلُّ تجربةً نفسيّة معقّدةً ومُتداخلة. مع ذلك أفضل قولٍ أو ردٍ واقعيّ وبسيطٍ على هذا النّوع من الجِدال هو أنّه في كثيرٍ من الأحيان يُحِبُّ المرءُ شخصًا بمواصفاتٍ يملكها غيره من دائرةِ أصدقائه أو معارِفه، ومع ذلك يختَاره قلبُه بشكلٍ خاصّ ليكون حبيبًا أو شريكًا له دون غيره، ولعلّ نظرية ليبنتز تفسّر سببَ ذلك نسبيًّا؛ فهي تقول بأنّ الجوهر (الكائنُ الفاعل) يملِكُ نزعاتٍ أو ميولًا معيّنة للإدراكات أو الحالات الداخلية في النفس. (8)

يقول راسيل بانكس: من أصعبِ الأمور التي نرغبُ في قولها لأحدِهم هي : أتمنّى أنْ تُحبّني دونَ سببٍ محدد، ورغم صعوبَتِها فنحن نتمنى قولها لأطفالنا، لآبائنا، لرفقائنا، لأصدقائنا وللغرباء، لكنَّنا نادرًا ما نتجرَّأ على ذلك”. (9)

المصادر : 
1)  الحب والوجود جاك دريدا
2) كيركجور رائد الوجودية،  د. إمام عبد الفتاح ص80
3) المصدر السابق ص 83 -ـ ص86
philosophical  essays by Gottfried Wilhelm Leibinz   p. 295  ( 4
5) كتاب نظرية التصورات الصغيرة ص 181  
(6)  المصدر الرابع 
(7)  https://twountruths.com/2016/08/12/nothing-compares-to-you-leibniz-and-kant-on-love/
(8) المصدر الخامس
(9) https://www.goodreads.com/author/quotes/15128.Russell_Banks  

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: شيماء يوسف

تدقيق لغوي: رنا داود

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.