مهارات إدارة الوقت الجيدة لها تأثير أكبر على الصحة النفسية من أداء العمل

مع ازدياد مشاغل حياتنا، ازداد تركيزُنا على السرعةِ والكفاءة في إنجاز مختلف الأنشطة، وهذا ما أظهره ارتفاعُ الإقبال على تطبيقاتِ سرعة القراءة، ونَقْص التمتُّع بأوقات استراحةٍ في العمل، والتركيز العام على الإنتاجية. لذلك تحظى المهاراتُ الجيِّدة لإدارة الوقت بتقديرٍ كبير، سواء في العمل أو في البيت.

لكن هل هذه الأساليب فعّالة في الواقع؟ وجَدَ “براد أيون” من جامعة كونكورديا وزملاؤه في تحليل تلوي (تحليل تلوي هو عملية إحصائيّة لجمع البيانات من عدد من الدراسات المستقلّة لنفس الموضوع) الذي نُشرَ في الجريدة الإلكترونية “بلوس وان” أن هذه الطرق فعالة، ولكن ربما ليس للأسباب التي تتوقعها؛ إذ في حين أصبحت مهارات إدارة الوقت أكثرَ أهميّة في تقييم الأداء الوظيفي منذ التسعينات، فإنّ أكبرَ تأثيرٍ لها يكمن في أماكن أخرى، وهو ما نقصد به الصحة النفسية.

باختصار، تُعتَبَر مهارة إدارة الوقت إطارًا لصنع القرار، ممّا يُساعدنا على هيكلة وحماية وتكييف وقتنا في الظروف المتغيرة، لذلك يمكن قياسه من خلال أسئلة مثل: “هل لديك روتين يومي؟” و”هل تجد صعوبة في قول لا؟” و”هل تقيم جدولك اليومي؟”. كما يعتبر تحقيق التوازن بين العمل والحياة والمواقف إزاء الوقت وإدارته ركائزَ أساسيّة.

ولاكتشاف فعاليّة إدارة الوقت، جمع الفريق 158 ورقة من منتصف الثمانينيّات إلى عام 2019م، نُشرَت في المجلّات التي تهتمّ بمجال الأعمال والحوسبة ودراسات الجنسين وعلم النفس وعلم الاجتماع والتعليم، كما تمّ إدراج أوراق تتعلق إما بجداول أو إستبانات إدارة الوقت. (من المثير للاهتمام أنّ دراساتِ إدارة الوقت أصبحت أكثرَ شعبيّة بين عامَي 2000م و2010م؛ ممّا يشير إلى اهتمامٍ أوسع بالموضوع).

شملت هذه الدراسات دراساتِ إدارة الوقت في الأوساط الأكاديمية وأماكن العمل، والاختلافات الفردية في تقسيم هذا الوقت وتأثيرها على عوامل الصحة النفسيّة مثل الرضا عن الحياة والقلق والاكتئاب وتأثيرها الإيجابي والسلبي.

إعلان

استنتج الفريقُ من خلال التمعُّن في النتائج الصادرة عن كلِّ هذه الدراسات أنَّ إدارة الوقت لها تأثير معتدل وإيجابي على أداء العمل، سواء من حيث تقييم الأداء من قِبَل المديرين، أو عوامل مثل التحفيز والانغماس في العمل. وقد أصبحت العلاقة بين إدارة الوقت والأداء الوظيفي أقوى عبر السنوات التي نُشرَت فيها الدراسات، وهو اقتراح آخر بأنّ إدارة الوقت أصبحت عاملًا أكثر أهمية في حياة الناس. ولم يكن هذا الرابط قوي في البيئات الأكاديمية، إذ بدا أن لإدارة الوقت صلة أضعف بدرجات الاختبارات أو المعدّلات ممّا كانت عليه بالنسبة لمراجعة الأداء في العمل.

ارتبطت معظم الاختلافات الفردية ارتباطًا ضعيفًا بمهاراتِ إدارة الوقت، وكمثال على ذلك، تتمتّع النساءُ بمهاراتٍ أعلى في إدارة الوقت من الرجال، ولكنّ هذا الارتباط كان ضعيفًا. ازدادت مهاراتُ المرأة في إدارة الوقت على مدى الجدول الزمني لتحليل تلوي، ومع ذلك، ربما كان ذلك علامة على جداول زمنيّة أكثر انشغالًا، وحاجة أكبر للقيام بالعديد من المهام في نفس الوقت.

على الرغم من الروايات التي تشير إلى أنّ مهارة إدارة الوقت ترتبط بالعمل أولًا، أو هي مهارة ترتكز أساسًا على الحياة المهنية، فإنّ الرابِطَ الأقوى يكمُن بين التمكُّن الجيّد من إدارة الوقت والصحة النفسية. لذلك فإنّ تأثير مهارة إدارة الوقت على الرضا عن الحياة أقوى بنسبة 72 بالمئة ممّا كان عليه الرضا الوظيفي، كما قلّلت مهارة إدارة الوقت من الشعور بالضيق.

على عكس الاعتقاد الشائع، تشير النتائج عمومًا إلى أنّ لإدارة الوقت تأثيرًا إيجابيًّا أكثر على الصحة النفسية منه على العمل، وبالرغم من ذلك، فإنّ العملَ وإدارة الوقت يرتبطان بشكلٍ واضح، فمثلًا إن كنت تَحظى بوقتٍ سيءٍ في  العمل فمن المُستَبعَد أن يكون مؤشِّر رضاك عن حياتك عاليًا، ولكن قد تعني النتائج أن الصحة النفسية ليست مجرد نتيجة ثانوية لحياةٍ عمليةٍ تُدار بنجاح، وإنّما يمكن أن تكون نتيجةً مباشرة لمهارات إدارة الوقت الجيدة.

قد لا ترغب في وضع الكثير من المجهود في إدارة الوقت لوحدك، ومع ذلك يقول الفريق أن التمكُّنَ من مهارة إدارة الوقت غالبًا ما يشكل الفارق؛ إذ تؤثر أشياء مثل الدخل والطبقة والتعليم في كيفية إدارتنا للوقت، ويستعملون العبارةَ الساخرة لتوضيح وجهة نظرهم، والتي تقول: “أنت تحظى بما تحظى به بيونسيه من عدد ساعات في اليوم”، وعلى الرغم من أن هذا صحيح من وجهة نظرٍ فنيّة، إلا أن الاختلاف يكمن في أن بيونسيه تمتلك فريقًا كاملًا من المربيات، والسائقين، والطهاة، والمدربين الشخصيين، إلى غير ذلك؛ وهذا من أجل إدارة وقتها، وبالتالي فهي تتمتع بساعات يومهم ويومها.

من غير المرجح أن يحقّقَ الأشخاصُ الذين لا يملكون مثل هذه الموارد الكثيرَ،  الأشخاص الذين يفعلون، وفضحهم لعدم فعل لك لا طائل منه. وعلى الرغم من أن مهارة إدارة الوقت قد لا تُقدّر بثمن في حياةٍ مزدحمةٍ، فمن المفيد أيضًا أن نتذكر كلمات الدكتورة ماريا كوردوتيس في إصدار نوفمبر لمجلة علم النفس: “أنت تمثل أكثر من إنتاجيتك”.

نرشح لك: ما هو قلق الوقت.. وكيف يمكن مواجهته؟

رابط المقال الأصلي

إعلان

أفادك المقال؟ شاركنا رأيك في التعليقات.

مصدر مصدر الترجمة

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.

اترك تعليقا