تأخذك إلى أعماق الفكر

تفاهة الشر مراجعة لرواية القارئ.

أثار فوز كيت وينسلت بجائزة الأوسكار لأفضل ممثلة عن دورها في فيلم The Reader، جدلًا واسعًا يماثل في شدّته الجدل الذي صاحب ظهور رواية (القارئ) لبرنهارد شلينك التي اقتبس الفيلم عنها. تعالت صيحات الاحتجاج من بعض النقاد والصحفيين مطالبة بحجب الجائزة؛ لإن الفيلم يبرّر من منظورهم لجرائم النازية، بينما يرى آخرون في الفيلم والرواية طرحًا فلسفيًّا يستحق المناقشة والمساءلة.

يقع مايكل ـ الفتى المراهق بسنواته الخمسة عشرةـ في شباك علاقة غير متكافئة مع  هانا السيدة الثلاثينية، ويتكرّر مشهد قراءة مايكل مقاطع من الأوديسة لهانا بعد أن يفرغ من ممارسة الحب، لتشترط عليه لاحقًا، أن يقرأ عليها كتبًا في المرات المقبلة قبل الشروع في العلاقة.

تختفي هانا من حياته فجأة، ويعاني من تبعات هذا الهجر الكثير.

“لو كنت مكاني ماذا كنت ستفعل؟”

وما أن يستيقظ مايكل من هول الصدمة، ويتابع حياته في دراسة القانون، حتى يشهد ذات يوم محاكمة لعدد من السجّانات أبّان فترة الحكم النازي، متهمات بمقتل 300 امرأة يهودية حين تركن ألسنة النار تلتهم النسوة الأسيرات في الكنسية، ولم يستجبن للنداءات النسوة المستغيثات، وبقيت الأبواب موصدة والمفاتيح بحوزة السجانات لم تغادر جيوبهن قط، ولم تعرف الرحمة إلى قلوبهن سبيلا. في غمرة هذه المحاكمة يرفع مايكل رأسه حين يسمع صوت هانا التي كانت ضمن المتهمات، لتتهاوى آخر قلاع حبه المراهق أمامه.

تصل الرواية ذروة تأزمها الأخلاقي، حين تعترف هانا بدورها في الإبقاء على السجينات في الكنيسة وهي تحترق، بل وتنكر على القاضي اتهامه لها بانعدام إنسانيتها، وتسأله: ” لو كنت مكاني ماذا كنت ستفعل؟”

إعلان

تفاهة الشر

إن كان من اليسير علينا محاكمة راسكولينكوف بطل رواية (الجريمة والعقاب) لدوستويفسكي، إذ اعترف بجرمه ودوافعه النفسية والفكرية في مقتل المرأة العجوز التي وصفها بالقملة. فإنّنا ندخل في متاهة أخلاقيّة فلسفيّة مع رواية (القارئ).

لم تسائل هانا نفسها حول مسؤوليتها الأخلاقية ودورها في عمليات الإبادة النازية قبل المحاكمة. فالشر الصلب الذي وصفه زيجمونت باومان والذي يعتمد على مرجعية أخلاقية صلبة، من كره أو حقد، لم يكن حاضرًا في قصة هانا، فهي لم تقتل النسوة لإنها تكرههنَّ، أو لإنها تكنُّ لهنَّ مشاعر العداء، كل ما في الأمر أنها كانت تنفذ تعليمات عُليّا دون أي تفكير، دون أن يكون لها رأي شخصي خاص فيما يحدث. تمامًا كما وصفت إحدى شخصيات الرواية حال هانا:

” الجلاد ليس خاضعًا لأي أمر، إنه يؤدي عمله، ولا يكره الناس الذين يعدمهم، ولا يأخذ ثأره منهم، إنه لا يقتلهم لإنهم عقبة في طريقه، أو لأنهم يهددونه أو يهاجمونه. إنهم مجرّد أمر غير ذي بال بالنسبة له، لدرجة أن بوسعه أن يقتلهم بالسهولة نفسها التي يمكنه بها ألا يقتلهم.”[i]

