بعد معركة سيف القدس لن تعود الأوضاع كما كانت

بعد إعلان وقف إطلاق النّار في غزّة في صباح يوم الجمعة 21 أيار 2021 يبدو أنّ الإسرائيليّين والفلسطينيّين قد يكونون مستعدّين للعودة إلى وضعهم الرّاهن الهشّ، رغم أنّه محموماً. لقد زعم المسؤولون الإسرائيليّون أنّ أهدافهم العسكريّة قد تحقّقت بعد ما يقرب من أسبوعين من القصف المتواصل على قطاع غزّة المحاصَر، أمّا حركة المقاومة الإسلاميّة حماس -الّتي أطلقت أكثر من 4300 صاروخاً على الأراضي الإسرائيليّة من مَعْقَلِها في غزّة- فقد أعلنت نوعاً من النّصر.

من المُحتمَل أنّ حماس تخرج من المعركة كما حدث في جولات سابقة مُمزّقة لكنّها غير مَحنيّة. ولعلّ مكانة حماس قد تعزّزت في أعين البعض من موازيها لأنّها واجهت دولة إسرائيليّة ما زالت تحتفظ باحتلال ثابِت للملايين من الفلسطينيّين. ناهيك عن أنّ هناك مئات الفلسطينيين وعشرات الأشخاص في إسرائيل فقدوا أرواحهم في هذه العمليّة.

أمّا بالنّسبة للعديد من المحلّلين والمراقبين المقرّبين من الصّراع الإسرائيليّ الفلسطينيّ،  فقد لا تعود الأمور إلى ما كانت عليه من قبل؛ فحدّة جولة العُنف الأخيرة فَاجَأَتْ كُلّاً من الحُكومة الإسرائيليّة وإدارة بايدِن.. ولكن ما كان عليهم أن يتفاجأوا!

صواريخ في سماء اللّيل أطلقت باتّجاه الأراضي المحتلة من بيت لاهيا – شمال قطاع غزة  14 مايو 2021

تمّ إذكاء لهيب الجمر خارج غزة بسبب استفزازات الشّرطة الإسرائيليّة وتمادي حُرّاس اليمين المتطرّف اليهوديّ في القيام بمسيرات حول القدس. أمّا الاحتجاجات الفلسطينيّة على عمليّات الإخلاء المخطّط لها في المدينة المقدّسة المتنازع عليها والاشتباكات الّتي أعقبت ذلك فقد ارتفعت إلى أعلى مُستوى عندما قرّرت قوّات الأمن الإسرائيليّة اقتحام المسجد الأقصى. حينذاك تصدرت حماس الموقف للدّفاع عن ثالث أقدس مكان في الإسلام وعن المطالبات الفلسطينيّة الأوسع نطاقاً في القدس، وقامت بشنّ هجماتها. إنّ الحرب النّاجمة عن ذلك امتدّت عبر الأراضي الواقِعة بين النّهر والبحر مع وقوع اشتباكات في الضّفّة الغربيّة واشتباكات بين العرب واليهود الإسرائيليّين  في مُدن داخِل حُدود “إسرائيل” عام 1967.

وقد كشف انفجار التّوتّرات عن الاختلالات الدّاخليّة بين المعسكرين السياسيَّيْن الإسرائيليّ والفلسطينيّ. بالنّسبة للأوّل، فإنّ عامين من الدّعاية الانتخابيّة المتواصلة والفشل في تشكيل ائتلاف حاكم مُستقرّ سواء مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أو بدونه فقد أَضْعَفَ الحُكم، كما جلب جماعات يمينيّة مُتطرّفة -كانت تُعتبر ذات يوم متطرّفة أكثر ممّا ينبغي- إلى التّيّار السّياسيّ السّائد. وبالنّسبة للثّاني، فقد تفاقمت أزمة الشرعيّة الّتي تُواجه السّلطة الفلسطينيّة المحاصَرة ورئيسها المُسِنّ محمود عبّاس، وجاءت العمليّات العسكريّة المتجدّدة لحماس عقب قرار اتّخذهُ عبّاس بإلغاء أوّل انتخابات فلسطينيّة مُقرَّر إجراؤها بعد أكثر من عقد ونصف من الزّمان.

