تأخذك إلى أعماق الفكر

عن كتاب “السيد ديكنز وترنيمته”

“السيد ديكنز وترنيمته” هي رواية لأولئك الذين افتتنوا بالسَّيد تشارلز ديكنز، بعد استمتاعهم بمشاهدة الفيلم الشهير “ترنيمة عيد الميلاد”، المأخوذ عن رواية “ديكنز” الصَّادرة تحت نفس الاسم.

الرواية هي، في مجمل الأمر وبعيدًا عن كلِّ التصنيفات، رسالة إعجاب -رسالة حب- “، بالنَّظر إلى تصريح “سيلفا” السابق، يمكننا أن نفسر لماذا يُصنَّف الكتاب في بعض الأحيان ككتابٍ خفيفٍ يصلح لأوقات الراحة والعطلات، حتى إنَّ سيلفيا نفسها أخضعت بعض فقراته لما ظنَّته قد يندرج تحت بند كوميديا الموقف؛ كأنْ جعلت “ديكنز” الوقور -على سبيل المثال- في أحد فصول الرواية يخطو إلى “كومة من فضلات كلب”.

لكنَّ الكتاب يتعالى على هذه الصورة النمطية للكوميديا، وذلك فور أن تُركِّز “سيلفا” جُلَّ اهتمامها على لحظاتٍ تُحفّز خيالها على الإبداع. تلتقط “سيلفا” ببراعةٍ شاعريَّةٍ اللحظات التي اختارها ديكنز للهروب من واقعه؛ حين يفرُّ من مكتبه أو من وطئ المعارك المستمرة مع زوجته، ثم يذهب لجولةٍ معتادةٍ في منتصف الليل حول لندن: “كان الضباب يحوم مؤطرًا حواف قبعات سائقي سيارات الأجرة، متدحرجًا أسفل السلالم، ملتفًا حول شحاذين ملتحفين أغطية صوفية يعلو وقع شخيرهم، ومتسللًا أسفل نهر التايمز، عابرًا جسرًا تلو جسر

إعلان

ترسم “سيلفا” بكلماتها صورة مقنعة عن طاقة ديكنز المضطربة، ومظاهر ذلك الاضطراب المتمثل في طبعه القلق، واهتمامه الشديد باستحسان المجتمع لسلوكه، وكيف أنَّ نرجسيته يمكن أن تحرق هؤلاء الذين اقتربوا لهذا الحد من سعيرها. بعد تقديم لمحة عن زوجته (كاثرين)، وأطفاله، تُقصيهم “سيلفا” خلف الكواليس، مانحةً دور البطولة الرئيس لامرأةٍ شابَّة تصبح محور اهتمام وانشغالية ديكنز الرومانسية خلال الأسابيع القليلة التي يجري خلالها زمن الرواية. تستوحي “سيلفا” هذه العلاقة جزئيًّا من علاقته الشهيرة مع الممثلة الشابة إلين تيرنان، والتي لم تبدأ في الواقع حتى عام 1857. منحت “سيلفا” لشخصية “إليانور لافجوي” -العشيقة- ابنًا صغيرًا يُدعى “تيموثي”، والذي سرعان ما يؤذي ساقه في أحد المشاهد، فيمنحه “ديكنز” عكازًا.

لا تستسلم “سيلفا” لرتابة الأحداث، وإنَّما تلجأ في غير موضعٍ إلى خلق الصدف. يسترق “ديكنز” السمع في الرواية للانتقادات التي تُتلى عن سمعته ويعدو في أوقاتٍ متأخرةٍ من الليالي الضبابية لسماع “ماريا بيدينيل” تتحدث عنه. كانت “بيدينيل” الحقيقية حب “ديكنز” الأول وذلك في أوائل عام 1830. لم يعتبره والداها زوجًا جديرًا بابنتهما. وقد جمعهما القدر مرَّة أخرى في عام 1855، ولكنَّ نتيجة اللِّقاء كانت مخيبة للآمال، الأمر الذي حرّض ديكنز ليصوِّرها بشكلٍ ساخرٍ قاسٍ في شخصية “فلورا فلينشينج” في روايته “دوريت الصغيرة”. ظهرت شخصية “بيدينيل” في رواية “سيلفا” في وقتٍ أبكر من العام الذي التقت فيه “ديكنز” في الحقيقة، وكانت لا تزال شابَّة ونحيلة في أول ظهور لها في الرواية، كما أنَّها تزوجت في رواية “سيلفا” في تاريخٍ مبكرٍ قليلًا عن تاريخ زواجها الحقيقي. كانت “بيدينيل” تتجسَّد في الرواية كلما استدعتها “سيلفا” بغرضٍ ما، وكانت تظهر من العدم، مسبوقة بصوتِ الرَّاوي الذي كان يقدم لظهورها بجملٍ من قَبِيل: “لم يكن يصدق ما تراءى أمام عيونه.”