يستحضرني مشهد الفيلسوفة الألمانية حنة أرندت، والسيجارة لا تفارق يدها، وهي تلقي محاضرتها حول تفاهة الشرّ في الفيلم الألماني الذي يتناول سيرة حياتها الفكرية في الستينيات من القرن العشرين بعد حضورها لجلسات محاكمة الضابط النازي أدولف آيخمان في القدس حين تقول:

“أعظم الشرور هي شرور يرتكبها أشخاص نكرات، ليس لديهم أي دافع ولا قناعات وليسوا سيئين، وليس لديهم غايات شيطانية، يرتكبه أناس يرفض الواحد منهم أن يكون شخصا”.

إن كانت أرندت ترى أن أعظم المجازر قام بها أناس مثل آيخمان لا يكنون أية مشاعر عدائية أو كره للضحية، فهذا لا يعني انتفاء تهمة الفساد الأخلاقي. تمثل هانا النموذج الأنثوي من شخصية آيخمان النازية، فهي قد تورطت في عمليات الإبادة مدفوعة بما أسماه زيجمونت باومان ب (غريزة إتقان الصنعة).

إذ انصاعت غريزيًّا لتنفيذ الأوامر دون مساءلة أخلاقية حول إن كانت تلك الأوامر التي تدفعها لترك النسوة يحترقن في الكنسية تعد أمرًا أخلاقيًّا أم لا، فالشر يكمن في التفاصيل اليومية حتى يبلغ حد الاعتياد، عندها نصل إلى مرحلة العمى الأخلاقي كما أسماها باومان.

تستدعي هذه الأزمات الأخلاقية ضرورة وضع المجتمع في قفص الاتهام في محكمة الأخلاقيات، والطريق الوحيد إلى الحفاظ على الأخلاق هو العصيان، وأن نضع أوامر الأخلاق فوق جميع الأوامر الأخرى.

لكن ألم تقدم هانا على تصرفاتها في ظل دولة كانت ترى في تلك الأفعال أمورًا قانونية؟

يدفعنا هذا السؤال إلى التطرق لنظرية بول ريكور الذي تحدث عن (المسؤولية الإجرامية) التي يتحمل فيها الفرد مسؤولية الذنب، بينما في (المسؤولية السياسية) يتحمل النظام السياسي عبء العمليات الإجرامية، وفق هذا التقسيم يمكن القول إن هانا كانت مجرد موظفة إدارية في نظام مجرم، وهي تمثّل نفسها، ولا تمثل النظام النازي بمجمله، والشر الذي قامت به يدل على شخصية سطحية تخلو من العمق. فالشر ليس شيئا جذريا في تركيبتها النفسية. لكن هذا الأمر لا ينفي أيضا مسؤوليتها عن أفعالها، فهناك الكثيرون ممن وقفوا ضد هذا النظام ممن خسروا وظائفهم مثل والد مايكل، أو حتى قتلوا.

تصاب آمالنا بمقتل حين ندرك أن القانون في الدول لا يرتبط دومًا بقيم العدالة أو الإنسانية، فالعبودية كانت مشروعة قانونيًا، والتمييز العنصري كذلك، فما الذي يكفل لنا أن تكون القوانين عادلة؟

تشومسكي وميشيل فوكو

هذه المعضلة الأخلاقية تناولها كل من المفكرين ناعوم تشومسكي وميشيل فوكو في مناظرة تلفزيونية شهيرة في عام 1971، ناقشا فيها متى يكون عصيان القانون عملًا أخلاقيًا؟

ذهب فيها تشومسكي إلى القول بأن القوانين قد تتعارض مع العدالة، فقد تكون العديد من التشريعات قانونية لكنها تخلو من العدالة. نلمح في حوار مايكل مع الرجل العجوز الذي أوصله بالسيارة إلى المعتقل، والذي يبدو أنه كان جنديًا نازياً فيما مضى بعضا مما طرحه المفكرين السابقين في مناظرتهما.