إعلان

قد يروّج المسؤولون الإسرائيليّون والأمريكيّون لعودة “الهدوء” بعد وَقْف إطلاق النّار لكنّ الخبراء يخشون العكس. فلا يوجد حوار هادف بين سلطة فلسطينيّة ضعيفة لا تحظى بشعبيّة وحكومة إسرائيليّة يمينيّة؛ حيث يرفض العديد من السياسيّين الآن صراحةً فكرة دولة فلسطينيّة مُستقلّة. إنّ نظام إسرائيل المتأصِّل في السّيطرة على الأراضي الفلسطينيّة وضمّها الزّاحِف للأراضي الفلسطينيّة -دون أيّ رادِع لسنوات من قِبَل الولايات المتّحدّة المُنصاعَة -قد يُثير المزيد من المُقاومة الغاضِبَة.

كتب (خليل الشّقاقي) المحلّل السّياسيّ الفلسطينيّ وخبير استطلاعات الرّأي: “بالنّظر إلى الجهود الإسرائيليّة الرّامية إلى تهميش عبّاس والسّلطة الفلسطينيّة، لن يكون من السّهل إبعاد الضّفّة الغربيّة عن الصّراع القادم أو حتّى الصّراع الحاليّ”. وأضاف: “إنّ التّنسيق الأمنيّ بين إسرائيل والسّلطة لن يكون كافياً لاحتواء النّيران المتصاعدة. وبالنّظر إلى الخطاب الّذي يدور حول الضّمّ، فلن تكون أيّ حكومة يمينيّة إسرائيليّة مُستعدّة أو قادرة على تجديد عمليّة سياسيّة تتطلّب مُفاوضات مع قيادة السّلطة الفلسطينيّة ولا حتّى خطوات تدريجيّة صغيرة”.

 

مستوطنون إسرائيليّون يعيشون بشكل غير قانونيّ على الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة في الضّفّة الغربيّة

إنّه كان أمراً محتوماً منذ زمن طويل، ففي دراسة حديثة استقصائيّة لعُلماء الشّرق الأوسط المقيمين في الولايات المتّحدّة، اعتبر أغلبهم الآن أنّ حلّ الدّولتين مستحيل. فعدد المستوطنين اليهود في الضّفّة الغربيّة والقدس الشّرقيّة – في المكان الّذي يُفترَض أن تنشأ فيه دولة فلسطينيّة – قد ازداد سبعة أضعاف منذ تسعينيّات القرن العشرين. بعد أن كانت على هامش السّياسة الإسرائيليّة، أصبحت حركة المستوطنين الآن طليعة اليمين الإسرائيليّ. وعلى غرار حلفائها الأمريكيّين في الحزب الجمهوريّ ليس لليمين الإسرائيليّ مصلحة في السّعي وراء تحقيق أهداف الدّولتين المنصوص عليها في اتّفاقية أوسلو عام 1993.

كتبت (تامارا كوفمان ويتس – من كبار الباحثين في معهد بروكينغز): ” إنّ التّخلّي الإسرائيليّ الرّسمي عن التّسوية التّفاوضيّة إلى جانب الاستمرار في التّوسُّع الاستيطانيّ والتّرحيل القسريّ للعائلات الفلسطينيّة في القدس الشّرقيّة والمجتمعات في الضّفّة الغربيّة خلق أزمة جديدة لا مفرّ منها تقريباً. لقد اتّضح بدون شكّ ما كان واضحاً مُسبقاً للكثيرين: إنّ إطار أوسلو قد استنفد، والأساس المنطقيّ للنّظام السّائد في الضّفة الغربيّة -بما في ذلك وجود السّلطة الفلسطينيّة- قد ولّـى”.

والآن هناك عدد متزايد من الشّخصيّات البارزة والدّبلوماسيّين الّذين راهنوا بحياتهم المهنيّة على بناء دولتين يدركون أنّ الحقائق على أرض الواقع تجعل ذلك خيالاً لا أكثر. قال مروان المعشر الدّبلوماسيّ والسّياسيّ الأردنيّ السّابِق الّذي لعب دوراً رائداً في مبادرة السّلام العربيّة قبل عقدين من الزّمن-  في حدث افتراضي حيث استضافتهُ مؤسسة كارنيغي للسّلام الدّوليّ يوم الأربعاء: “لقد تمّ تنفيذ عمل أوسلو، وانتهى الأمر. أنا مع حلّ الدّولتين بالتّدريب، وأنا مع حلّ الدّولة الواحدة على أرض الواقع”.

أمّا قدامى المحاربين الآخرين في حقبة ما بعد أوسلو الذين شاركوا في نفس الحدث كانوا أقل تأكيداً، فأعربت تسيبي ليفني -وزيرة خارجية إسرائيل السّابقة- عن أملها في أن يقوم “المعتدلون البراغماتيّون” من كلا الطّرفين على إحياء عمليّة السّلام.
في ظلّ الظّروف الرّاهنة، يبدو ذلك أمنية أكثر من أن يكون حلّاً.