نُشرت رواية “ديكنز” “ترنيمة عيد الميلاد” في أواخر عام 1843، وتحديدًا في وقت بداية عطلات أعياد الميلاد، وقد وثّقت “سيلفا” هذه الحقبة جيِّدًا، كما أنَّها اتبعت نهجًا مدققًا في نسج بعض التفاصيل التاريخيَّة في قصتها وبالتالي لم تتوانَ عن تسليط الضوء عليها.
ـ “الشاي، الآن؟” يسأل ديكنز
تردّ ماريا: “ألم تسمع عن الاستياء العام بخصوص فترة الظهيرة؟ ذلك كوننا نتناول العشاء في وقتٍ متأخر، صرنا جميعًا بحاجةٍ إلى وجبة خفيفة للحفاظ على نشاطنا لبقية اليوم. لابدَّ وأنَّك قد جرَّبت هذا الشعور القاتل بالفراغ في فترةما بعد الظهيرة؟ بالطبع، يرجع الفضل لدوقة بيدفورد في ابتداع هذه العادة”.*

أمَّا عن نكات “سيلفا” التي زرعتها في مونولوجات الرواية فليست بمحلها. يشتكي “ديكنز” في الرواية قائلًا: “منزلي بيت موحش“*. “ولقد كان أطفاله يتطلعون إليه تحدوهم آمال عظيمة“*. وبينما تسعى جمعية “إيبينزر تيمبرانس”* إلى الحصول على تبرعٍ من “ديكنز”، يصرخ “ديكنز” قائلًا: “وددت لو سخرت منهم وأشبعتهم ضربًا، وددت لو عاملتهم كسكرودج محترم“* بعد خمسين صفحة، يوقّع ديكنز سجلًا في فندق (في فورنفال إن) حيث عاش وكاثرين لفترةٍ وجيزة في بداية حياته المهنية، تحت اسم إيبينزر سكرودج.*
أقدم “ديكنز” في رواية “سيلفا” على إخفاء هويته بهذا الشَّكل، غير أنَّه لم يكن مضطرًا لفعل هذا، فموظف الفندق لم يتعرف عليه فعليًّا على الرَّغم من اليافطة التي أشارت بوضوحٍ: “نزل عندنا تشارلز ديكنز ذات يوم”.

في المشهد التالي تحيد “سيلفا” عن الاتجاه الفودفيلي* الترفيهي وتتلبّسها روح “ديكنز” الخيالية مرَّةً أخرى؛ “يخلع ديكنز قبعته بهدوءٍ أقرب للوقار بينما يدخل إلى الغرفة رقم 13 القابعة في نهاية الدَّرج المتهالك. أشعل حاجب الفندق شمعة لينير بها مصباح الزيت ذا الزجاج الغائم شبه المعتم … أجرى “ديكنز” يده عبر الطاولة القديمة، متفقدًا شقوقها وآثار الحروق البنية وحتى بقع الشمع الدائرية المصفرة. يحفظ “ديكنز” هذه العلامات كلها عن ظهر قلب.”
حتى في أسوأ حالاتها، تدفعنا “سيلفا” على التصفيق لزلاتها، ولكنَّها عندما تريد، فهي تستسلم لوقع حساسية “ديكنز” لأجواء “لندن”، مستشاريها وقنافذها، وحتى حصاها وضبابها.

هامش
*دوقة بيدفورد، الدوقة التي يُعرف عنها كونها أنشئت الوجبة البريطانية الشهيرة المعروفة بشاي ما بعد الظهيرة
• إشارة وإسقاط على رواية "ديكنز": "البيت الموحش"
• إشارة وإسقاط على روايته "آمال عظيمة"
• إشارة وإسقاط على الشخصية الرئيسية بروايته "ترنيمة عيد الميلاد": "إيبينز سكرودج"، والسخرية هنا جاءت من كون الشخصية اصلًا لرجلٍ بخيل لا ينفق أمواله أبدًا
• بالإشارة إلى الهامش السابق، استخدمت المؤلفة اسم "سكرودج" وحوّرته إلى فعل "scrouge" في إشارة إلى رفض "ديكنز" التبرع.
• سبق الإشارة إلى معنى الاسم في الهوامش السابقة
• الفودفيل: اتجاه مسرحي ترفيهي، يقصد به كاتب المقال الإشارة باستياء إلى كثرة النكات التي أوردتها المؤلفة في غير موضعها.
بقلم: مايكل سيمز

إعلان

أفادك المقال؟ شاركنا رأيك في التعليقات.

مصدر مصدر الترجمة

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.

فريق الإعداد

إعداد: رولا عادل

تدقيق لغوي: مرح عقل

تعليقات
جاري التحميل...