يسأل مايكل: “ما هو القانون؟ هل ما يوجد في الكتب، أم ما يبقَ بالفعل، ويتبعه المجتمع؟

أم أن القانون هو ما يجب تطبيقه واتباعه، سواء كان في الكتب أو لم يكن؟

– آه أنت تريد أن تفهم لماذا بوسع الناس ارتكاب مثل هذه الأشياء الفظيعة؟ ما الذي تريد أن تفهمه؟ أن الناس تقتل بدافع الشغف، أو الحب، أو الكره، أو من أجل الشرف، أو الانتقام، أهذا ما تريد أن تفهمه؟

لكن الناس، الذين قُتلوا في المعسكرات لم يفعلوا شيئا للأشخاص الذين قتلوهم، أهذا ما تريد أن تقوله؟ هل تقصد أنه لم يكن هناك سبب للكره ولا للحرب؟”[ii]

أينفي ارتكاب جرم مهما عظم شأنه الجانب الإنساني للمجرم؟

حرصت هانا في علاقتها مع مايكل على طقوس الاغتسال، فقد كانت تلك الطقوس ملازمة لعلاقتها به، بل إن بيتها كان يعبق بروائح المنظفات، يمكننا القول إن حرص هانا على النظافة والاغتسال يعكس رغبة خفية في التطهر الروحي يشابه التطهر الجسدي الذي تقوم به.

يقول مايكل:

“في الماضي أحببت بشكل خاص رائحتها. دائما ما كانت تفوح منها رائحة طازجة، رائحة حمام منعش وملابس منعشة..”[iii]

كانت هانا تشعر بأنها مسؤولة بطريقة أو بأخرى عن مايكل، كان دائما في نظرها (الولد) أو (الفتى) كما كانت تحب أن تناديه، كانت هي من تقود هذه العلاقة وترسم مسارها، ولا تتوانى عن استخدام القوة والعنف إن شعرت بما يجرح كرامتها، ومع ذلك كانت تشعر بخجل لا يوصف أمام مايكل بسبب أميتها، ذاك هو سرها الذي دفعت ثمنه غاليا فيما بعد، تصف هانا حالتها بقولها: ” دائما ما كان ينتابني شعور بأنه ما من أحد فهمني على أي حال، ما من أحد عرف من كنت، وما الذي جعلني أفعل هذا أو ذاك، وأنت تعرف عندما لا يفهمك أحد، فلا أحد يطلب منك تفسيرا، ولا حتى هيئة المحكمة كان يمكنها محاسبتي، لكن الموتى يمكنهم ذلك… كانوا في السجن معي كثيرا، كانوا يأتون كل ليلة، سواء أردتهم أم لا، قبل المحاكمة كان لا يزال بوسعي طردهم عندما يريدون المجيء.”

ليس هناك شيء متأخر.

قد أدركت هانا لاحقا قبح جرمها، وحاولت التكفير عنه، بالتخلص من أميتها، فتعلمت في السجن القراءة والكتابة، وعكفت على قراءة ما يسمى أدب الضحايا، إلى جانب قراءة سير الجناة، وخصصت أموالها للناجية من المحرقة بعد موتها.

فهل هناك فعلا علاقة بين الأميّة والأخلاق؟

يعبر مايكل عن موقفه من الأمية قائلا:

“الأمية هي التبعية، وبعثورها على الشجاعة لتتعلم القراءة والكتابة، تقدمت هانا من التبعية إلى الاستقلال، وهي خطوة ناحية التحرر.”

لكن ماذا عن مئات العلماء، والمهندسين وأصحاب الشهادات العليا الذين انخرطوا في عمليات الإبادة؟ ألم يشفع لهم علمهم بالتمتع بحس أخلاقيّ سام؟ فهل تجعلنا قراءة الأدب أكثر أخلاقيّة، وهل تعزز  حساسيتنا وتعاطفنا مع الآخرين؟

يبدو أن مؤلف الرواية ينحاز إلى المقولة التي تؤكد على الدور الأخلاقيّ للأدب، فهانا حين تعلمت القراءة عكفت على قراءة الأدب، الأدب بما يحمله بين جوانحه من قيم إنسانية، من روح، وعاطفة، من سبر لأغوار الذات الإنسانية.