وقد أصرّ دانييل كيرتزر -سفير الولايات المتّحدّة الأمريكيّة السّابق لدى إسرائيل- على أنّ حلّ الدّولتين يظلّ هو الهدف السّياسيّ الوحيد الجدير بالسّعي لتحقيقه – وهو أفضل من وجود دولة واحدة ثنائيّة القوميّة أو اتّحاد كونفدراليّ إسرائيليّ فلسطينيّ حيث يتم تقاسم القدس فيه، أو غيرها من التّرتيبات المطروحة. وقال: “إنّ أيّ شخص قام بتحليل بدائل لحلّ الدّولتين يعرِف أنّ لا شيء منها يصلح”.

وردّ المعشر قائلاً: “دعونا نجعل الحقوق هي الحُجّة الرئيسيّة للنّاس”. في ذلك إشارة إلى تطوّر الحوار داخل الحركة الفلسطينية وخارجها، بما في ذلك الحوار بين الدّيمقراطيّين الأمريكيّين، حيث يتحوّل التّركيز بعيداً عن افتقار الفلسطينيّين إلى دولة وعدم تمتّعهم بحقوق متساوية داخل إسرائيل، فقال: “دعونا نستمرّ في الحديث عن شكل الحلّ.. أمّا تجاهُل حقوق الشّعب فهو غير قابل للاستمرار”.

 

إضراب شامل في المحافظات الفلسطينيّة وأراضي الـ48 للرّدّ على العُدوان الإسرائيليّ المتواصل على الشّعب الفلسطينيّ – الثلاثاء 18 مايو 2021

يحاول الفلسطينيّون أنفسهم توضيح هذه النّقطة الأخيرة. شهد الإضراب العام الشّامل في هذا الأسبوع مشاركة جماعيّة لعرب إسرائيليّين – وجميعهم تقريباً يعتبرون أنفسهم فلسطينيّين – وفلسطينيّين في الضّفّة الغربيّة والقدس الشّرقيّة وغزّة. يرى محلّلو المشهد الفلسطينّي بصيص عهد جديد من هذا الاحتشاد.

كتب طارق باكوني في مجلّة لندن ريفيو أوف بوكس (مُراجعة لندن للكُتُب): “أوّلاً، إنّ هُدوء الشّعب الفلسطينيّ -المتّهم بشدّة في نطاق مجتمعاتهم المحلّيّة باللا مُبالاة وعدم الاكتراث- لم يقبل بالهزيمة أبداً، لقد أظهروا أنّ “إسرائيل” لا يمكنها أن تستمرّ في سياساتها من دون أن تدفع ثمناً. وثانياً: بغضّ النّظر عمّا إذا كانت هناك حركة أوسع نطاقاً تخرج من اللّحظة الرّاهنة، فإنّ الانفجار الجماعيّ في أنحاء فلسطين التّاريخيّة يُبيّن أن الفلسطينيّين ما زالوا شعباً، رغم الأمل الزّائف في التّقسيم والفصل الواقعيّ جداً لأراضيهم، والتّجزئة العميقة لحياتهم السّياسيّة والاجتماعيّة”.

وكتب يوسف مُنيِّر في صحيفة نيويورك تايمز: “على مدى سنوات تصالَح الإسرائيليّون مع فكرة أنّهم يستطيعون إدارة علاقاتهم مع الفلسطينيّين، ولو على نحو وحشيّ، بدلاً من حلّها”. وما ساعد في ذلك هو عمليّة تستير قباحة حُكم “إسرائيل” وتحويطها بجُدران: فغزة “حبيسة ومُحاصَرة” وكأنّها على كوكب آخر، والإسرائيليّون في الضّفة الغربيّة يمكنهم أن يقودوا في كافّة أنحائها عمليّاً دون انقطاع من وجهة نظر الفلسطينيّين، والمواطنون الفلسطينيّون في “إسرائيل” يتمّ نقلهم إلى مناطق مُزدحمة ومُهْمَلَة إلى حدّ كبير.

لكن مُنيِّر أضاف أنّ الاضطرابات والاحتجاجات الجماهيريّة واجهت الإسرائيليّين بواقع جديد: “إنّ فلسطين ليست”هناك” بل هي في كل مكان من حولهم”.

 المصدر

إعلان

مصدر مصدر الترجمة
اترك تعليقا