فالأدب هو خلاصة رؤية الكاتب للحياة والوجود. هو تعبير عن خصوصية (الأنا) وتفردها، وذلك ما كانت تفتقده هانا حين كانت تعمل في المعتقلات النازية بأسلوب آلي يفتقر إلى إعمال العقل والعاطفة. بل إن هانا قد أصبحت قادرة على تشكيل رأي نقدي أدبي خاص بها كما في قولها: “قصائد جوته أشبه بالمنمنمات في إطار جميل..“

تحمل العتبة العنوانية للرواية بلغتها الألمانية معنى القارئ الذي يقرأ بصوت عالٍ، هذا الفعل ينطوي على معنى المشاركة، ووجود متلق ينصت للآخر. يقول مايكل عن التسجيلات الصوتية للكتب التي كان يرسلها لهانا وهي في السجن:”كانت القراءة بصوت عال طريقتي للتحدث إليها ومعها.”  يحمل العنوان في طياته دعوة لمحاربة الأمية، ونشر ثقافة القراءة، وتأتي نهاية الرواية معززة لهذا التأويل، إذ تخصص أموال هانا بعد موتها لدعم جمعيات يهودية لمكافحة الأمية.

“الماضي لا يموت أبدًا، بل هو حتى ليس بماضٍ انقضى وزال.”

يلوح في الأفق سؤال حول المغزى من توظيف علاقة امرأة ثلاثينية مع مراهق؟

تتماهى شخصية هانا مع ماضي ألمانيا النازية، فهي من جيل الآباء الذي عاصر تلك الحقبة التاريخية السوداء. بينما يمثل مايكل (الجيل الثاني بعد الحرب).

يبدو أن الكاتب قد عمد إلى استحضار الماضي لمحاكمته من خلال شخصية هانا، فيما بات يعرف في ألمانيا بأدب الأب Father Literature، وهو الأدب الذي يساءل الآباء عن دورهم في الحرب. فالرواية محاولة من الجيل الثاني للتصالح مع جيل آبائهم أبان المجازر النازية.

يقول روبرت إيغلستون:

“لا تسعى الرواية المعاصرة إلى أن تكون انعكاسا للتغيرات الاعتيادية التي تحصل على صعيد فهمنا للماضي فحسب، بل ترمي لمساءلة الكيفيات التي ننتمي بها للماضي وكذلك مساءلة تجربتنا الإنسانية بشأن ماضوية الماضي ذاتها.”

تضج رواية القارئ بتساؤلات الجيل الثاني الذي شعر بهول ما حدث، فاختلاف الماضي عن الحاضر هو تحديدًا ما يجعله مدهشًا، ومستعصٍ على الفهم أحيانًا أخرى.

” كيف بوسع هؤلاء الذين، الذين ارتكبوا جرائم النازية، أو شاهدوها تحدث، أو أشاحوا بوجههم عنها عند حدوثها، أو تسامحوا مع المجرمين ممن بينهم بعد عام 1945 أو حتى قبلوها، كيف بمقدورهم أن يكون لديهم شيء ليقولوه لأبنائهم؟ لكن على الجانب الآخر كان الماضي النازي يمثل قضية حتى بالنسبة للأبناء، الذين لم يستطيعوا اتهام آبائهم بأي شيء أو لم يرغبوا في ذلك. بالنسبة لهم، الاشتباك مع الماضي النازي لم يكن مجرد شكل من أشكال صراع الأجيال، إنما كان القضية نفسها.”

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: رائدة نيروخ

تحرير/تنسيق: خالد عبود

تدقيق لغوي: بيسان صلاح

تدقيق علمي: مجد حرب

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.